تابعنا
روّج الاحتلال الإسرائيلي لفكرة الرهائن في العالم الغربي الذي تجاهل لعقود وجود آلاف الأسرى الفلسطينيين، وهنا أعادت الهدنة المؤقتة استحضار الحديث عن هؤلاء، بل عن فئة خاصة منهم هي النساء والأطفال الذين اعتُقلوا من دون أي مسوغات قانونية.

قبل أيام قليلة لم تكن الهدنة على أجندة الاحتلال الإسرائيلي، ولم يَرِد في أوساط قادته أي حديث عن إمكانية عقد صفقة.

ولكن اليوم نجد أن إسرائيل أذعنت وقبلت بالأمر الواقع، ليأتي هذا الخيار بعد أكثر من شهر ونصف من بدء الحرب، وقرابة الشهر من الحرب البرّية التي تعرّض فيها الاحتلال لخسائر كبيرة.

ووفق اعترافات الاحتلال الرسميّة، فقد قُتل 72 جندياً خلال 26 يوماً من الحرب البرية على غزة، لكن المعرفة بتاريخ الجيش الإسرائيلي في إخفاء أعداد قتلاه الحقيقية تشير إلى أن العدد قد يصل إلى أضعاف العدد المعلن رسمياً.

إنّ الأسوأ بالنسبة إلى الاحتلال الإسرائيلي ليس في عدد الجنود القتلى فحسب، بل في انهيار روايته التي روّج لها طويلاً وورّط بسببها الإدارة الأمريكية معه، وهي أن الأسرى الإسرائيليين موجودون تحت المستشفيات في قطاع غزة، وتحديداً مستشفى الشفاء ومستشفى الرنتيسي للأطفال، ووهمَ أنَّ قيادة حركة حماس توجد هي الأخرى في أقبية هذه المستشفيات.

لكن بعد أن وصل الجيش الإسرائيلي إليها وقد قتل كثيراً من المرضى والجرحى، وقطع الكهرباء والغذاء والدواء عن المشافي، وحرم المدنيّين من العلاج، وبعد أن حوّل المستشفيات إلى ثكنات عسكرية، اكتشف متأخّراً أن روايته لم تكن غير محض خيال، وعجز عن تقديم دليل واحد ملموس على وجود أنفاق.

فشل التحرير بالقوة

الأدهى من ذلك أن القصف الإسرائيلي برّاً وجوّاً أدّى إلى مقتل 60 من الأسرى الإسرائيليين الموجودين في قطاع غزة، أُضيفوا إلى 72 جندياً قتيلاً على أيدي المقاومة خلال العملية البرية.

وهذا يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتعلم الدرس من عمليات سابقة، سواء محاولة الإفراج عن الأسير جلعاد شاليط، الذي استمرت مفاوضات إطلاق سراحه أكثر من 5 سنوات، وقبله الجندي نخشون فاكسمان في تسعينيات القرن الماضي، الذي أدت محاولة تحريره إلى مقتله ومقتل عدد من أفراد القوة الإسرائيلية المهاجمة.

يضاف إلى ما سبق أن الاحتلال الإسرائيلي يخشى وقوع مزيد من الأسرى خلال العمليّة البرّية التي يقوم بها لتحرير أسراه لدى حماس، وهذا يوقعه في مزيدٍ من الحرج ويؤدي إلى تدمير الصورة التي بناها لنفسه على مدار عقود، وتدمير الثقة بين أفراد الجيش أنفسهم، وفي آخر المطاف تدمير ثقة المجتمع بالجيش.

ويُعتبر أيّ حرج عسكري للجيش الإسرائيلي بعد الضربة القاتلة التي تلقاها في 7 أكتوبر/تشرين الأول أمراً لن يمكن علاجه مهما كانت الأساليب.

على كل الأحوال، ووفقاً لدراسة أجرتها جامعة هارفارد، فإنّ نسبة نجاح تحرير الأسرى بالقوة ضئيلة جداً، وتبلغ في أحسن الأحوال نحو 20% فقط.

وتشير الدراسة إلى أن تحرير الأسرى بالقوة غالباً ما يؤدي إلى تصعيد النزاع وزيادة الخسائر البشرية، وهذه أيضاً نتيجة علمية يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتعلم منها، وتدلّ على حالة التخبط التي يعيشها صناع القرار في دولة الاحتلال الإسرائيلي.

مزيد من الخسائر

إنّ صفقة الهدنة المؤقتة قد سبّبت كثيراً من الخسائر في صفوف الاحتلال الإسرائيلي، ومن بينها الخلافات المتصاعدة بين قادة العدوّ، فقد اعتبرها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير -على سبيل المثال- كارثية، وهناك خلافات حول الأولويات، بين أولوية تحرير الأسرى وأولوية تدمير قدرات المقاومة الفلسطينية في غزة، وبالتالي فإنّ الصفقة صنعت مزيداً من خطوط الصدع بين قادة الاحتلال.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن الجيش الإسرائيلي يتحسّب من أنه لن يتمكن من استئناف المناورة البرية الواسعة في قطاع غزة بعد الهدنة، وبهذا تضع هذه الأخيرة عراقيل في دواليب الخطط الإسرائيلية، خصوصاً تلك المتعلقة بتوسيع الهجوم البري إلى جنوب غزة.

لقد جاءت الصفقة بعد 48 يوماً، وبعد نشر المقاومة الفلسطينية لفيديوهات توثق خسائر الاحتلال الإسرائيلي الكبيرة في غزة ومقتل جنوده، وبالتالي يسعنا القول إنّ هذا مؤشّر آخر على أن الصفقة تضاف إلى سجلّ خسائر الاحتلال.

عودة الأسرى الفلسطينيين

لقد روّج الاحتلال الإسرائيلي لفكرة الرهائن في العالم الغربي الذي تجاهل لعقود وجود آلاف الأسرى الفلسطينيين، وهنا أعادت الهدنة المؤقتة استحضار الحديث عن هؤلاء، بل عن فئة خاصة منهم هي النساء والأطفال الذين اعتُقلوا من دون أي مسوغات قانونية.

وبغضّ النظر عن كل بنود الاتفاق، فقد كانت المقاومة أعلنت منذ أول أيام الحرب أنها ستفرج عن المدنيين من دون مقابل، وأنهم ضيوف لديها، لكن الاحتلال لم يسمح بتوفير الظروف لذلك وتعنَّت تعنتاً شديداً، ما أجبره في النهاية على القبول بصفقة تبادل.

وختاماً، كما يستهدف الاحتلال الجبهة الداخلية الفلسطينية، فإنّ المقاومة لعبت على وتر حساس لدى الاحتلال، هو عائلات الأسرى وأقاربهم وأصدقاؤهم الذين يشكلون عدداً كبيراً، ووجهت إليهم كثيراً من الرسائل التي أثبتت أن المقاومة أحرص على حياة الأسرى من الجيش الإسرائيلي الذي قتلهم خلال القصف أو يريد أن يستمر في قتلهم عبر العمليات البرية، وبالتالي تحرّكت عائلات الأسرى وأسهمت في الضغط على صنّاع القرار.

ولهذا يمكن القول ببساطة إنّ المقاومة نجحت عسكرياً في الميدان، ونجحت سياسياً في إدارة وتوظيف ملف التفاوض في صفقة الهدنة المؤقتة بناءً على ما ذكرناه من عوامل أساسية، يضاف إليها سعيها إلى تحرير الأسرى الفلسطينيين، والتخفيف عن كاهل الشعب الفلسطيني الذي يعيش كارثة إنسانية لم يكن لها مثيل من قبل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي