اعتقد الروس إلى وقت قريب، أن سياسة الكثافة النارية، والقضم التدريجي للأراضي، التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة، هي سياسة ناجحة، ستصيب الضامن التركي بشيء من الغضب المؤقت.

لكن الروس غفلوا عن المصالح القومية العليا للدولة التركية، والتفوا على اتفاقهم مع الأتراك في سوتشي في سبتمبر/أيلول عام 2018م، ودفعوا النظام السوري إلى خوض حرب قذرة على المدنيين الآمنين في محافظة إدلب، مما تسبب في كوارث إنسانية وفي أخطارٍ أمنيةٍ تخصّ الدولة التركية.

لم يتوقع الروس حجم الرفض التركي لسياسة القضم في منطقة ضمانهم المتفق عليها، لهذا اعتقدوا للحظات، أن الأتراك سيرتفع صوت غضبهم، دون أن يترافق ذلك بإجراءات عسكرية تركية على الأرض، ولهذا أدهشهم وفاجأهم حجم الحشد العسكري التركي الكبير، الذي زجّت به تركيا في أراضي محافظ إدلب.

هذا الحشد قال عنه بعض أصحاب نظرية التخييل السياسي، بأنه حشدٌ موجَّه لتصفية هيئة تحرير الشام بقبضة تركية مع حليفها الجيش الوطني السوري، هذا الرأي ساذج، ويتغافل عن إدراك تركيا لمعنى تصفية المعارضة المسلحة، وأثر هذه التصفية على الحل السياسي في سوريا وفق القرار 2254.

فحين يسمح الأتراك بتصفية فصائل المعارضة، ويسمحون بسقوط المناطق المحررة بيد النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، فهم عمليّاً يسمحون بوقوع تهديدات ملموسة على أمن الدولة التركية، وعلى مصالحها القومية العليا، وهو أمر خطير يدركه الأتراك حكومة ومعارضة سياسية وشعباً.

لقد اتضح للروس أن سياسة القضم التدريجي للمناطق المحررة هي سياسة ناجحة، ولكن هذه السياسة تشكّل تهديداً جديّاً للدولة التركية، التي أعلن رئيسها رجب طيب أردوغان عن مهلة نهائية تنتهي في نهاية شهر فبراير/شباط الجاري، يتم خلالها انسحاب مليشيات النظام السوري وحلفائه من مناطق محافظة إدلب، التي انسحبت منها الفصائل المسلحة. فإذا لم يتم هذا الانسحاب طوعيّاً فسيفرض الجيش التركي هذا الطرد بالقوة.

رؤية الروس استندت إلى عوامل غير محسوبة بدقة، وسبب عدم حسابها هو إهمال الدور التركي في لعبة الصراع على محافظة إدلب. فالروس اعتقدوا أنهم سينجحون في فرض سياسة الأرض المحروقة والقضم التدريجي للمناطق المحررة، ولكن حساباتهم اعتمدت على نتائج عملياتهم السابقة في حلب والغوطة ودرعا، لهذا فهم قلّلوا من قيمة الدور التركي في التصدي لمخططهم في إدلب.

وهو ما جعلهم يقفون أمام مفترق طرق حقيقي، يتمثل بأحد احتمالين رئيسيين: الأول تصادمهم عسكريّاً مع تركيا في إدلب، وهو أمر لا يريدونه، لسبب أن حصيلته ستقودهم إلى كارثة في استثمارهم العسكري والسياسي في الصراع السوري، الذي زجوا أنفسهم فيه لأهداف استراتيجية يريدونها.

الاحتمال الثاني يتمثل في إفساح المجال لتركيا، بطرد قوات مليشيات النظام السوري من المناطق الخاضعة لخفض التصعيد الرابعة، وعدم دعم النظام عسكريّاً. لأن دعم النظام في هذه المعركة سيقود الروس إلى أوحال صراع لا تحتمله مقدرتهم العسكرية والسياسية في هذه الظروف، وسيضعهم في مواجهة السياسة الأمريكية القاضية بطرد إيران من سوريا، وبمواجهة قانون سيزر، الذي سيبدأ العمل به خلال أسابيع معدودة.

إذاً فالحسابات التركية دقيقة ومتوازنة، فهي وضعت أولوية أمنها القومي كمنطلق أساس لطرد قوات النظام، التي ارتكبت جرائم حرب، وجرائم ضدّ الإنسانية، كما تصنّفها الحكومة التركية، ووضعت في الحسبان ملاقاة قانون سيزر بتوقيته، سيما وأن الأمريكيين أفصحوا من أنقرة وعلى لسان جيمس جيفري مبعوثهم للملف السوري، بأن الولايات المتحدة تقف مع الشريك التركي في الناتو ضدّ العمليات الوحشية التي تقوم بها قوات النظام السوري وروسيا وإيران.

ولهذا يمكن القول إن تورط الروس بمواجهة مع الجيش التركي، الذي يُعتبر سادس جيش عالَمي وفي منطقة عملياته هو أمر مستبعد، وسبب استبعاده هو إدراك الروس أنهم يُستدرجون لمواجهة مع الغرب وتركيا والثورة السورية في محافظة إدلب، وهذا يعني خوض صراع غير متكافئ بالنسبة إليهم عسكريّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً.

إن عدم تورط الروس في حرب بمواجهة القوات التركية، التي حشدت أكثر من ألف دبابة وعربة مصفحة، إضافة إلى منصات صواريخ وقواعد مدفعية متطورة، يعني جنوح الروس إلى قبول تفاوض جديد في ظلّ توازنٍ عسكريٍّ مختلفٍ على الأرض.

هذا التفاوض إذا ما حصل سيرتكز على تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، وبقاء مناطق غربي حلب ومناطق محافظة إدلب تحت الضمانة التركية، والعمل على تنفيذ القرار 2254، إضافةً إلى أنه يُبقي العلاقات التركية-الروسية في مستوى مقبول.

تورُّط الروس بمواجهة تركيا في سوريا، وهو أمر مستبعد، سيقود روسيا فعليّاً إلى القبول لاحقاً بحصة صغيرة، سيوزعها التوازن العسكري الجديد للقوى المتصارعة، والذي ستشرف على إدارته الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فاحتمال إغماض العين الروسية عن عمليات طرد النظام بالقوة العسكرية هو أمر يبدو أقرب إلى الواقع.

الدولة التركية التي حشدت كل هذه القوات في سوريا، لم تحشدها للاستعراض العسكري، بل حشدتها لتنفيذ إرادة الحلّ السياسي وفق القرارات الدولية، وهذا يعني بصراحة موت سوتشي وأستانا، وكل ما بُني عليهما، وقد عبّر عن ذلك الرئيس رجب طيب أردوغان في إحدى خطبه.

إذاً نحن أمام تغيير في قواعد الاشتباك بين النظام السوري المدعوم إيرانيّاً وروسيّاً، والجيش الوطني السوري التابع للحكومة المؤقتة. هذا التغيير لا يصبّ البتة في مصلحة ميزان قوى النظام، أو في مصلحة حليفيه الروسي والإيراني، لهذا فإن العمليات العسكرية التركية مع الجيش الوطني السوري، التي سُمّيَت " دعم السلام"، ستكون ذات أهداف متعددة.

أول هذه الأهداف هو معاقبة مَن أهدر دم الجنود الأتراك في إدلب، والمقصود مليشيات النظام السوري، وثاني هذه الأهداف فرض الهيبة العسكرية والسياسية لتركيا التي تعرضت للتساؤلات المشروعة من مؤيديها، وثالث هذه الأهداف يتمثل بتغيير ميزان القوى العسكري على الأرض السورية، مما يفتح الباب لوقف الحرب، واعتماد طريق الحلّ السياسي الدولي عبر مفاوضات جنيف.

بقي أن نقول إن تركيا تستند في عملياتها العسكرية إلى دعم سياسي أمريكي وغربي معلن، وقد أوضحت ممثلية الولايات المتحدة في مجلس الأمن في جلسته الأخيرة أن الولايات المتحدة تقف مع حليفتها الدولة التركية في منع الحرب على إدلب وتهجير سكانها.

هذه الركائز التي تقف عليها إرادة تغيير الواقع في الصراع السوري تركياً، هي في الحقيقة تكثيف نسبي لمجموع إرادات الدول الرافضة لبقاء نظام بشار الأسد في السلطة، وهو ما يعني اقتراب نهاية هذا الصراع، ووقف حمام الدم المستمر منذ ثمانية أعوام وأكثر، ويعني المضي بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ويعني فشل محاولات عزل تركيا عن دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي