حظرت ألمانيا منظمة حزب الله بشكل شامل على أراضيها، وباشرت حملة مداهمة وإغلاق وضبط بحقّ جمعيات ومرافق تتهمها السلطات بالارتباط بالحزب. جاء ذلك بمقتضى قرار أصدره وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر يحظر نشاط حزب الله ويمنع استعمال رموزه في البلاد.

على أثر ذلك شرعت السلطات في مداهمات واسعة صباح الخميس 30 أبريل/ نيسان، في ولايات برلين وبريمين وشمال الراين، باشر خلالها مئات عناصر الشرطة تفتيش منشآت ومرافق متعددة من بينها جمعيات مسجدية ومكاتب ومنازل، مع احتمالات مصادرة ممتلكات.

بمجرد صدور القرار تمّ التعامل مع ملف حزب الله داخلياً حسب أسلوب ألماني شائع في هذه الحالات، فشنّت السلطات حملتها على الأرض بصفة متزامنة تطبيقاً للقرار. تعتمد إجراءات كهذه على أنظمة مراقبة وتصنيف تحدِّد طبيعة انتشار الفئات والاتجاهات المعنيّة وبؤر الدعم والتأييد والتعاطف المفترَضة. وتنشر "هيئة حماية الدستور" التي تتبع وزارة الداخلية الألمانية تقارير دورية بهذا الشأن تعبِّر عن الرؤية الرسمية الأمنية بشأن طيف واسع من القوى والتيارات والمجموعات الألمانية والوافدة، ولم يغِب حزب الله عن هذه التقارير عبر سنوات مديدة.

جاء الحظر الشامل في ألمانيا بعد تراكمات تعاقبت منذ أن صنّف الاتحاد الأوروبي سنة 2013 الذراع العسكرية للحزب "جماعة إرهابية"، وارتبط القرار الأوروبي وقتها بالهجوم على حافلة تقلّ إسرائيليين في بلغاريا، الدولة العضو في الاتحاد. ومع خواتيم سنة 2019 طالب البرلمان الألماني "البوندستاغ"، الحكومة بمراقبة نشاطات مؤيدي حزب الله في ألمانيا وتعقُّبها بكل الأدوات التي تتيحها "دولة القانون" بحقّ المنظمة ككلّ لا الذراع العسكرية وحدها.

وتقدّم بالطلب البرلماني نواب من أحزاب الوسط السياسي التقليدية ومنها الأحزاب المشكِّلة للائتلاف الحكومي، بعد أن جاءت مطالبات أولية بهذا الشأن من أقصى اليمين ابتداءً، الذي وجد في قرار الداخلية الألمانية استجابة متأخرة لما ألحّ عليه سابقاً. ويبدو أنّ أزمة كورونا عرقلت تقدُّم الحكومة الألمانية بهذا الملف بعض الوقت إلى أن خرج قرار الحظر في ختام شهر أبريل/ نيسان 2020.

يتحدّث المسؤولون الألمان عن أنّ الخطوة الجديدة تهدف إلى وقف أي نشاطات للحزب على الأراضي الألمانية، مشيرين بصفة خاصة إلى أنّها تستهدف منع الدعم و"تمويل الإرهاب وغسل الأموال" لصالح المنظمة اللبنانية، كما ورد. واقع الحال أنّ حزب الله لا يحظى بأي تمثيل أو حضور مباشر على الأراضي الألمانية، بما جعل المستهدف من الحظر أشكال حضور محلية ونشاطات متفرِّقة. تقدِّر السلطات الأمنية الألمانية أنّ ناشطي المنظمة اللبنانية ومؤيديها في البلاد يتجاوزون ألف شخص، وهو ما يفسِّر طبيعة الأهداف والمنشآت التي تمّت مداهمتها.

كان "ملف حزب الله" موضوعاً على طاولة الحكومة الألمانية قبل أزمة كورونا، ثمّ أنهى قرار التصنيف الشامل مقاربة برلين التي ميّزت الذراع العسكرية وصنّفتها بشكل مستقلّ عن منظمة حزب الله عموماً، لكنّ الدلالة السياسية للإجراء الجديد قد لا تعني تحوّلاً جوهرياً في الوجهة السياسية إلا في بعض التبعات.

فرغم المسوغات التي قدّمتها الحكومية الألمانية بين يدي هذه الخطوة تبقى المحرِّضات الخارجية حاضرة بوضوح في القرار الجديد. في خلفية الموقف أنّ الولايات المتحدة دعت برلين إلى تصنيف الحزب بشكل شامل على قائمة الإرهاب بعد أن صنّفته الحكومة البريطانية على هذا النحو بشكل شامل في فبراير/شباط 2019. كما توالى الإلحاح الإسرائيلي على ألمانيا بهذا الشأن، ثم انتهى الأمر بترحيب الحكومة الإسرائيلية بالحظر الشامل الصادر من برلين.

الشرطة الخاصة تحقق مع مركز الإمام المهدي المرتبط بحزب الله في مونستر ، غرب ألمانيا ، الخميس 30 أبريل ، 2020.
الشرطة الخاصة تحقق مع مركز الإمام المهدي المرتبط بحزب الله في مونستر ، غرب ألمانيا ، الخميس 30 أبريل ، 2020. (AP)

غنيّ عن البيان أنّ القرار الألماني يعزِّز توجّهاً تقوده الولايات المتحدة وتحرِّض عليه الحكومة الإسرائيلية، نحو تصنيف شامل بالإرهاب بحقّ منظمة حزب الله بكلّ مكوناتها ونشاطاتها. وما يسترعي الانتباه أيضاً أنّ المبادرة البرلمانية في "البوندستاغ" جاءت ابتداءً من جانب حزب "البديل" المعارض الواقع في أقصى اليمين، عندما طالب نوّابه الحكومة الألمانية بحظر نشاطات حزب الله بشكل شامل، وانتهى الموقف بتبني البرلمان قراره قبل نهاية السنة.

وقد عبّرت مواقف حزب "البديل" عن دعم جارف للاحتلال الإسرائيلي وهي وجهة اختارتها أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية في العشرية الماضية بعد أن كانت متهمة تقليدياً بالعداء للسامية. اتّضح هذا المنحى في مناسبات عدّة، منها مرافعة حزب "البديل" ذاته في "البوندستاغ" في مايو/أيار 2019 ضدّ حملات المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات "بي دي إس" التي فاقت غيره من الأحزاب في التماهي مع الدعاية الإسرائيلية بهذا الخصوص.

في نهاية المطاف حسمت برلين أمرها بحظر حزب الله، رغم أنّ الحكومات الألمانية المتعاقبة لم ترغب على ما يبدو في التصنيف الشامل للمنظمة في ما مضى. أقدمت القيادة الألمانية على الحظر الشامل بعد أن وُوجِهت بطلب برلماني من المعارضة بهذا الشأن تزامن مع إلحاح خارجي من الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية.

ومن شأن تصنيف كهذا أن يضيِّق فرص الدبلوماسية الألمانية في التواصل مع الخريطة اللبنانية المعقّدة التي يتصدّرها الحزب، صاحب النفوذ الأكبر في المشهد الحكومي والبرلماني والسياسي والميداني، كما أنّ الضغط على مكوِّن معيّن قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي الهشّ في هذا البلد حسب بعض التقديرات. وتدرك ألمانيا أنّ هذا التصنيف يفوِّت عليها فرص الوساطات المحتملة التي قد تضطلع بها يوماً ما في منطقة مرشّحة للتصعيد، على منوال مساع ألمانية في إبرام تبادل أسرى بين الحزب والجانب الإسرائيلي في مراحل مضت.

ثم إنّ برلين اشتهرت بخطوطها المفتوحة مع طهران وبتوازنات في إدارة العلاقات الشائكة معها. يجوز الافتراض بأنّ لهذا أثره في ما مضى في تحاشي الاندفاع إلى حملة ضد منظمة مرتبطة بإيران رغم أنّ السنوات السبع الماضية التي تلت وصم الاتحاد الأوروبي الذراع العسكري للحزب (2013) بالإرهاب شهدت أوسع انخراط له في الميدان الخارجي المسلّح، ضمن الصراع المركّب على الأرض السورية.

ورغم حفاوة أوساط سورية محسوبة على قوى الثورة والمعارضة بالتصنيف الألماني الجديد والإيحاء بارتباط القرار بما مارسه الحزب على الأرض السورية طوال السنوات الماضية، إلاّ أنّ خلفيات الحظر كانت واضحة، فقد برّره وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر بأنّ الحزب "يدعو علناً إلى تدمير عنيف لدولة إسرائيل ويضع حقها في الوجود موضع تساؤل"، وجاءت هذه العبارات في صميم المواقف البرلمانية التي سبقت القرار، مع غياب لذكر الساحة السورية.

يبدو واضحاً أنّ تصنيف حزب الله كلِّياً على قوائم الإرهاب والحظر في دول غربية، هي الولايات المتحدة وكندا وهولندا وبريطانيا وألمانيا، لا يتعلّق في جوهره بحضور الحزب الواسع على الجبهة السورية إلّا بما يتعلق بأي إعدادات محتملة موجهة إلى الجانب الإسرائيلي، لكنّ هذا الفصل المديد من النشاط العسكري الخارجي قد يوفِّر بطبيعة الحال حججاً وذرائع للحملة التي تقودها إدارة دونالد ترمب ضد حزب الله وتلقى أصداء في بعض الدول.

واقع الحال أنّ إدارة ترمب أبدت تجاوباً جارفاً مع الحكومة الإسرائيلية وأطلقت أجزاء من خطّتها المعروفة بصفقة القرن بمعية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دون غيره. كما وضعت واشنطن نصب عينيها إضعاف إيران وتشديد العقوبات عليها بعد التنصّل من الاتفاق النووي المبرم في عهد باراك أوباما برعاية دولية. وجاء اغتيال قاسم سليماني، الذي قاد النشاط العسكري الإيراني الخارجي وأذرعه الرديفة، ليؤكد مطلع سنة 2020 أنّ قواعد اللعبة لم تعُد على حالها منذ الغزو الأمريكي للعراق.

لا تعني موجة الترحيب الأمريكية والإسرائيلية بقرار الحظر أنّ برلين قرّرت الالتحاق بالحملة الأمريكية أو إحداث تحوّل في إدارة العلاقة مع إيران أو حتى مع المشهد اللبناني، فمن طبيعة القرار أنه جاء من وزارة الداخلية مع تطبيقات عملية محلية غالباً، وإن جرّ تضييقات محتملة على حزب الله.

كان من المفترض في الخطوة الألمانية (2020)، وفي سابقتها البريطانية (2019)، أن تحفِّز مساعي شبيهة في دول أوروبية أخرى، لكنّ أولوية جائحة كورونا قد تكبح تأثير الدومينو العابر للعواصم الأوروبية، وقد لا يجد بعضها أنها معنية بذلك، بخاصة إن وجدت أنّ هذا لا يخدم مصالحها وأواصرها الوثقى مع المشهد اللبناني، مثل باريس تحديداً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي