منذ بواكير العمل الحقوقي في الخليج والسعودية، تجد أن هناك شريحة تفضّل الصمت والركون إلى الدعة يسميها الأصدقاء المصريون بـ"حزب الكنبة" ويعتبرها الأمريكيون "الأصوات المترددة".

هذه الشريحة إذا كانت في مجتمع ديمقراطي تشاركي قد تجد نفسها لا تهتم للتصويت أو الضغط السياسي، ولكنها في الوقت ذاته تؤثر بشكل مهم، وتستهدفها حملات الدعاية السياسية لأنها قد تصنع الفرق وتحسم النتائج.

ولكنها في مجتمع استبدادي قد تكون مسرحاً لتجارب المستبد في مشاريعه الخداج، وملعباً للمستبد كي يمارس فيها هواياته السياسية ومغامراته.

لكنها في النهاية يفترض أن تكون شريحة صامتة أو كما يسميها العرب بـ"الأغلبية الصامتة". مع ذلك فهي شريحة قد تصنع الفرق في لحظات الأزمات بانحيازها إلى الطرف الذي تراه أكثر مشروعية، وأقوى حجة.

لذلك يقول رونالد دوركين بأن الثورة قد تكون مستحيلة حتى تبدأ ثم حينها تصبح حتمية، وغالباً يكون ذلك بسبب انحياز هذه الشريحة المهمة لها.

لكن داخل هذه المجموعة هناك شريحة أصغر تتخذ من هذه الدعة والركون للكنبة فلسفة أبدية، وسوطاً تضرب به خصومها فترى أن النشاط المدني والعمل السياسي إما إهدارٌ للطاقة أو تضخيمٌ للمشكلة.

فلذلك يرون أن النضال والنقد والعمل المدني بشكل عام يضرّ أصحابه، ويعرّضهم للمحن، والبلاءات والمصائب الشخصية، ثم يرون أن مردود كل ذلك البلاء -بالنسبة إليهم- شيءٌ لا يُقَارن أبداً بحجم التضحيات وحجم الابتلاءات.

الخصم الأبدي للعاملين والناشطين هو الاستبداد الذي يقمع الشعوب ليس فقط بشكل عملي بل أيضاً نفسياً وشعورياً.

عبد الله العودة

وهؤلاء على الرغم من الغبش المفاهيمي الذي يحملونه فإنهم مصدر نقد مستمر للفئات العاملة، وينبغي أن يؤخذ هذا النقد على محمل الجد ويستفاد منه لا لأجل التوقف عن العمل كما يريد الناقدون -أحياناً- ولكن لتطوير آليات العمل واستحداث تجاربه وسد ثغراته ومشاكله.

فعلى سبيل المثال فكرة التضحية ليست غرضاً في ذاتها ولا هدفاً، ومع أن هذا معنى شبه مستقر عند كل أحد، فإن الكثير من المناضلين والعاملين والناشطين في المجال العام يترسخ لديهم مع كثرة القمع وعمقه معنى الإحساس بالتضحية، وفي هذا جاء الإرشاد النبوي العظيم "لاتتمنوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية فإذا لقيتموه فاثبتوا".

فكان الإرشاد النبوي بتحاشي مواطن الافتتان والامتحان ومحاولة تقليصها، وفي نفس الوقت تطمين النفس على الثبات والصبر حين حلول هذه المصائب والابتلاءات.

المعضلة الدقيقة هنا أن الخصم الأبدي للعاملين والناشطين هو الاستبداد الذي يقمع الشعوب ليس فقط بشكل عملي بل أيضاً نفسياً وشعورياً عبر طريقتين:

الأولى: سجن الناس روحياً في الابتلاءات والمشاكل التي يصنعها، وبالتالي يكسب المستبد في أن يجعل سقف طموحات الناس والعاملين فقط رفع هذه المصائب وليس المطالبة بتحول وتغير حقيقي نحو الحقوق والحريات وتوسيع المجال العام فضلاً عن التحول الديمقراطي أو الشوروي.

والشيء الآخر: هو أن القمع الشرس يجعل البيئة المقموعة تميل إلى لوم المقموعين المناضلين بوصفهم "سبباً" للاستبداد والقمع، وسبباً للاستفزاز أيضاً. بينما تجد الأصوات نفسها صامتةً تجاه فاعل القمع نفسه الذي يحمل الهراوة والحديد والنار بل والمنشار!

وهنا تبرز الأسئلة التي يكررها الصامتون المقموعون من حزب الكنبة والأغلبية الصامتة والمترددين: ماذا استفدتم من النضال؟

استفدنا أولاً: أن نقوم بواجب رد الظلم بالقول ونشر الوعي تجاهه. فهو واجب مقدس شريف غرضه إرشاد العقول وتوجيهها ونشر قيم المعرفة والوعي ومكافحة الاستبداد لأجل هذه الأجيال، ولأجل المستقبل ولأجل المجتمع، والناس جميعاً.

فهو باب الإنكار بالكلمة الذي هو من أشرف أبواب العمل الديني والمدني. فنبي الله عيسى نفسه كان كلمة "وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"، والقرآن هو كلام الله. فكل ذلك يؤسس لقيمة "الكلمة" على هذه الأرض "ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها".

الوقت على المدى البعيد دائماً لصالح الضغط والنضال والعمل المدني لأن الاستبداد بطبعه على عجلة من أمره يحتاج إلى النتائج السريعة.

عبد الله العودة

واستفدنا ثانياً: أن نجعل هذا المستبد يدفع ثمناً باهضاً لكل فعل قمعي، ولكل ظلم ولكل استبداد ولكل سجن ولكل جريمة حقوقية ولكل انتهاك لحقوق إنسان.

سيفكر هذا المستبد ألف مرّة قبل أن يكرر كل ذلك، أو يوسّعه كما كان يفعل في السابق. لأنه ببساطة أصبح يدرك الثمن الباهظ لكل قمع. أصبح يدرك أن كل عملية قمع سيرافقها فضح إعلامي وكشف وتقارير وتراكمات غضب شعبي وفرص جديدة للوعي. وأبواب جديدة للنضال المحلي والدولي.

واستفدنا ثالثاً: أن الوقت على المدى البعيد دائماً لصالح الضغط والنضال والعمل المدني. لأن الاستبداد بطبعه على عجلة من أمره يحتاج إلى النتائج السريعة والوجبات السريعة، فالاستبداد يحاول أن يجعل كل فاعل مدني أو ناشط في المجال العام يدفع ثمن كلمته ونضاله فيلاحقه بالتخويف والتهديد والقمع والتعذيب.

فإذا استطاع المناضلون أن يفضحوا هذا القمع ويكشفوه فإن الدرس الشعبي والثقافي الذي تتعلمه الأجيال هو وحشية هذا الاستبداد وقمعيته. فإما أن تنحل الملفات التي طالها القمع وهذا ما يريده الجميع ويتمناه، أو يبقى الوضع كما هو. فالضغط يضع الناس والمهتمين بالصورة لمتابعة الوضع والوعي بتفاصيله، فبالتالي إن لم يكسب الناس فلن يخسروا شيئاً.

واستفدنا رابعاً وأخيراً: أن هذا الضغط سيكون مكسباً للعموم فهو ليس لسبب شخصي أو فردي أو رغبة ذاتية بل لأجل حماية الأجيال، والدفع نحو مجتمع أفضل لنا جميعاً.

فلا يقاس بالمكاسب الفردية والشخصية أو بحسابات الأفراد والأعداد بل بالمطالب الحقيقية على المدى البعيد لصناعة مجتمع تعددي تشاركي حر يعيش فيه الناس بأمان وسلام وتصان فيه حرماتهم وكرامتهم.

وهذا المعنى مهم وضروري لفهم معنى المكسب والخسارة في العمل المدني، فالنضال قد يجعلك تخسر بشكل فردي وبشكل مؤقت وعلى المدى القريب لكنه كثيراً ما يحمل في جعبته الفائدة والمكسب والخير على البعيد المرتبط بالأجيال ووعيها وقيمتها "إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي