يُعدّ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم التي تحل ذكراها السنوية هذه الأيام الأوكرانية انتهاكاً للقانون الدولي، وهو انتهاك تكرره روسيا باستهدافها المدنيين العزل في سوريا عبر استهدافها العشوائي للمدارس والمشافي والبنية المدنية للبلاد.

تحل خلال أيام الذكرى السادسة لقيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم إلى أراضيها عقب استفتاء من جانب واحد في 16 مارس/آذار 2014، وذلك على خلفية توتر العلاقات بين روسيا وأوكرانيا بعد التدخل العسكري الروسي في الأراضي الأوكرانية إثر الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش (المقرب من موسكو) أواخر 2013.

وفي حقيقة الأمر، فإن متابعة لأحداث في شبه جزيرة القرم منذ ذلك الحين وحتى الآن تكشف عن ارتكاب روسيا انتهاكات ومخالفات جسيمة للقانون الدولي بأشكال متعددة.

انتهاك المبادئ الأساسية للقانون الدولي

فمن ناحية أولى لعل أهم ما انتهكته الممارسات الروسية في هذا السياق هو المبادئ الأساسية للقانون الدولي والتي توافق المجتمع الدولي عبر سنوات على أنها تشكّل الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، وتحديداً مبادئ عدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها إزاء الدول الأخرى.

فضلاً عن احترام سيادة الدول المستقلة وسلامتها الإقليمية، كذلك حرمة الحدود. فروسيا - في التحليل النهائي- قامت باحتلال جزء من أوكرانيا، ما أسفر عن وقوع عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وأكثر من مليون ونصف المليون نازح في الداخل.

وكما سبقت الإشارة لا يحظى احتلال موسكو للقرم باعتراف دولي، فالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال لا يعترف بالاحتلال الروسي للمنطقة، ويعتبره تحدياً مباشراً للأمن والقانون الدوليين.

وبناء على ذلك، قام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بفرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية تقدر بنحو 50 مليار دولار حتى منتصف 2019. كما يطالب الاتحاد الأمم المتحدة بالنظر في تدابير مماثلة تماشياً مع قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة.

ولا تزال روسيا تنتهك السيادة الأوكرانية؛ فمنذ ضم القرم لروسيا يعاني شرقي أوكرانيا من اضطرابات مسلحة، جراء قيام انفصاليين تدعمهم روسيا بالسيطرة على تلك المناطق لاسيما في دونيتسك بدونباس.

انتهاكات حقوق الإنسان

من ناحية ثانية، وحتى في ضوء سياسات الأمر الواقع، هناك مؤشرات عدة على عدم وفاء روسيا بالتزاماتها كدولة احتلال، إذ تؤشر المشاهدات والتقارير الحقوقية والدولية المختلفة إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان في القرم على نحو لافت.

وتنوعت تلك الانتهاكات التي تمارسها السلطات الروسية لتشمل إعادة توطين السكان الروس في الأراضي الأوكرانية المحتلة (القرم) بشكل ممنهج لتغيير التكوين الديموغرافي للإقليم. وكذلك إعطاء جواز السفر القسري للمواطنين الأوكرانيين مع إجبار بعضهم على التخلي عن الجنسية الأوكرانية إلى جانب التجنيد غير القانوني في القوات المسلحة الروسية.

في السياق ذاته يتعرض السكان الأصليون في القرم لملاحقات وُصفت بأنها ذات دوافع سياسية. كما انتهكت روسيا القانون الدولي كذلك بنقلها المعتقلين والسجناء من القرم إلى روسيا. كما تعاني الأقلية التتارية في هذه المنطقة من "اضطهاد" بسبب عرقيتهم. فقد أغلقت موسكو العديد من وسائل الإعلام وحظرت السلطات فعلياً ما يزيد على 22 تجمعاً لطائفة شهود ياهوا.

جدير بالذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أمرت بإجراء تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في ديسمبر/ كانون الأول عام 2016 بيدَ أن السلطات الروسية رفضت السماح لمحققي الأمم المتحدة بدخول القرم.

أما في منتصف يناير 2017 فقد رفعت أوكرانيا قضية أمام محكمة العدل الدولية احتجاجاً على تمويل موسكو لمتمردين انفصاليين يقاتلون القوات الحكومية، فيما اعتبرته كييف دعماً روسياً للأعمال الإرهابية ضد الحكومة الشرعية للبلاد.

كما طالبت كييف بالكف عما تعتبره "تمييزاً" من السلطات الروسية ضد الأقليات (كالتتار والمتحدرين من أصل أوكراني) في شبه جزيرة القرم، إلى جانب السعي للحصول على تعويض عن الهجمات على المدنيين خلال النزاع.

انتهاكات قانون البحار

من ناحية ثالثة، تمارس موسكو بعض الانتهاكات بحق قانون البحار، إذ تسيطر روسيا منذ عام 2014 على مضيق كيرتش، الذي يقسم بين مياه بحر آزوف والبحر الأسود.

وهناك شكاوى رسمية من الخارجية الأوكرانية ببناء روسيا جسراً غير شرعي فوق مضيق دولي، بما يؤثر على حركة سفن كل الدول في طريقها إلى المرافئ الأوكرانية وانطلاقاً منها.

وفي نوفمبر 2018، شهد هذا الملف تطورات جديدة تعكس تمادياً روسياً جديداً، حيث احتجز عناصر من خفر السواحل الروس زوارق حربية أوكرانية كانت تحاول العبور إلى بحر آزوف، وأدى ذلك إلى إصابة 3 أشخاص بجروح، كما احتجزت روسيا 24 بحاراً أوكرانياً، وإن أُطلق سراحهم لاحقاً.

ولا يزال النهج الروسي في هذا السياق مستمراً، ففي يناير الماضي 2020 أعلن نائب المندوب الدائم لأوكرانيا لدى المنظمة البحرية الدولية، أن بلاده قدمت احتجاجاً للمنظمة الدولية بشأن انتهاك روسيا لحقوق الملاحة الأوكرانية في بحر آزوف ومضيق كيرتش بشأن التوسع غير المصرح به من قبل محطة نوفوروسيسك نافتكس لمنطقة خدماتها في بحر آزوف ومضيق كيرتش، الأمر الذي يعد انتهاكاً لأوكرانيا التي لها الحق وحدها في بث معلومات السلامة البحرية في منطقة الخدمة هذه. ودعا النائب المنظمةَ البحرية الدولية إلى النظر في الأعمال الانفرادية غير المصرح بها للاتحاد الروسي، والتي تهدد سلامة الملاحة.

ختاما، يمكن القول إن السلوك الروسي إزاء شبه جزيرة القرم والمسألة الأوكرانية برمتها إنما يعكس في حقيقة الأمر التوجه المعلن من قبل القيادة الروسية الحالية بالسعي لإعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية، وهو ما يجعل من المقبول لدى موسكو التعامل بتعالٍ ملحوظ مع قواعد القانون الدولي، يتكرر الأمر على نحو جلي مرة أخرى في التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية، والذي وصل إلى حد لعب روسيا دوراً نشطاً في الصراع المسلح عبر تنفيذ ضربات جوية مباشرة.

غير أن الممارسات الروسية في هذا السياق تعكس عدم تمسك موسكو بقواعد القانون الدولي الإنساني (أو ما يعرف بقانون الحرب) فقد استهدفت الضربات الجوية الروسية المناطق المدنية، ودمرت البنى التحتية من مدارس ومستشفيات بعيدة جداً حتى عن تلك المناطق التي تدعي روسيا أنها تحارب وجود "الإرهابيين" بها.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRTعربي.

المصدر: TRT عربي