عداء الإمارات لتركيا وكأنه صراع مكتوم بدأ بالخروج إلى العلن. ملفات كثيرة خاض فيها الإماراتيون ضد الأتراك، وصلت إلى حد "حرب الدراما التلفزيونية".

من هنا جاء سؤال: لِمَ تنشغل الإمارات بتركيا كل هذا الحد؟ ولماذا التقصُّد المتعمد لاستهداف المشروع التركي والتركيز عليه؟ ويزداد السؤال حضوراً حين ندرك فارق الحجوم بين البلدين.

تحريض في أمريكا: ملاحقة نقاط الضعف

آخر الصيغ الملتبسة في استهداف الإمارات لتركيا، ما تسرب عن محاولة إماراتية للضغط على الكونغرس الأمريكي لفرض عقوبات على تركيا.

فقد كشفت سجلات بريد إلكترونية محاولة شركة ضغط في الولايات المتحدة، نيابة عن الإمارات، ممارسة ضغوط على بعض أعضاء الكونجرس لفرض عقوبات على تركيا.

ويتضمن البريد الإلكتروني إدانة عملية نبع السلام التركية شمالي سوريا، وأن "الإمارات تدعم إجراءات فرض عقوبات على تركيا، على غرار مشروع قرار اعتمده مجلس النواب الأمريكي".

هذا التحريض جاء استثماراً للأجواء السلبية التي يحملها المشرّعون الأمريكان لتركيا بعد عملية نبع السلام الأخيرة. وهذا يؤكد أن أبو ظبي تتابع الملف التركي وفق منطق أجندة متكاملة لا لمجرد النكاية.

التحرش الثقافي ولعبة الدراما: الخشية من الجماهرية

بعد ما يقارب عقداً من الزمان سيطرت فيه الدراما التركية على اهتمام الجمهور العربي، منافِسةً الدراما المصرية والسورية والخليجية، دخلت شركات الإنتاج الإماراتية على الخط لتحدي الدراما التركية، بإنتاج ضخم يخالف الصورة التي حاولت الدراما التركية رسمها للإمبراطورية العثمانية في مسلسلات، مثل "الفاتح" و"قيامة أرطغرل".

تدور قصة مسلسل "ممالك النار" الذي أنتجته الإمارات حول سقوط دولة المماليك في مصر في أيدي العثمانيين في بدايات القرن الـ16 الميلادي، ويستعرض المسلسل فترة حكم السلطان العثماني سليم الأول والمعارك التي خاضها. كما يقدم التحولات الكبرى في تاريخ المنطقة بعد معركة جالديران بين العثمانيين والدولة الصفوية، حتى معركة مرج دابق بين العثمانيين والمماليك.

من يتابع يلحظ أن الدراما الإماراتية تريد تشويه الرواية التاريخية والإساءة إلى صورة العثمانيين. كما ترغب في مزاحمة الدولة التركية على المساحة الثقافية التي يبدو أن الأتراك يحققون فيها إنجازات ملموسة.

هذه المقاربة الدرامية تدل بشكل قاطع على أن أبو ظبي ككلٍّ فريقاً وعقلاً ومشروعاً يريد مزاحمة الأتراك واستهدافهم. فالقصة لن تقتصر على البعد الدبلوماسي والأمني. فتوجد مقاربة ثقافية تحاول أن تلعب في الميدان ذات.

الانقلاب ودحلان والليرة التركية: الاقتراب من الخطوط الحمراء

اتُّهمت دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في تركيا عام 2016، مع سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني التي سُربت في يونيو/حزيران 2017 من قِبل العتيبة لإضفاء مصداقية على هذا الادعاء.

من ثم أعلنت الدولة التركية عن مكافئة لمن يدلي بمعلومات عن رجل الأمن الفلسطيني سابقاً محمد دحلان، الذي يعتبر أحد أهم راسمي خطط الإمارات الأمنية في المنطقة.

حتى موضوع أزمة الليرة التركية قبل عام، وُجد من يتحدث عن أدوار لعبتها عواصم عربية حاولت ضرب تركيا في خاصرتها الاقتصادية.

هذه الأجواء تؤكد أن الإمارات ترى في تركيا مشروعاً عدواً وتحدياً حساساً. فحين تقرر دولة صغيرة كالإمارات الاشتباك مع دولة قوية كتركيا، فاعلم أن الأسباب معقدة وأن المخاوف كبيرة.

الإشكالية تنطلق من تعريف الإمارات للدولة التركية ودورها

ترى أبو ظبي في تركيا الحالية "حكم العدالة والتمنية" أنها إسلام سياسي مجرد، وأنها ملهمة وداعمة للحركات الإسلامية. وقد تعززت هذه الصورة النمطية بعد الربيع العربي. وأثناء موقف تركيا من انقلاب السيسي على حكم الرئيس الراحل محمد مرسي.

في المقابل، أخذت دولة الإمارات على عاتقها مهمة محاربة تيار الإسلام السياسي في المنطقة، وجعلته أولوية قصوى وعدواً أول وتحدياً قريباً وعاجلاً.

من هنا نستطيع فهْم تلك الممارسات العدائية التي تقوم بها الإمارات تجاه الدولة التركية، التي قاربت حد الرغبة في التدخل بالشؤون الداخلية التركية "الأمنية والاقتصادية".

الخشية من النموذج التركي

بالعودة إلى طبيعة الاستهدافات الإماراتية للأتراك، نستطيع أن نجزم بأن ثمة خشية واضحة في الإمارات والسعودية من المشروع التركي في المنطقة.

فتوجد جاذبية وقبول للمشروع لدى الشعوب. فمن جهة توجد إنجازات تنموية للمشروع، ومواقف سياسية ذات كرامة وذات بعد تاريخي معزز بالثقة. والأهم أن النموذج التركي يقوم على إرادة الشعوب وتداول السلطة.

هذا النموذج، بتقديري، يخيف الإمارات ودولاً كثيرة في المنطقة. فالعدوى بدأت تتسرب إلى الرأي العام العربي، ومن هنا جاء القرار بتشويه النموذج ومحاولة إسقاطه في عقر داره.

الإمارات وتركيا: صراع مكتوم على النفوذ في القرن الإفريقي

خسائر متلاحقة مُنيت بها الإمارات مؤخراً في منطقة القرن الإفريقي. فيما يبدو الوجود التركي أكثر رسوخاً واستقراراً. وفي خلفية المشهد خلافات عميقة بين البلدين العضوين في تحالفين شديدي الخلاف يقسمان الشرق الأوسط.

وتوجد تركيا اقتصادياً في إفريقيا عبر وكالة دولية للتنمية تتبع الرئاسة التركية وتعمل على تطوير برامج الزراعة في 13 دولة منها جيبوتي وإثيوبيا والصومال، بخلاف الوجود العسكري المتمثل في قاعدة عسكرية في الصومال.

لكن الإمارات قررت مؤخراً على خلفية الأزمة الخليجية مع قطر -حليفة تركيا- كسب مزيد من الحلفاء والمؤيدين لقرار مقاطعة قطر لممارسة مزيد من الضغوط على الدوحة، فقررت اقتحام القارة السمراء سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مصطدمة بذلك مع تركيا ذات النفوذ القوي هناك.

ليبيا: ساحة جديدة للنزاع

الاستقطاب في ليبيا يزداد، فالإمارات تدعم الجنرال المتقاعد حفتر، بينما تنزل تركيا بثقلها إلى جانب حكومة الوفاق في طرابلس.

هذا الصراع سيزيد ويؤكد من تنازع المحورين. يؤكد كذلك إشكالية التعامل مع الإسلام السياسي. كما أنه بنية مناسبة لفهم حقيقة الصراع الإماراتي واتجاهاته ومبرراته.

سيناريوهات مستقبلية

مستقبل هذا التنافس المحموم بين الإمارات وتركيا، لا يزال غامضاً، لكن في تقديري فإن دولة كبيرة مثل تركيا قادرة على احتوائه والخروج منه منتصرة.

ولا ننسى أن تركيا باتت اليوم لاعباً معتبراً في الخليج العربي من خلال العلاقة الاستراتيجية مع قطر. بينما اللعبة الإماراتية ولغة التمدد بدأت بالانحسار، مما يجعل "فلسفة التحرش" أقل تأثيراً وقيمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كُتابها ولا تعبر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي