بعد أكثر من أربع سنوات من تدخُّلها العسكري الواسع في اليمن، يبدو أن السعودية تواجه خيارات صعبة بشأن الخروج من الحرب، واحتواء تداعياتها الخطيرة على أمنها واقتصادها المرتكز على الثروة النفطية الهائلة في ظل تطورات تدفع بالمملكة نحو مواجهةٍ أساسها النفط.

لم يعُد تأثير الحرب في اليمن يتوقف عند الاستنزاف الذي تمثّله هذه الحرب لاقتصاد المملكة، بل تجاوزه إلى تهديد مكانة المملكة وهيبتها وألحق ببناها التحتية الضرر، خصوصاً الحيوية منها.

فالسعودية تواجه اليوم اليوم تهديداً حقيقيّاً مصدره إيران، وهذه الأخيرة تُعَدّ أحد الأطراف المؤثرة في مسار الحرب الدائرة في اليمن وأهمّ داعم للحوثيين الذين تحاربهم الرياض، أو تدّعي أنها تحاربهم. وجزء من هذا التهديد يستهدف قدرة السعودية على تصدير النفط.

فقد شهد خليج عمان ومضيق هرمز منذ الثاني عشر من شهر مايو/أيار الماضي، سلسلة من الحوادث الخطيرة التي استهدفت ناقلات نفطية معظمها على علاقة بالسعودية، واستهدفت في الفترة ذاتها محطتَي ضخّ للنفط تقعان بالقرب من الرياض على خط نقل النفط السعودي المعروف باسم "شرق غرب" أو "أبقيق ينبع"، وتبين أن الهجوم نُفّذ بطائرات مسيَّرة انطلقت من العراق وَفقاً لمصادر أمريكية، وليس هجمات حوثية. وحتى الناقلة البريطانية المحتجَزة لدى إيران كانت متجهة لتحميل شحنة نفط سعودية.

لم يعد تأثير الحرب في اليمن يتوقف عند الاستنزاف الذي تمثله هذه الحرب لاقتصاد المملكة، بل تجاوزه إلى تهديد مكانة المملكة وهيبتها وألحق الضرر ببناها التحتية خصوصاً الحيوية منها.

ياسين التميمي

لا أدلة أوضح من هذه على أن المواجهة التي خاضتها الرياض مع إيران على الساحة اليمنية، بأسلوب كارثي، تتحول اليوم إلى مواجهة شاملة تُلقي بأعباء هائلة على السعودية واقتصادها، وتستهدف المرتكز الأساسي لهذا الاقتصاد الذي تمثّله الثروة النفطية، أخذاً بعين الاعتبار أن السلوك الإيراني ينطلق من الشعور بوطأة الحصار الاقتصادي الذي يهدد بانهيار الدولة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تُستهدف فيها الصادراتُ النفطيةُ السعودية، فقد تعرضت ناقلة نفط سعودية على الأقلّ في أبريل/نيسان 2018 لهجوم مليشيا الحوثي المدعومة من إيران قبالة الشواطئ اليمنية على البحر الأحمر.

وحينها هددت السعودية بوقف تصدير النفط عبر مضيق باب المندب، أملاً في أن تتشارك التبعات الناجمة عن هذه الهجمات مع المجتمع الدولي الذي يبدي في الغالب حساسية تجاه سلامة الملاحة الدولية وخطوط إمداد الطاقة.

إن أسوأ ما تواجهه الرياض اليوم هو أن خياراتها في مواجهة التهديدات الإيرانية محكومة بمحددات أهمها انحسار المظلة الأمريكية التي كانت تضمن بقاء مضيق هرمز آمناً أمام الملاحة الدولية.

ياسين التميمي

كانت ردة الفعل السعودية تلك أول توجُّه نحو الربط بين حربها في اليمن والتهديدات التي يمثلها الحوثيون على الملاحة الدولية وخطوط إمداد النفط، بل إنها مثلت محاولة صريحة لمقايضة المجتمع الدولي بحيث يتولى تحمُّل أعباء تأمين الملاحة في البحر الأحمر، مقابل استمرار تدفق النفط السعودي إلى الأسواق العالمية، على الرغم من التفويض المفتوح الذي لا يزال المجتمع الدولي يمنحه للرياض لتنجز حربها في اليمن بغضّ النظر عن المسار الكارثي لهذه الحرب.

إن أسوأ ما تواجهه الرياض اليوم هو أن خياراتها في مواجهة التهديدات الإيرانية الناشئة، محكومة بمحددات أهمها انحسار المظلة الأمريكية التي كانت تضمن بقاء مضيق هرمز آمناً أمام الملاحة الدولية.

وتواجه السعودية قصوراً في البدائل الممكنة في ما يخصّ تصدير نفطها دون المرور بمضيق هرمز، لأن خط نقل النفط الموجود حاليّاً لن تتجاوز قدرته ضخ خمسة ملايين برميل يوميّاً إلى ساحل البحر الأحمر، كما أن التصدير عبر مضيق باب المندب بالاعتماد على تحميل الناقلات من ميناء ينبع يواجه مخاطر هجمات محتملة من جانب الحوثيين على هذه الناقلات لدى مرورها باتجاه باب المندب.

ومن هذه المحددات أن السعودية تواجه هذه الأزمة منفردة تقريباً، خصوصاً أن شريكتها في تحالف حرب اليمن، الإمارات العربية المتحدة، لم تُنهِ شراكتها الفعلية في هذه الحرب فحسب، بل هرولت باتجاه إيران وأوفدت قيادات أمنية رفيعة المستوى إلى طهران لبحث التنسيق الأمني المشترك على جانبَي الحدود البحرية بينهما.

لا تلوح في الأفق إذاً بوادرُ انفراجةٍ في العلاقة المتوترة بين بين الرياض وطهران، وليس ثمة ما يشير إلى أن الرياض يمكن أن تتصرف كما تصرفت شريكتها الإمارات، من خلال انفتاح ينطوي على ضعف وفشل سيعكس عدم قدرتها على تحمُّل مواجهة مع إيران طويلة الأمد وذات أثر اقتصادي خطير على اقتصادها.

يعود جزء من فقدان السيطرة السعودية هذا، إلى أنه خلال أكثر من أربع سنوات من تدخلها العسكري في اليمن لم تسمح مجريات الحرب بمضيِّها قدماً في تأمين مخاوفها التي تزايدت بعد دخول إيران على خط المواجهة بكل ثقلها، وعاد ذلك إلى جملة أسباب من بينها أن العواصم الغربية فرضت مساراً سيئاً للحرب، أرادت أن لا تكون نهايته هزيمة الحوثيين، وانتصار خصومهم، ولم يكُن مسار كهذا يكترث بالشرعية كذلك.

ومن هذه الأسباب التغيرات التي فرضها ولي عهد أبو ظبي في هرم القيادة السعودية ونتج عنها وصول محمد بن سلمان إلى منصب ولاية العهد، بأجندة تلاقت مع الأولويات الغربية، وبدت أكثر جرأة على كسر قواعد وأعراف التحالفات، عبر إهانة رأس الشرعية واستهداف مكوناتها السياسية، إلى حد أن شريكَي التحالف باتا معنيين باحتواء وإنهاء دور القوى الفاعلة في معسكر الشرعية، وضعضعة القوة الضاربة للشرعية ممثلةً في الجيش الوطني، وتوجيه الدعم العسكري لوحدات عسكرية وأمنية تعمل ضمن أجندة استهداف الشرعية وتقويض الدولة اليمنية.

وتقديري أن سيناريو الخروج من المأزق الخطير الذي تواجهه الرياض على خلفية حربها في اليمن، وتوتر الوضع في الخليج وانعكاسه المباشر على تصدير النفط السعودي، لا يزال متوافراً عبر تصحيح مفترض من جانب الرياض لمسار الحرب في اليمن وإحداث تحوُّل جذري في موقفها السياسي والآيديولوجي من حلفائها المحليين في الحرب، يؤدِّي إلى تطورات دراماتيكية تنهي الورقة القوية التي تملكها إيران في اليمن.

هذا السيناريو سيفرض على الرياض إنهاء الإرث الثقيل الذي خلّفَته المشاركة الإماراتية في حرب اليمن، والتزام سيادة اليمن ووحدته الترابية الواضح وغير القابل للتأويل، وحق اليمنيين في استعادة دولتهم الاتحادية بنظام جمهوري ديمقراطي تعدُّدي.

لا يمكن التقليل من تأثير الورقة اليمنية على مصير الدولة السعودية في ظل التحديات الوجودية التي تواجهها اليوم، وهي حقيقة لا تريد السعودية أن تُقِرَّ بها حتى الآن على الرغم من هذه التحديات والتطورات بالغة الخطورة في محيطها الإقليمي.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي