أعلن الرئيس دونالد ترمب مؤخراً عن صفقة القرن من أجل السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد جاءت منحازة للإسرائيليين بشكل لا يقبل الشك في حين لم تلبّ للفلسطينيين حتى أدنى متطلباتهم بدولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

قبل ساعات من كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن "اتفاق السلام" للإسرائيليين والفلسطينيين يوم الثلاثاء 28 يناير/كانون الثاني، نشر الصحفي الإسرائيلي إيلون ليفي تغريدات قال فيها إنه ينبغي خفض التوقعات بالنسبة للاقتراح المنتظر. وكتب: "بما أنه لا يوجد شيء قادر على حل النزاع، فلنأمل أن تقلصه الخطة المقترحة".

وأضاف: "الاحتلال لن ينتهي، لكن هل سينكمش؟ لا تسألوا ما إذا كان الفلسطينيون سيصبحون أحراراً، لكن اسألوا ما إذا كانوا سيصبحون أكثر حرية. فلنفكر بدرجة ما في ضوء المعطيات الحالية، وليس من منطلق انقسامي".

إن ما كتبه ليفي يوضح الكثير عن عقلية العديد من اليهود الإسرائيليين، حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم معتدلين ومناهضين للتطرف.

ستُرضي خطة ترمب للسلام معظم اليهود الإسرائيليين لأنهم لن يحتاجوا إلى تغيير أي شيء في حياتهم؛ ولن تتعرض امتيازاتهم للخطر ولن تتضاءل. ولن يحتاجوا إلى مراقبة خطابهم أو أفعالهم. وسيكونون قادرين على السفر بحرية وعبور الحدود والعيش تحت الحكم المدني. وسيستمر الترحيب بهم في المؤتمرات الدولية، وستستمر الدول العنصرية والطغاة في جميع أنحاء العالم في احتضان أساليب تعزيز الاحتلال الإسرائيلية المُجربة.

في المقابل لن يتمتع الفلسطينيون بأي من هذه "الرفاهيات".

والواقع أن ما يسمى بـاتفاق السلام الذي اقترحه ترمب يقدم مفاجآت قليلة لأي شخص كان يتابع مسار البيت الأبيض في السنوات الثلاث الأخيرة؛ حيث لا يوجد سوى القليل من الجديد في خطة تأييد الفصل العنصري المقترحة.

فقد كشف ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بدعم من زعيم المعارضة (الاسمي) اليميني الإسرائيلي بيني غانتس، عن حلم الإنجيليين الأمريكيين واليمين الإسرائيلي المتشدد وحركة المستوطنين الإسرائيليين في وثيقة واحدة.

ويكاد يكون من المؤكد أن جميع المستوطنين الإسرائيليين سيبقون في منازلهم، سواء في مستعمرات متطورة بالكامل أو بؤر استيطانية أقيمت على عجل في الضفة الغربية، وستبدأ عملية الضم الإسرائيلية للأراضي قريباً. وستبقى القدس تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

لكن المأزق موجود بالفعل، والفلسطينيون ليس لديهم أمل في الحصول على نتيجة عادلة لمطالبهم المشروعة. ومن المرجح أن يرفض القادة العرب الخطة علناً رغم حرصهم المتزايد على احتضان الدولة اليهودية في حربهم الأيديولوجية ضد إيران.

والاتحاد الأوروبي منقسم على نحوٍ ميئوس منه وتتزايد فيه أصوات الزعماء المؤيدين لإسرائيل والمؤيدين للاستيطان، لذلك لا نتوقع أكثر من مجرد عبارات شديدة اللهجة من الدول الأكثر أهمية، مثل بلجيكا، ولكن بدعم كامل من المجر ودول أخرى ذات توجهات مشابهة لإسرائيل. ولا يختلف الأمر بالنسبة للمملكة المتحدة.

وقد رفضت السلطة الفلسطينية بالفعل الاتفاق، وستتبع حماس خطاها.

وبرغم هذه الحقائق، رفض بعض المستوطنين الإسرائيليين المتشددين خطة ترمب. فقد كتبت جماعة "نساء بالأخضر" المؤيدة للاستيطان أن "أرض إسرائيل هي الوطن الوحيد للشعب اليهودي" ولن يُسمح لأي فلسطيني بالعيش بحرية في هذه الأرض.

ولا تهدف هذه الخطة إلى إحلال السلام أو حتى إرضاء الفلسطينيين، الذين لم يُدعَ أي منهم إلى البيت الأبيض أثناء الإعلان عن الصفقة حيث كان شيلدون أديلسون، المانح الأكبر من اليمين الجمهوري المتطرف، الذي كان يحلم بضرب إيران نووياً، يجلس في غرفة مليئة بالمعادين للإسلام والعرب ودعاة الحروب والكراهية والمتعصبين الإنجيليين. هذا هو الشخص الذي يقود سرقة القرن التي يروج لها ترمب.

ونشرت الكاتبة الإسرائيلية الأمريكية المخضرمة ماراف زونسزين تغريدات عندما لاحظت الحاضرين في الغرفة ليستمعوا إلى خطب ترمب ونتنياهو: "تذكروا هذه الصور لصهيوني إنجيلي يؤمن بالقيامة والمجيء الثاني الذي سيؤول إلى إبادة اليهود، يجلس في منتصف غرفة مليئة باليهود، يصفق عندما يوميء زعيم الدولة اليهودية، ويدفع بالصهيونية".

هذه هي الصهيونية المسيحية في أعلى درجاتها، وهي تهدد حرفياً بقاء الشعب الفلسطيني.

هناك أصوات معارضة موجودة في إسرائيل. وهي الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى. كتب حجاي إلعاد، المدير التنفيذي لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة (بتسيلم)، بعد إعلان ترمب: "هل تغير شيء اليوم أم غداً؟ سيظل هناك 14 مليون شخص يعيشون بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط​، خمسة ملايين منهم فلسطينيون ليس لهم حقوق سياسية. وسنظل جميعنا هنا، بطريقة أو بأخرى، تحت حكم الحكومة نفسها في القدس، وهي حكومة تعمل بلا كلل من أجل النهوض بسيادة شعب على حساب الآخر، في حين تستمر في سحق حقوقه بأقدامها".

وأضاف: "ماذا عن المستقبل؟ ما يُعرض على الفلسطينيين في الوقت الحالي ليس حقوقاً أو دولة، بل دولة تفرقة عنصرية دائمة. ولا يمكن لأي قدر من الدعايا أن يمحو هذا الخزي أو يطمس الحقائق. ولكن الحقائق المؤلمة اليوم تبعث على الأمل في المستقبل. المستقبل الوحيد الذي يمكنه أن يقدم السلام حقاً. مستقبل لا يقوم على تفوق البعض واضطهاد الآخرين، ولكن على أساس المساواة الكاملة والحرية والكرامة والحقوق للجميع".

ستستمر إسرائيل اليوم وغداً في هدم القرى البدوية، وستستمر شيطنة السياسيين الفلسطينيين، وسيواصل الفلسطينيون في وادي الأردن القتال من أجل حياتهم دون اعتداءات الجيش أو المستوطنين الإسرائيليين.

وحتى إذا هُزِم ترمب في انتخابات هذا العام، فإنه لن يحسن أي توقعات بشأن ما يمكن أن يقدمه رئيس ديمقراطي للفلسطينيين (سجل جو بايدن مقلق للغاية) على الرغم من أن بيرني ساندرز قد يمنح بصيصاً من الأمل.

هل فقدنا الأمل؟ لا على الإطلاق. فهناك حرب أهلية في المجتمع اليهودي الأمريكي حول من أو ما الذي يمثل اليهودية الحديثة، خاصة فيما يتعلق بإسرائيل، وهذا الصراع سوف يزداد حدة.

وأنا أرحب بهذا من كل قلبي لأن واشنطن في هذا الوقت هي اللاعب الرئيس الوحيد الذي يمكن أن يغير الوضع الراهن الخطير في الشرق الأوسط، وتغيير من يتحدث نيابة عن اليهود يؤثر بالتبعية على سياسة الحكومة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبإمكانه الضغط بشدة على إسرائيل من خلال سحب أو قطع "المساعدات" بالكامل بطريقة مثالية.

الفلسطينيون لديهم خيارات للمقاومة. يستطيعون ويجب أن ينهوا كونهم قوة شُرطية تابعة لإسرائيل في الضفة الغربية، تسحق أي معارضة للحكم الفلسطيني أو الإسرائيلي. ويمكن للأردن إنهاء اتفاق السلام مع إسرائيل. وستصبح عملية الضم الإسرائيلي للأراضي أكثر صعوبة إذا أصبحت السلطة الفلسطينية المذعنة عادة أكثر عناداً أو أنها ربما ستنهار باختيارهم أو بالضغط عليهم.

إن عملية ضم الأراضي لا تعني شيئاً أقل من كونها سياسة فصل عنصري رسمية للدولة الإسرائيلية. ولدى الفلسطينيين فرصة فريدة للتوحد ضد هذا الظلم والدفع لصالح شخص واحد و صوت واحد، وهذا هو التحرك الديمقراطي الصادق الوحيدة. الآن لم يعد لديهم شيء ليخسروه، بل لديهم كل شيء ليكسبوه.

بعد أن عشت وعملت في الشرق الأوسط لسنوات عديدة، أعرف أن الفلسطينيين لن يتنازلوا أبداً عن السعي لأجل حقوقهم، بغض النظر عمّا يحاول أن يلقيه ترمب أو نتنياهو أو غانتس على وجوههم.

إن مسؤوليتنا هي إظهار التضامن مع قضيتهم ورفض سياسات التهجير والفصل العنصري والاحتلال الدائم. وقد قدم الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي الخيارات: "أمام العالم خياران: يمكن أن يعترف بالفصل العنصري أو يمكنه دعم حل الدولة الديمقراطية الواحدة".

عندما انتهى المؤتمر الصحفي الذي عقده ترمب ونتنياهو في واشنطن، كان بإمكاننا سماع موسيقى أغنية "What a Wonderful World" وتعني (يا له من عالم رائع) في الخلفية بينما امتزج الضيوف المجتمعون وانشغلوا في تبادل التهاني. لقد كان الاحتقار تجاه الفلسطينيين واضحاً.

هذا المقال مترجم عم موقع TRT World.

المصدر: TRT عربي