يُلاحظ أن طرح قضية التحرش بالنساء، للنقاش كل مرة يرتبط بحدث أو واقعة ما، يتوقف عليها شدة توتر الجدل ومدته الزمنية واتساع محيطه.

من آونة إلى أخرى تُطرح قضية التحرش الجنسي بالنساء، على طاولة الجدل المجتمعي العام، ما من شأنه أن يسهم في خلخلة مثل تلك القضايا الشائكة والدفع بها من حيز معايير العيب الاجتماعي الذي يحتم على الضحية الصمت والحجب، بل ومعاقبتها وتحميلها مسؤولية فعل التحرش إلى فضاء النقاش العلني وضرورة بحث سبل المواجهة.

لكن، ولأن مجتمعاتنا حديثة العهد بهذا النوع من النقاشات، فمن الضروري نقد منهجية وآلية الخطاب الحقوقي النيوليبرالي المتصدر الذي كاد أن يكون سلفياً معكوساً.

كذا تحتاج ردود الفعل الانعكاسية العامة سواء كانت الداعمة أو المناهضة إلى الفهم والكشف عن الرواسب اللاوعيية الراسخة التي تدفعها وتحدد مواقفها المعلنة؛ لأنه، وعلى الرغم من تباينها، إلا أنها في الإجمال تنم عن درجة من السطحية والتفاهة تمليها لغة وانفعالات وتحيزات اللاوعي، وتسير بالمسألة في نفق عقيم، يساهم في تعقيدها ومصداقيتها شعبياً.

ومبدئياً، يُلاحظ أن طرح قضية التحرش بالنساء، للنقاش كل مرة يرتبط بحدث أو واقعة ما، يتوقف عليها شدة توتر الجدل ومدته الزمنية واتساع محيطه، وقد أثيرت تلك المرة، على هامش فعاليات كأس الأمم الأفريقية في دورتها ال32 التي تستضيفها مصر، ولذلك، كانت أكثر زخماً ودوياً، وقد بلغت حداً تجاوز الواقع الافتراضي إلى منصات الإعلام التقليدي وأروقة المقاهي وحديث الشارع؛ إذ يمس الحدث سمعة المنتخب القومي، عدا أنه حدث جماهيري كبير.

أثيرت قضية التحرش الجنسي على هامش فعاليات كأس الأمم الأفريقية في دورتها ال32 التي تستضيفها مصر ولذلك كانت أكثر زخماً ودوياً وقد بلغت حداً تجاوز الواقع الافتراضي إلى منصات الإعلام التقليدي وأروقة المقاهي.

إيمان النمر

وهنا، نفحص ردات الفعل المتوالية، على خلفية المنشورات التي دونتها إحداهن على صفحتها الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي، متهمة أحد لاعبي فريق المنتخب المصري بالتحرش اللفظي بها من خلال المراسلة والتعليق على إحدى صورها الشخصية.

وما يهمنا، ليس إثبات الواقعة أو نفيها، وإنما تحليل التعاطي العام مع قضية التحرش ذاتها؛ لأنه وبصرف النظر عن مصداقية تلك الواقعة من عدمها، فمعدلات التحرش بالنساء على اختلافه في ارتفاع كل مدى.

وقد أبدى الكثير من المناهضين والحقوقيين اندهاشهم وإدانتهم حملات التضامن وعبارات الدعم التي عبّر بها بعض من الجمهور، غير هتافات الإعجاب الصاخبة في مقاهي الفرجة وصالات العرض أثناء المباراة التالية التي شارك فيها اللاعب، لكن الدهشة تُفسر، إذا ما أعدنا النظر في ماهية النظام الكلي الذي يحتكم إليه المجتمع العربي ذو التراتبية الهرمية.

هذا النظام الذي يعزز أشكال التبعية والاستبداد، والذي كلما ساءت شروط إنتاجه الاجتماعية، اشتدت وطأته على الفئات الأدنى والأضعف بحسب تقييمه، وكان أسيراً للتصورات والترسيمات الذكورية التي نشأ عليها، مما يدعم سلطة الرجل واستتباعه للمرأة، ومن ثمّ تعيينها موضوع تفريغ وإزاحة للقهر الذي يواجهه من السلطة الأعلى ويعجز عن دفعه.

وفي ذات السياق يُفهم رد فعل الذكور الداعمين أو الصامتين عن فعل المتحرش في الفضاء العام، كالمؤسسة والشارع ووسائل التواصل والانتقال، إذ تمثل لهم المرأة موضوع تعويض حتى ولو بالإنابة لإثبات صورتهم المتخيلة عن الرجولة، التي تعني القوة والخشونة والغزو والتعنيف دون حق الرفض أو المقاومة؛ إذ تُختزل أجساد النساء إلى مقام الشيء الذي يجب أن يُمتلك.

يُفهم رد فعل الذكور الداعمين أو الصامتين عن فعل المتحرش في الفضاء العام كالمؤسسة والشارع ووسائل التواصل والانتقال إذ تمثل لهم المرأة موضوع تعويض حتى ولو بالإنابة لإثبات صورتهم المتخيلة عن الرجولة.

إيمان النمر

وفي نموذجنا المذكور، لا يفوتنا أن الشخص محل الاتهام، يمثل قبل أي اعتبار فريقاً رياضياً ذكورياً، يعزز صورة الرجل النمطية تلك، فضلاً عن أن الرياضة، وكما يبين تيري إيجلتون" تتضمن ولاءات وعداوات قبلية، وطقوساً رمزية، وأساطير رائعة، وأبطالاً رموزاً..."، ومجالاً أيضاً للاستعراضات وترسيخ الإحساس بالانتماء. وعليه، فالجمهور المتضامن يتضامن مع ذاته كرجل ثم مع اللاعب أو أي رجل آخر كرمز تمثيلي لبني الهيمنة الذكورية الأسطورية التي ينتمي إليها.

وقد يتحرش ذكر بأنثى، بالرغم من ارتفاع مستواه المادي والاجتماعي والمهني الذي يمثله، لكنه لا يستطيع الانسلاخ من عملية النشوء الاجتماعي العام التي رسخت في ذهنه عبر كل مؤسسات المجتمع، بعض التصورات النمطية المتوارثة التي تقولب المرأة في صورة العارضة اللعوب إذا ما أبدت أي تحرر في شكلها الظاهري بشكل لافت، مثل الزي وأسلوب الحديث والتعبير عن الانفعالات وحركات الجسد، تلك الصورة التي لم يمحها ارتفاع معدلات انخراط المرأة في سوق العمل ومجال التعليم.

إن الظرف الراهن يثبت أن مجتمعاً ضعيفاً لا يمتلك أدوات تواصله وتفاوضه، ويفتقد إلى شروط إنتاج قيمه بشكل حر، لا يمكن أن يتولد عنه أفراد أسوياء يمكن محاسبتهم أو تحفيزهم على نحو منفصل دون السياق الكلي الذي يحكمهم، وأن تفكيك وإدانة الثقافة التقليدية التي تعزز أشكال التبعية على اختلافها، لا تغني عن قوانين ومؤسسات مختصة تضمن فعاليتها.

وهذا ما لا يفطن إليه الخطاب الحقوقي الليبرالي الذي تحول تحت وطأة الإحباطات والإخفاقات إلى استخدام لغة لا عقلانية مسكونة بميثولوجيا الأخلاق والتطهر والرغبة الانتقامية؛ إذ تحولت المسألة الحقوقية إلى نوع من السلفية الطفولية، بعدما عجزت عن إيجاد سبل ناجعة تحقق ما تنادي به؛ فلأن القانون معطل والبنى السياسية والاجتماعية تعاني الخضوع لمنطق السوق، والمنظمات الحقوقية ذاتها متشرذمة ومقسمة إلى ولاءات مختلفة، فلم يعد سوى مشاعر الغيظ والانتقام القابعة باللاوعي الذي يمدها بلغته ذات المسحة الدينية التي أراد الانسلاخ منها وأدانها بالأساس.

يعبر عن ذلك أتباع هذا الخطاب، الذين عبروا عن مشاعر الشماتة والفرح بهزيمة الفريق الكروي، مستخدمين توصيفات من نوعية (الدنس والنجاسة) التي لا تجلب البركة ولا النصر، وكأن الزمن ارتد بنا إلى ألعاب الأوليمب فوق جبل الآلهة باليونان القديمة قبل الميلاد!

ولفهم تلك المعضلة، لا بد من عودة إلى شعار " الشخصي سياسي The personal is political" الذي انطلقت منه الحركتان النسوية والطلابية الراديكالية أواخر الستينيات من القرن الماضي، بغية تفكيك البنى السياسية والاجتماعية الأبوية، وبحسب جيل ليبوفتسكي "سيّست النساء مشكلات الجنس وأتحن للعامة فرصة إبصار المآسي الحميمية، وذلك من خلال صراعهن للحصول على اعتراف بحقوق جديدة تتعلق بالجسد، وتنديدهن بالطبيعة البطريركية لقوانين العقوبات، وكسرهن لجدار الصمت حول الإجهاض والاغتصاب والعنف العائلي، وبذلك تم تعميم الخاص وتخصيص السياسة؛ فالنسوية قدمت الحرب السياسية في الشأن الخاص والحرب الجنسية في الفضاء العام".

بحسب جيل ليبوفتسكي سيّست النساء مشكلات الجنس وأتحن للعامة فرصة إبصار المآسي الحميمية وذلك من خلال صراعهن للحصول على اعتراف بحقوق جديدة تتعلق بالجسد.

إيمان النمر

لكن، ما حدث أن السياسي نفسه ابتلعته سياسات السوق الجديدة، ولم تستطع تلك الحركات أن تمارس السياسة، بلغة السياسة التي تعني التفاوض والممكن وامتلاك أدوات الضغط، بما يفضي إلى قوانين وتشريعات المواطنة الديمقراطية التي تضمن مساواة أفراد المجتمع على تنوعهم الجنسي والديني والعرقي، وتوفر لهم مؤسسات الحماية، وإنما تبنت لغة ثقافية فوق قانونية وتحت سياسية، سريعاً ما انقلبت إلى وصائية يمينية تتناقض مع مبدأ التحرر الليبرالي الذي انطلقت منه.

الأسوأ من ذلك، أن أصبحت قضية التحرش والجسد النسائي بالعموم محل استغلال لتصفية الحسابات السياسية بين الخصوم، وتبييض وجه الأنظمة الرأسمالية والاستبدادية على مستوى العالم، ناهيك عن أنّ أدلة الإثبات في قضايا التحرش، غالباً ما يصعب ثبوتها والتحقق منها، وفي مجتمعاتنا لا تتورع السلطة السياسية في استخدامها بشكل فضائحي بغية تشويه خصومها دون أن تبالي بالضحية حال كانت الواقعة حقيقية؛ لذا فليس مستغرباً أن تصرح الجهة الرسمية بهذا المنطق، في حالة النموذج المذكور، بأنّ المسألة برمتها قصة مختلقة تندرج تحت بند التآمر، بغية إفساد بهجة الحدث وتنظيمه المميز.

إذاً؛ من الضروري أن ينتبه الخطاب الحقوقي والنسوي حال إذا كانت لديه الرغبة الحقيقية في التغيير المجتمعي، أن يتمسك بلغة القانون والعدالة، ويعيد النظر في رد مسألة الشأن الخاص إلى المجتمع المدني، كما أنه بحاجة ماسة لأن يتسلح بأدوات معرفية، وبذل جهد نظري لتحديد وتجديد مفاهيمه الشائكة، مثل مفهوم التحرش، والتمييز بين أنواعه سواء كان لفظياً أم جسدياً.

أما في حال تمسكه بشعار " الشخصي سياسي" فعليه أن يواجه السلطة السياسية ويزاحمها، ويطالب بتفعيل قوانين العقوبات، وبحث سبل الإثبات، والسعي نحو استقلال القضاء، وتحرير المجتمع وما هو سياسي من قبضة السوق، قبل أن يكتفي ويزايد بصراخ الضعفاء، وإدانة الأفراد وكأنهم أطفال قُصر يجب تربيتهم، وملاحقتهم في حيزات العمل دون تحقيقات عادلة بدلاً عن منصات المحاكم القضائية والنيابات الإدارية الخاصة بشؤون وضوابط العمل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي