ظهرت العديد من التحديات الجديدة المرتبطة بمفهوم الخصوصية الرقمية وتحديدا ما يتعلق باندفاع العديد من الأهالي لنشر صور وتفاصيل حياة أطفالهم على منصات التواصل الاجتماعي

برز  الانغماس الرقمي كواحد من أهم التحديات التي تواجه الأبناء والآباء على حد سواء 
برز  الانغماس الرقمي كواحد من أهم التحديات التي تواجه الأبناء والآباء على حد سواء  ()

في ظل تدفق المعلومات والبيانات الهائل في الفضاء الرقمي وهيمنة العالم الافتراضي على تفاصيل حياة البشر، ظهرت العديد من التحديات الجديدة المرتبطة بمفهوم الخصوصية الرقمية وتحديدا ما يتعلق باندفاع العديد من الأهالي لنشر صور وتفاصيل حياة أطفالهم على منصات التواصل الاجتماعي.

تتنوع الدوافع من الرغبة في المشاركة مع الأهل والأصدقاء إلى صناعة المحتوى أو البحث عن الشهرة، ومع تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر في الموضوع، إلا أنه من المهم الإشارة إلى بعض مخاطر هذه الممارسات التي قد تعرض الطفل إلى انتهاك خصوصية، أو سرقة هوية، أو استغلال من قبل شركات التنقيب عن المعلومات، فانغماس بعض أولياء الأمور في مشاركة معلومات وبيانات أطفالهم أو ما يعرف بالـ "sharenting" قد يكون له انعكاسات خطيرة على مستقبل الأطفال.

بداية، ما هو الـ Sharenting؟

هو دمج بين كلمتي share التي تعني مشاركة، وparents وهما الوالدان، يطلق على ما يمارسه بعض الأهالي بنشر صور ومعلومات وبيانات أطفالهم من خلال منصات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وإنستغرام ويوتيوب وغيرها.

قدرت مفوضة الأطفال في بريطانياآنا لونغفيلد في تقريرها "من يعرف ماذا عني؟" الصادر في عام 2018،أن نحو 1300 صورة ومقطع فيديو تنشر للطفل على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الوالدين قبيل بلوغه سن الثالثة عشرة.

وما يؤشر للانتشار الواسع لهذه الظاهرة، ما كشفه استطلاع لشركة AVG لأمن الإنترنت على مجموعة من الأهالي من أمريكا الشمالية، وبعض دول أوروبا إضافة إلى اليابان وأستراليا ونيوزلندا، بأن 81% من الأطفال دون العامين لديهم نوع من الحضور على الشبكة العنكبوتية، وذكرت صحيفة telegraph البريطانية أن الحكومة الفرنسية أقرت عام 2016 قانوناً يمنح الأطفال البالغين الحق بمقاضاة ذويهم في حال قاموا بالتعدي على خصوصيتهم عن طريق نشر صور محرجة لهم في سنواتهم الأولى، وقد تصل العقوبة للسجن سنة أو دفع غرامة بقيمة 45,000 يورو.

هل هو حق مسلوب؟

عند القيام بنشر معلومات أو قصص أو صور للأطفال عبر الفضاء الرقمي، فهذا يعني انتهاكاً لخصوصياتهم قبل وصولهم للمرحلة التي تمكّنهم من اتخاذ القرارات التي تخصهم وحدهم، وهذا من شأنه أن يسلبهم حق تكوين بصمتهم الرقمية الخاصة لاحقاً، ولن يتمكن الطفل عندئذ من فعل أي شيء حيال الأثر الرقمي الذي صنعه والداه.

تتنوع آراء الأهل تجاه مفهوم خصوصية الأطفال في هذا السياق، فبعض الأمهات اللواتي سُئلن عن الموضوع ترين أن الأمر يتعلق بشكل أساسي بمضمون ما يتم نشره وطبيعة الجمهور، فتتجنب نشر صور لنوبات البكاء أو لقطات محرجة، ولكنها لا تمانع من مشاركة الأهل والأصدقاء بعض اللحظات المميزة لطفلها.

تقول سندس وهي أم لطفلين إنها أنشأت لهما حساباً خاصاً على إحدى المنصات الرقمية وتنشر عليه صورهم وبعض تفاصيل حياتهم اليومية بشكل دوري، لكنها في الوقت ذاته لا تضيف إلا بعض الأصدقاء والمقربين منها.

بالمقابل تعتقد نور وهي أم لطفلة أن الطفل غير الواعي ليس له خصوصية بطبيعة الحال، فالوالدان هما من يرسمان حدود الخصوصية، وعلى الرغم من ذلك فهي لا تنشر أي شيء يخص ابنتها على المنصات الرقمية للحفاظ على خصوصية حياتها، حسب قولها.

نشر بيانات وصور الأطفال بدون ضوابط فيه اعتداء على الطفل وحقه في تقرير مصيره، وقرار رفع صورة قد يكون كفيلاً بزعزعة ثقة الطفل بوالديه وعلاقته بهما

صحيفة The New York Times

حقيقة الأمر أن نشر بيانات وصور الأطفال بدون ضوابط فيه اعتداء على الطفل وحقه في تقرير مصيره، وقرار رفع صورة قد يكون كفيلاً بزعزعة ثقة الطفل بوالديه وعلاقته بهما، وهو الأمر الذي سلطت عليه الضوء صحيفة The New York Times الأمريكية في مقطع فيديو نشرته العام الماضي، عن مواجهة أطفال لذويهم حول مشكلة الـsharenting، ومن اللافت أنه بالرغم من استياء الأطفال الواضح إلا أن الكثير من الأهالي أبدوا عدم اكتراثهم وحتى امتعاضهم من ردود أفعال أبنائهم.

ماذا عن الهويّات المسروقة؟

مشاركة المعلومات عبر صفحات التواصل يجعلها عرضة للانتشار والتسرب، بغض النظر عن مراد مالكها، ورغم وجود إعدادات خصوصية متعددة، إلا أنها ليست فعالة بالقدر الكافي بل تستطيع العديد من الجهات الحصول على المعلومات واستغلالها، بما فيهم الشركات التي توفر هذه المنصات كما أثبتت فضائح فيس بوك مؤخراً.

يقول مهندس الحاسوب عبد الله إبراهيم الذي يعمل في مجال تصميم المواقع وحمايتها من الاختراق إن "مجرد رفع البيانات أو الصور ومشاركتها مع أي عدد من الأشخاص بدون رقابة يعني أن بإمكانهم تحميلها ونشرها متعمدين أو عن طريق الخطأ"، وهذا من شأنه أن يجعل أصحاب هذه البيانات ضحايا لقراصنة انتحال الشخصيات.

كما أن بيانات الأطفال المتوفرة عبر الإنترنت ليست استثناء، فهي تشكل منجماً غنياً للمنتحلين، من خلال تتبع المعلومات التي تخص الطفل والاحتفاظ بها إلى أن يحين وقت استغلالها عند بلوغ الطفل سن الرشد.

وخلص بنك Barclays البريطاني في عام 2018 إلى أن sharenting سيكون مسؤولاً عن 7.4 مليون حالة احتيال في 2030 بتكلفة تقارب الـ 670 مليون جنيه إسترليني.

التنمر .. الصداع الرقمي

تنتشر ظاهرة التنمر الإلكتروني في أوساط اليافعين بشكل متزايد وتتنامى معها تداعياتها السلبية على الأطفال وعلاقتهم بالمجتمع، حيث أوضح استطلاع للرأي أجرته منظمة الأمم المتحدة للأطفال (يونيسف) أن واحداً من بين كل ثلاثة يافعين في 30 دولة حول العالم كانوا ضحايا للتنمر الإلكتروني، وعليه فإن مشاركة صورة "لطيفة" أو قصة "مضحكة" عن الطفل قد تجعل منه ضحية للتنمر مستقبلاً، وما يتبع ذلك من آثار سلبية على الضحية، كتدني المستوى الدراسي أو المشاكل النفسية التي يمكن أن تؤدي للإقدام على الانتحار في بعض الحالات.

استغلال "شركات التنقيب"

من المعروف أن مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمعلومات المجانية عن أعداد مهولة من البشر، وهذا يسهل على شركات التنقيب عن البيانات العثور على أنماط بين هذا الكم الهائل من المستخدمين، فتكون قادرة بذلك على التنبؤ بقدرات وسلوكيات وانتماءات الأشخاص بشكل دقيق ومذهل.

يوضح المهندس عبد الله أن السنوات الأخيرة شهدت توجهاً متزايداً نحو التركيز على البصمات الرقمية للمستخدمين بشكل فردي من قبل شركات التنقيب، ويضيف "البصمة الرقمية للطفل قد تتكون في كثير من الأحيان قبل ولادته، بناء على تصفح والديه لشبكة الإنترنت بحثاً عن أمور قد تتعلق به".

وعند سؤاله عن تبعات توفر بيانات الأطفال على الشبكة العنكبوتية، أشار المهندس إلى أن اختلاف الخبراء بين من يرى أهميتها وتوظيفها في خدمة المستخدمين كتسهيل وصول الطفل لمصادر معرفية وطرق تعلم تلائمه بشكل أفضل وتسريع عملية التوظيف مستقبلاً، ومن يحذر منها ومن تبعاتها السلبية على الأطفال حيث تجعلهم عرضة للإعلانات الموجهة وحملات توجيه الرأي العام في سن مبكرة أو التأثير على فرصهم في التوظيف مستقبلاً.

إلى أين نحو ذاهبون مع الخصوصية الرقمية؟

من الواضح أن التأثيرات الحالية والمستقبلية لنشر معلومات الأطفال عبر الإنترنت لا تزال مجهولة إلى حد كبير، خاصة أن الظاهرة انتشرت بقوة في السنوات الأخيرة فقط.

وأكد تقرير مفوضة الأطفال في بريطانياأنه يجبالتوقف والتفكير فيما يعنيه هذا بالنسبة لحياة الأطفال الآن، وكيف يمكن أن يؤثر على حياتهم المستقبلية كبالغين.

ويبين التقرير "أننا ببساطة لا نعرف ما هي عواقب كل هذه المعلومات حول أطفالنا. في ضوء عدم اليقين هذا، هل يجب أن نكون سعداء بمواصلة جمع بيانات الأطفال ومشاركتها إلى الأبد؟".

وأخيراً، لابد من التذكر دائماً أن معلومات الأطفال المنشورة على منصات التواصل محفوظة هناك للأبد وستكون متاحة كي تُستغل بشتى الوسائل ومن العديد من الأطراف والجهات، فلابد من خلق حالة من الوعي والإدراك، بعيداً عن الخوف والرهاب، تعين الأهل على اتخاذ قرارات أكثر حكمة لحماية حاضر الأطفال ومستقبلهم.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي