يتضح الدفع الفرنسي للصراع بين اليونان وتركيا، من خلال دعوة فرنسا لليونان، برفض المفاوضات غير المشروطة، هذه المفاوضات، التي كان من الممكن انطلاقها بعد مبادرة أعلنها حلف الناتو ووافقت عليها الحكومة اليونانية ثم تراجعت عنها.

زيارتا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، ليست تضامناً مع الشعب اللبناني، وإن حاول ماكرون تغليفها بهذا الطلاء، بل يمكن قراءتهما في ظل الدور الفرنسي، في ساحات الصراعات بإقليم الشرق الأوسط، حيث يمكن ملاحظة حضور هذا الدور في الصراع الليبي، والسوري، وفي التوترات المتزايدة في الجزء الشرقي من مياه المتوسط.

ويتضح الدفع الفرنسي للصراع بين اليونان وتركيا، من خلال دعوة فرنسا لليونان، برفض المفاوضات غير المشروطة، هذه المفاوضات، التي كان من الممكن انطلاقها بعد مبادرة أعلنها حلف الناتو ووافقت عليها الحكومة اليونانية ثم تراجعت عنها.

الفرنسيون، يريدون أن تكون اليونان رأس حربة في مواجهة مع الدولة التركية، لأسباب كثيرة، آخرها الأطماع الفرنسية بمخزون الطاقة في مياه المتوسط، والتي كشفت الدراسات عن أنه مخزونٌ هائلٌ، ولهذا هم يدفعون اليونان نحو التصلب، طمعاً بموقف أوروبي، ينحاز إلى سياستهم، التي تضمر تضييق الخناق على مشروع التنمية والنهضة التركيين، وتزيد من هيمنتهم على استثمار هذه الطاقة.

الأتراك لهم شاطئ طويل على المتوسط، وهم على علاقة وثقى مع جمهورية شمال قبرص، وبالتالي، هم من حيث الواقع العام شركاء في حوض المتوسط، من حيث حمايته، أو من حيث استثمار ما فيه من ثروات.

هذا الأمر تتجاهله أثينا، وتتصرف بما يزيد الوضع بينها وبين تركيا تدهوراً، إذ إنها عقدت اتفاقات دولية، للاستفادة من مخزونات الطاقة في الحوض الشرقي من البحر المتوسط مع كلّ من إسرائيل وقبرص اليونانية، ومصر، متجاهلة الحقوق التركية، وكذلك عمدت لاستغلال الثروات الطبيعية في جزيرة قبرص، دون الاعتراف بالحقوق القانونية والشرعية للجزء الشمالي من الجزيرة.

وباعتبار أن هناك خلافات عميقة بين اليونان وتركيا، تتعلق بوضع جزيرة قبرص، وبمسائل خلافية أخرى، تتعلق بسياسة اليونان نحو تركيا، والتي يمكن وسمها بأنها لا تضمر التعامل الودي مع الأتراك، حيث تستقبل أثينا معارضين للدولة التركية من أنصار جماعة فتح الله غولن "الإرهابية"، الذي يقف خلف انقلاب 15 تموز/ يوليو ضد الحكومة المنتخبة في تركيا، وتأوي أعضاء حزب PKK المصنّف بالإرهابي على أراضيها، فإن هذه العوامل يضاف إليها خوف بعض دول الغرب، ومنهم اليونان وفرنسا، من النمو المضطرد للاقتصاد التركي، هو من يقف خلف تأجيج هذه الخلافات، ومحاولة دفعها باتجاهات صراع قد يصل إلى درجة صراع عسكري.

اقرأ أيضاً:
من الأطراف التي تقف وراء تأجيج الصراع في شرق المتوسط؟

إن تصريح نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي، وضع النقاط على الحروف حيال حقوق تركيا، بما يتعلق بالصراع في حوض المتوسط على الطاقة، حيث قال: "على الجميع أن يتقبّل أن تركيا وجمهورية شمال قبرص، لا يمكن إقصاؤهما عن معادلة الطاقة في المنطقة".

تصريح أوقطاي يكثف طبيعة الصراع، فالطاقة عصب الصناعة، وتركيا بحاجة إلى هذه الطاقة، لتدوير عجلات صناعتها وقوتها وتلبية احتياجاتها.

ولكن لماذا يذهب الفرنسيون إلى تأجيج صراع بين اليونان وتركيا، يمكن حلّه بمفاوضات سياسية؟

إن التشدد الفرنسي، لا يمكن إدراكه بدون ربطه بسياسات فرنسا في الشرق الأوسط، فالفرنسيون، الذين خسروا رهانهم على قدرة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في السيطرة على ليبيا، وتحديداً العاصمة الليبية ومحيطها، ثم تراجعه باتجاه الشرق، وانكشاف سرت والقوس النفطي أمام قوات حكومة فائز السراج المعترف بها من المجتمع الدولي، والمدعومة من تركيا، تضاءلت فرص فوزهم في استثمارات كبرى في هذه البلاد.

كذلك الفرنسيون، يلعبون دوراً سلبياً نحو تركيا في الصراع السوري، حيث تقدم قواتهم الشريكة بالتحالف الدولي، الدعم والمساندة لقوات تنظيم PKK "الارهابي" التي تقاتل في مناطق شمال شرقي سوريا، وتشكل تهديداً للدولة التركية.

إن معرفة الفرنسيين بقدرات الدولة التركية، التي تنمو اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، هي ما يدفعهم إلى محاولة حصار هذه النهضة التركية، رغبة في إفشالها، وهو موقف يفسّر رفضهم لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وإحساسهم أان الاقتصاد التركي، سيغير معادلات سياسية إقليمية ودولية سيكونون فيها في موقع المتراجع.

الفرنسيون متضايقون ومنزعجون من التقدم التركي على مستوى الأداء الاقتصادي والسياسي، سيما وأن تركيا، بدأت تمدّ يد العون إلى دول إفريقةا، نهبتها قوى الاستعمار المختلفة، ومنها الاستعمار الفرنسي، الذي يأخذ أشكالاً مستترة، متخفياً خلف عباءة الاستثمارات والمساعدات.

اقرأ أيضاً:
فرنسا وسياسة صبّ الزيت على النار في شرق المتوسط

لهذا، يمكن فهم مجيء الرئيس الفرنسي إلى لبنان مرتين، وإلى بغداد في الآونة الأخيرة. بأن الزيارات مرتبطة بأمور مختلفة، منها بحث فرنسا الفرنكوفونية عن استعادة دورها في مناطق نفوذها السابقة، خوفاً من دور تركي أعلنت عن تأييده فعاليات واسعة من اللبنانيين، ظهرت في حجم المساعدات الطارئة التي قدمتها تركيا بعد انفجار مرفأ بيروت، وكذلك ظهرت من خلال إعلان تركيا استعدادها لإعادة إعمار المنشآت والمساكن المتضررة من انفجار المرفأ المذكور.

الفرنسيون يحاولون حشد كل قوى ممكنة لمنع تركيا من التقدم النهضوي المضطرد، ولهذا فزيارة ماكرون للبنان وتقديم وسام جوقة الشرف لفنانة لبنان الأولى فيروز، يخفي خلفه لعاباً فرنسياً حيال عقود استثمار تشمل التنقيب عن الطاقة على الشاطئ اللبناني، واستخراجها، ونيل حصة كبيرة فيها.

الفرنسيون، وهم يفعلون ذلك يدفعون اليونان إلى مواجهة عسكرية مع تركيا، هم لا يستطيعون معرفة نتائجها على الوضع الإقليمي، ولهذا حاولوا جرّ الموقف الأوروبي لمواجهة مع تركيا، حيث قال مسؤول فرنسي في حزيران الماضي: "لا يمكن لحلف الناتو أن يدفن رأسه في الرمال، فيما يتعلق بتصرفات تركيا".

ومع رفض أوروبي واسع لأي مواجهة بين أوروبا وتركيا، فشل الفرنسيون في قلب المعادلة لمصلحتهم، مما دفعهم إلى الانسحاب من مناورات بحرية مع الحلف في المتوسط.

إن الصراع الذي تدفع إليه فرنسا ضد تركيا، هو صراع يفتت حلف الناتو، ويضعفه أمام قوى دولية، تتربص به، مثل الروس والصينيين وغيرهم. هذا الصراع لن يخدم فرنسا أو اليونان، بل سيزيد من التعقيدات الاقتصادية والسياسية في هذين البلدين اللذين يتعرضان لأزمة اقتصادية كبيرة.

لهذا تبدو ألمانيا مدركة لخطر السياسات الفرنسية في حوض المتوسط، وهي لا تريد لهذه السياسات أن تدفع أوروبا إلى صراعات غير محمودة ومفيدة، في ظل أوضاع تعرّضها لجائحة كورونا التي لم تنته بعد.

إن الضغوط الفرنسية بدفع التوترات في حوض المتوسط ستسمح للروس بالحضور في هذه المنطقة بصورة أكثر وضوحاً، فروسيا تعارض أن تقف إمدادات الطاقة من أراضيها لأوروبا، سيما وأن اليونان ومن يقف معها يفكرون بمدّ أنبوب نقل الطاقة تحت مياه البحر نحو القارة العجوز.

وفق هذه الرؤية، يمكن القول إن أية مغامرة عسكرية تقوم بها اليونان، لن تستطيع ضمان نتائج لصالحها، فتركيا اليوم ليست دولة من العالم الثالث، بل هي تتقدم بسرعة وثبات لتصير واحدة من الدول العشرة الأولى اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً.

هذه الحقائق تدركها فرنسا، ولكنها تحاول المناورة بها إلى حافة الهاوية، ولكنها ستتراجع عنها، لأن خوض هذه المغامرة، قد يجعل فرنسا في وضع لا تريد أن تجد فيه نفسها، من الهزيمة على كل المستويات، وهو أمرٌ، سيثبّت حقوق تركيا في مياه المتوسط، رغم كل محاولات منع الأتراك من تأمين حقوقهم ومصالحهم في مياههم الإقليمية.

بقي أن نقول إن المطلوب هو نهج الحوار والتفاوض ضماناً لشعوب ودول المنطقة، وهو نهج سلام، تريد تركيا من خلال تصريحات قادتها، أن يكون هو من يحقق العدالة للجميع، أو كما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "مشاركة عادلة". فهل يذهب الغرب إلى هذه المشاركة العادلة؟. ننتظر ما سيقوله الغد القريب.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي