فلسطيني يرفع شعار فيسيوك مقلوباً أمام أحد مقرات اليونيسكو في الأراضي الفلسطينية المحتلة. (Others)

مِن الحماقة اعتبار شركات التواصل الاجتماعي الكبرى منصات محايدة، بل هي شركات تجارية بحتة، تسعى وراء أكبر قدر ممكن من الأرباح. لذا، فإنه ليس من المستغرب أن تتحول هذه المواقع إلى ساحة معركة، ترجَح فيها كفّة القوي على الضعيف. يمكن فهم ذلك مِن خلال الطرق المتباينة التي تتعامل بها شركات التكنولوجيا العملاقة مع المحتوى الرقمي الفلسطيني والإسرائيلي.

خلال السنوات الأخيرة بدأت أهمّ مواقع التواصل الاجتماعي حرباً محمومة على المحتوى الرقمي الفلسطيني، من خلال فرض الرقابة عليه وتقييده، إن لم يكن بإزالته بشكل كامل. لم يكن ذلك ليحدث لولا الضغوط الإسرائيليّة الرسميّة على إدارات هذه المنصات، لملاحقة المحتوى الفلسطيني بحجّة تحريضه على التطرّف والعنف ضد إسرائيل.

وبالنظر لاعتماد الفلسطينيين بشكل كبير على شبكات التواصل الاجتماعي لتلقي الأخبار لا سيما بعد انتقال وسائل الإعلام المحليّة الفلسطينية إلى الفضاء الرقمي، وتحوّل الكثير من المواطنين العاديين إلى صحافيين لنقل الأحداث أولاً بأول عبر هذه المنصات، فإن سياسات شبكات التواصل في ملاحقة المحتوى الفلسطيني أثّرت على طريقة تلقي المواطنين للمعلومات، وإمكانية الوصول إلى العديد من الشبكات الإخبارية الفلسطينية على هذه المنصات.

كما أثرت على مستوى حرية التعبير لدى الفلسطينيين ومدى مشاركتهم في الحياة السياسيّة. وهو ما شكّل في نهاية المطاف تهديداً واضحاً للحقوق الرقميّة الفلسطينيّة على شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة.

على الصعيد العالمي، كان الخطاب الدولي يبحث دائماً عن أُسُس الحفاظ على حريّة التعبير على الإنترنت، وتجنّب استخدام المحتوى الرقمي كذريعة لمطاردة النشطاء السياسيين. لكن إسرائيل تواصل ربط رقابتها على تدفّق المحتوى الرقمي عبر شبكات التواصل بأمنها القومي ومصالحها السياسية.

تواطؤ ورقابة

منذ سنوات تتكاتف الجهود الإسرائيلية مع منصات التواصل الاجتماعي في ملاحقة المحتوى الرقمي الفلسطيني، حيث تمكنت إسرائيل مِن فرض شروطها وتشريعاتها على شركات التكنولوجيا المختلفة مثل الفيسبوك وتويتر واليوتيوب، لمراقبة المحتوى الفلسطيني وإزالته بحجة أنه يحرّض على العنف ضد إسرائيل ويحمل خطاباً معادياً للسامية.

تتم عملية الرقابة هذه مِن خلال تتبّع خوارزميّات الإنترنت، أو الرموز السريّة التي تُحدد المحتوى أو الشخص المطلوب لوقف حسابه على مواقع التواصل أو إلغاء المحتوى الذي نشره.

فمن خلال الخوارزميّات المُتّبعة أصبحت بعض المصطلحات محظورةَ الاستخدام عبر منصات التواصل، مثل كلمة شهيد، مقاومة، حماس، إلخ.. بالإضافة إلى ذلك، باتت بعض الصور التي تشير لقيادات فلسطينية أو شهداء ممنوعة تماماً مِن التداول.

بالتالي، بات يمكن لعمالقة التكنولوجيا إلغاء أيّ منشور أو أي شخص بين عشية وضحاها إذا عارض تلك الخوارزميات، وهو ما يتكرر حدوثه مع الفلسطينيين حتى الآن.

اللافت في سياسات الرّقابة التي تفرضها هذه المنصات بما في ذلك الفيسبوك، أنها تتبنى مصطلحات فضفاضة غير واضحة تخضع لأجندات دعائية إسرائيلية، إذ لا يوجد -على سبيل المثال- تعريف واضح للعنف وما يُعتبر خطاباً عنيفًا. كما أن هذه المنصات باتت تخلط ما بين ما هو انتقاد مشروع لإسرائيل وما يحرّض على العنف أو الكراهية.

وعلى النقيض مِن ملاحقة المحتوى الفلسطيني، فإن الإسرائيليين يتمتّعون بحريّة مُطلقة في النّشر عبر هذه المنصّات. إذ بإمكانهم كتابة ما يريدون حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بما يتضمّن ذلك من دعوات صريحة لقتل الفلسطينيين. كل ذلك يُنشر باللغة العبرية على مرأى مِن القائمين على شبكات التواصل دون فرض قيود أو شروط عليهم.

هذه إِشارة واضحة على خضوع منصات التواصل للإملاءات الإسرائيليّة، خاصة وأن الاحتلال الإسرائيلي هددَ سابقاً بفرض غرامات مالية باهظة على هذه الشبكات في حال عدم التزامها بالمطالب الإسرائيلية.

فهل يمكن لأحدٍ منّا أن يتخيل حذف هذه المنشورات الإسرائيلية؟بالطبع لا، ففي النهاية تُعتبر منصات التواصل شركات خاصة ذات طابع رِبحي قوامها السلطة، فمن يملك السّلطة سارت مع توجهاته، ومَن لا يملك السلطة تجاهلته.

ظلَّ التعاون بين إسرائيل وعمالقة التكنولوجيا خلف الكواليس، حتى أعلن فيسبوك ضمّ "إيمي بالمور"، المديرة العامّة السّابقة لوزارة العدل الإسرائيلية، إلى مجلس حكمائه عام 2020. وهو ما أثار غضب الفلسطينيين لا سيما وأن بالمور عملت سابقاً مع شركات التكنولوجيا، لفرض الرّقابة على المحتوى الفلسطيني وحظره.

حرب مِن نوع آخر

إلى جانب فرض الرقابة، يعاني المحتوى الرقمي الفلسطيني مِن انحياز شبكات التواصل الاجتماعي لإسرائيل، لاسيما مع التّأثير القوي للمؤسسات الإسرائيلية في الداخل والخارج على الشركات التي تدير هذه الشبكات.

يُثير الفلسطينيون بين الحين والآخر هذه القضية ويطالبون بوقفها لكن دون جدوى. ومِن أبرز سياسات التمييز التي تتبعها منصات التواصل ضد المحتوى الفلسطيني: حظر البث المباشر وفرض قيود على النشر، وتقليل فرص الوصول والمتابعة للمنشورات الفلسطينية، إلى جانب معاقبة المشتركين مِن خلال إلغاء قنواتهم وحساباتهم بشكل مؤقت أو دائم بحجّة استخدام محتوى يشجّع على العنف.

في النتيجة، أُزيلت آلاف المنشورات والصّفحات الرقميّة الفلسطينيّة والعربيّة الدّاعمة للقضيّة الفلسطينيّة. وهكذا، يمكن القول إنّ إسرائيل نجحت فعلياً في تضييق الخناق على الإعلام وحرية التعبير لدى الفلسطينيين عبر توسيع مفهوم خطاب الكراهية ومعاداة السامية، بحيث بات ذلك يشمل كلّ ما يُعرّض دولة الاحتلال للانتقاد أو يفضح سياساتها على أرض الواقع.

تزداد المعركة ضراوةً مع استخدام إسرائيل منشورات الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي كذريعة لاعتقال النشطاء، حيث تعرّض المئات مِن الشّبان والنشطاء والصحفيين للاعتقال، بحجّة بثّ منشورات تحرّض على العنف والكراهية.

يمكن القول إن الحرب الإسرائيلية على المحتوى الرقمي الفلسطيني بدأت قبل نحو عقد، بعد إعلان الجيش الإسرائيلي مواقعَ التواصل الاجتماعي ساحة معركة عام 2011.

وفي عام 2015، أنشأت وزارة الخارجية الإسرائيلية مركز قيادة لجنودٍ سابقين يتمتعون بالذكاء التكنولوجي من وحدة 8200 (وهي وحدة استخبارات إلكترونية تابعة للجيش)، لقيادة المعركة عبر الإنترنت.

لاحقاً وفي عام 2017، انطلق تطبيق (Act.IL) بدعم مِن وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، لحشد الدعم لإسرائيل في مواقع التواصل وإغراقها بالدعاية للاحتلال، مقابل ملاحقة المحتوى الفلسطيني.

عجز فلسطيني عن المواجهة

وبعيداً عن الملاحقات الإسرائيلية وقيود منصات التّواصل الاجتماعي، يعاني المحتوى الفلسطيني مِن عدم قدرته على مجاراة المحتوى الرقمي الإسرائيلي، فبينما يمتاز الأخير بالتنوع اللغوي لنشر الرواية الإسرائيلية باستخدام عشرات اللغات الأساسية في العالم، فإن المحتوى الرقمي الفلسطيني يفتقر لذلك.

وحتى المحتوى الفلسطيني المتوفر باللغات الأخرى مثل الإنجليزية، فما يزال ضعيفاً وبحاجة إلى التطوير ليتمكن مِن الوصول إلى الشعوب الأخرى والتأثير فيها.

إنّ غياب البدائل لمنصات التواصل الاجتماعي مِن جهة، وضعف القوانين العالمية لحماية الحقوق الرقمية والحريات عبر الإنترنت من جهة أخرى، يضع على الفلسطينيين مسؤولية إنتاج مواد إعلامية ذات جودة، تستخدم أدوات التسويق بعقلانية لتلافي سياسات الحظر والملاحقة.

بكل الأحوال، استطاعت بعض الحملات الشعبيّة ممارسة الضغط على منصات التواصل الاجتماعي لإعادة النظر في سياساتها نحو المحتوى الفلسطيني عبر تنفيذ حملات تغريد موحدة.

كما تمكّنت بعض المبادرات الشبابية مِن تحقيق اختراق والتواصل مع القائمين على المنصات الرقمية وإجبارهم على إعادة العديد مِن الصفحات الرقمية المُلغاة. من بينها، مبادرة "صدى سوشيال"، وهي مبادرة شبابية انطلقت عام 2017، لتوثيق انتهاكات الإعلام الرقمي للمحتوى الفلسطيني.

ظهرت هذه المبادرة رداً على الحملة الإسرائيليّة المسعورة على المنشورات الفلسطينية والنشطاء والصحافيين الفلسطينيين في أعقاب أحداث "انتفاضة القدس"، التي شهدتها الأراضي الفلسطينية عام 2015 احتجاجاً على اقتحامات المتطرفين اليهود للمسجد الأقصى.

استطاعت المبادرة التواصل مع إدارة الفيسبوك والإبلاغ عن عشرات القضايا المنافية للحقوق الرقمية الفلسطينية.

كما نجحت مبادرات محلية أخرى مِن خلال مقاطعة الفيسبوك وغيره، في لفت الأنظار إلى قضية التمييز التي تنتهجها منصات التواصل ضد المحتوى الفلسطيني.

مع ذلك، تظلّ هناك حاجة لتحرّك رسمي فلسطيني بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية، لدى منصات التواصل الاجتماعي، للضغط عليها نحو ضمان الشفافية والمساواة والإنصاف في سياسات المحتوى المقدَّم عبر هذه المنصّات، ووقف الرقابة المفرطة على المحتوى الفلسطيني ومعاداته.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي