شهد شهر أغسطس/آب الجاري ازدياد في سلسلة الهجمات الفلسطينية المسلحة ضد أهداف عسكرية إسرائيلية على حدود قطاع غزة الشمالية والشرقية، دون أن تتبناها أي من فصائل المقاومة الفلسطينية، على غير العادة.

فقد هاجم مقاوم فلسطيني في الأول من أغسطس قوة عسكرية إسرائيلية، على الحدود مع مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، فأصاب ثلاثة جنود إسرائيليين، بينهم ضابط، واستشهد على الفور.

وفي العاشر من أغسطس أعلن الجيش الإسرائيلي تصفية أربعة مسلحين فلسطينيين بعد اقترابهم من حدود مدينة دير البلح وسط القطاع، بعد أن خاضوا اشتباكا مسلحا دون الإعلان عن خسائر إسرائيلية.

وفي الحادي عشر من أغسطس، استشهد مسلح فلسطيني خاض اشتباكا مسلحا مع الجيش الإسرائيلي شمال قطاع غزة، وأخيرا أعلنت قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم 17 أغسطس عن قتل ثلاثة مسلحين فلسطينيين اشتبكوا مع جنودها شمال قطاع غزة.

لم ينته شهر أغسطس بعد، ومن المتوقع أن يشهد عمليات أخرى على هذا النمط في ظل توفر ذات المعطيات والعوامل التي دفعت مسلحين سابقين لتنفيذها، الأمر الذي يتطلب تسليط الضوء على طبيعة هذه الهجمات، ومن يقف وراءها، ومدى تفاعل الرأي العام الفلسطيني معها، بين مؤيد ومتحفظ ومعارض. 

اللافت في جميع هذه العمليات التي حاول المسلحون الفلسطينيون مهاجمة مواقع للجيش الإسرائيلي، أن الجيش الإسرائيلي لم يتهم حماس مباشرة بتنفيذها، وكأنه قبل برواية الحركة بأنها أعمال فردية، في حين أن حماس أصدرت بيانات لنعي الشهداء دون اعتبارهم من عناصرها المسلحين، مع أن الفلسطينيين يعرفون أنهم من أعضاء كتائب القسام الجناح العسكري لحماس.

يتساءل الفلسطينيون في غزة: ماذا يعني أن تكون هذه الهجمات فردية، وهل أن حماس فقدت السيطرة على مقاتليها الذين ينفذون عمليات دون توجيه منها؟ ولماذا يتفلت عناصر حماس من قرارات قيادتهم؟ وإلى أي حد سيبقى الجيش الإسرائيلي مقتنعا برواية حماس بأنها أعمال فردية وليست موجهة؟ وهل هي عمليات فردية فعلا أم سياسة جديدة لدى حماس تهدف إلى استنزاف الجيش الإسرائيلي؟

ليس سراً أن الجيش الاسرائيلي يركز قواته العسكرية على حدود غزّة: الشمالية والشرقية والجنوبية، ويحيطها بتحصينات وتقنيات معقدة في بيئة جغرافية سهلة ومكشوفة، مما يتطلب الكثير من التخطيط والتدريب على كيفية مهاجمة مواقعه وثكناته من خلال خلايا منظمة وموجهة، تعمل وفق منظومة سيطرة وتحكم، وليس محاولات فردية متناثرة هنا وهناك، لا تحقق الهدف المرجو من هجماتها، إن سلمنا بأنها فردية من الأساس. 

ومع ذلك، فإن تكرار هذه العمليات الفردية يسلط الضوء على أهم الدوافع والعوامل التي يرصدها الفلسطينيون، ومن أهمها ارتفاع مستوى النقمة الفلسطينية على السياسة الإسرائيلية في مختلف الأراضي الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة، وحالة التلكؤ الإسرائيلية في عدم رفع الحصار المفروض على غزة، خاصة التفاهمات التي تم التوصل إليها في أكتوبر 2018، بوساطة أممية وإقليمية. 

يمكن الحديث عن وجود حالة من عدم الرضا تسود قواعد المقاومة المسلحة وكوادرها العسكريين من السلوك الميداني لقيادتهم السياسية والعسكرية، من جهة عدم الرد على كل انتهاك إسرائيلي.

عدنان أبو عامر

سبب آخر يتعلق في استمرار الاستهداف الإسرائيلي للمتظاهرين المدنيين السلميين على حدود القطاع خلال مسيرات العودة الأسبوعية، فرغم أن قيادة المسيرات اتفقت على إبعاد المتظاهرين عن الشريط الحدودي لعدم الاحتكاك بجنود الاحتلال، لكن هؤلاء وكأنهم يستمرئون إصابة وقتل المتظاهرين، والنتيجة إما استشهادهم على الفور أو إصابتهم بإعاقة دائمة.

عامل ثالث يرتبط بالكوابح التي تحيط بقيادة المقاومة في غزة، وعدم القدرة والرغبة بالذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع الاحتلال في مرحلة انتخابية حامية الوطيس يعيشها الإسرائيليون، مما يجعل الدم الفلسطيني في غزة وقودا لمعركة انتخابية بينهم، وبضاعة رائجة للفوز بمزيد من أصوات الناخبين، كل ذلك يدفع الأجنحة المسلحة في غزة لإجراء مزيد من الحسابات الدقيقة، مما قد يغضب كوادرها العسكريين.

هنا يمكن الحديث عن وجود حالة من عدم الرضا تسود قواعد المقاومة المسلحة وكوادرها العسكريين من السلوك الميداني لقيادتهم السياسية والعسكرية، من جهة عدم الرد على كل انتهاك إسرائيلي، وعدم الالتزام بسياسة "العين بالعين والدم بالدم والقصف بالقصف" التي أعلنتها المقاومة مؤخرا، وهو ما قد يجعلهم يبادرون لتنفيذ عمليات فردية ذاتية.

قوى المقاومة الفلسطينية لم تتبن رسمياً هذه العمليات الفردية، لكنها في الوقت ذاته، لم تتنصل منها. فقد نعت الشهداء الذين سقطوا على حدود القطاع، وحملت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استشهادهم، دون الدخول في تفاصيل العمليات، لكنها أكدت على حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، والتصدي لكل أشكال العدوان الإسرائيلي.

بل إن الفصائل الفلسطينية قدمت ما يمكن وصفه تبريرا لإمكانية استمرار هذه العمليات الفردية، بالحديث عن حالة الغضب والضغط التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني التي ستنفجر في وجه الاحتلال، ما لم يرفع الحصار عن قطاع غزة، ويوقف جرائمه وإرهابه المنظم واقتحامه المتكرر للمسجد الأقصى.

توقف الإسرائيليون مطولا عند هذه العمليات الفردية على حدود غزة، ولئن اعتادوا على مثل هذه الهجمات الفردية بالطعن والدعس وإطلاق النار في الضفة الغربية، لكنهم استيقظوا على واقع جديد في غزة ينقل هذا النموذج من العمليات إليها، رغم وجود أجنحة عسكرية ورعاية سياسية واحتضان أمني للمقاومة في القطاع.

حتى كتابة هذه السطور بدا أن إسرائيل قبلت بالرواية الفلسطينية على أنها عمليات فردية، سواء عن قناعة جدية أو تمويهية. 

لكن آراء إسرائيلية أخرى وضعت لنفسها خط رجعة بالحديث عن احتمالية أن تكون هذه العمليات موجهة، وربما تعتبر سياسة جديدة من حماس، دون أن تعلن مسئوليتها بصفة رسمية، في ظل أن معظم المنفذين من عناصر الجناح العسكري لحماس، وقد حملوا خلال هجماتهم أسلحة يدوية وقنابل ومعدات متوفرة في الكتائب المسلحة داخل القطاع، فضلا عن قدرة المهاجمين في جميع هذه العمليات بالوصول إلى مواقع متقدمة نحو الجيش الإسرائيلي، مما يطرح السؤال عن غياب المجموعات المسلحة التي ترابط على الحدود الغزية، وتحميها من أي عدوان إسرائيلي. 

فرص نجاح مثل هذه العمليات الفردية تبدو متواضعة لأن حصيلة أربع عمليات هجومية أسفرت عن إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين مقابل استشهاد تسعة مقاومين مما قد يثير غضب الفلسطينيين.

عدنان أبو عامر

يبدو من الأهمية بمكان في هذه الفقرة بالذات استحضار ما يردده الخبراء العسكريون الإسرائيليون حول عدم اقتناعهم بنجاح عدد من المسلحين في التسلل بشكل جماعي لتنفيذ عمليات فدائية على حدود قطاع غزة، دون وجود معرفة مسبقة من حماس، صحيح أن مسلحاً واحدًا أو اثنين يستطيعان الاقتراب من السياج الحدودي دون معرفة حماس، لكن لا يمكن الاقتناع بأنّ تسلل خلية تتكون من خمسة مسلحين كان دون معرفة مسبقة من الحركة، أو عدم ملاحظة عناصر وحدات الرصد الميداني لهم.

هذا يعني أن حماس تعمل على الانتقال من وسيلة لأخرى في الضغط على إسرائيل للحصول منها على مزيد من التنازلات، فهي ما زالت تستخدم البالونات الحارقة، وعمليات القنص، وإطلاق الصواريخ، والآن ربما دخلت وسيلة جديدة للضغط وهي تسلل المسلحين لتنفيذ عمليات فدائية داخل الأراضي المحتلة، وفي الوقت ذاته تخفي حماس بصماتها، لأن الحركة تعتقد أنه لابد من إجراء المفاوضات مع إسرائيل تحت النار، وهو ما يعني أننا مرحلة أخرى من حرب الاستنزاف التي تخوضها حماس في مواجهة إسرائيل، دون أن تعلن مسئوليتها.

في الوقت ذاته، فإن فرص نجاح مثل هذه العمليات الفردية تبدو متواضعة، لأن حصيلة أربع عمليات هجومية أسفرت عن إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين مقابل استشهاد تسعة مقاومين، مما قد يثير غضب الفلسطينيين حزناً وأسى على سقوطهم دون جباية أثمان من الإسرائيليين.

لا يمكن إغفال أن عدم نجاح هذه العمليات في تكبيد الاحتلال خسائر باهظة يعود إلى افتقار منفذيها لمقومات الهجوم العسكري الناجح الذي يتضمن جمع معطيات كافية عن الهدف المهاجم، مسبوقا بخطة تشارك في إعدادها أجهزة المقاومة الاستخبارية التي توفر المعلومات والخرائط عن هدف العدو، مدعومةً بأسلحة تتناسب مع الهدف، وقوات دعم وإسناد وإشغال العدو، وهذا كله تفتقر إليه العمليات الفردية، مما يزيد من نسب فشلها، وكشف الاحتلال للمنفذين.

استكمالا للنقطة السابقة، فإن الجيش الإسرائيلي يحيط حدود قطاع غزة بأنظمة المراقبة والتحكم على طول السياج الفاصل، وينشر كاميرات مراقبة مسلطة، وينشر قواته بدشم محصنة مموهة، ويعمل على تحريك طائراته المسيرة لمراقبة الحدود، ويستخدم طائراته المروحية.

أخيراً.. صحيح أن العمليات الفردية في غزة تشهد رواجا بين عناصر المقاومة، وإن كانت بصورة غير رسمية، وهو ما يحصل في الضفة الغربية في استهداف جيش الاحتلال والمستوطنين، لكن الفرق في الجغرافيا واضح وجلي، فالمقاومة في غزة تحتضن هؤلاء المقاومين، وإن لم توافق على عملياتهم، على الأقل ظاهرياً، لكنهم يستخدمون أسلحتها، ويستفيدون من تدريباتها، فيما تلاحق السلطة الفلسطينية في الضفة أي فلسطيني يفكر بتنفيذ عملية هجومية ضد الاحتلال، فضلا عن تنسيقها الأمني معه لاعتقال المقاومين ومصادرة أسلحتهم.

وفي ظل استمرار ذات العوامل والدوافع في غزة التي شجعت المقاومين على تنفيذ عملياتهم الفردية، فإننا أمام تكرار لهذه الهجمات في قادم الأيام، دون وجود ضمانة إسرائيلية بعدم نجاح واحدة منها في قتل أو اختطاف جنودها، مما يفتح الواقع الأمني في غزة على كثير من السيناريوهات غير المرغوبة. 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي