مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتعقيد المشهد السياسي الداخلي في ألمانيا، يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتنصيب نفسه رجل أوروبا القوي، ولذلك يزعجه دور تركيا المتنامي في المنطقة.

في مطلع عام 2019، تكاثرت التعليقات بشأن علاقات الصداقة بين فرنسا وألمانيا ودخولها في طور جديد من التحسن والتعزيز، لا سيما مع انتخاب برلين عضواً غير دائم بمجلس الأمن الدولي. فتنصيب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة في نهاية عام 2016، وتبنيه موقفاً متشدداً وصارماً -شبه قومي- تجاه كل من ألمانيا وفرنسا يضع المصالح الأمريكية فوق كل اعتبار، قد ساهم في انكشاف مدى اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة وتبعيتها لها على الصعيد الأمني. وعليه بدأت تظهر أحاديث تشير إلى أن هذا الاعتماد الراهن أحادي الجانب المتواصل منذ سنوات، لن يدوم طويلاً على هذا النحو.

اتجهت ألمانيا وفرنسا إلى توقيع معاهدة صداقة جديدة حملت اسم "معاهدة آخن"، لتعزيز مجالات التعاون بينهما، وتشكيل خط مقاومة داخل الاتحاد الأوروبي ضد الولايات المتحدة. وقد ساهم انتخاب ألمانيا عضواً غير دائم بمجلس الأمن الدولي لعام 2019-2020، وحصولها في هذا المسار على دعم فرنسا العضو الدائم بالمجلس، في تكليل هذا التعاون المنشود بنجاح وإكسابه دفعة إيجابية للغاية.

غير أن إطلاق تركيا عملية نبع السلام شمال شرقي سوريا في مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على الرغم من انتقادات المجتمع الدولي وردود فعله، وتدميرها ممر إرهاب تنظيمَي PKK وYPG شمالي سوريا، أثبت للجميع عدم جدوى مساعي ألمانيا وفرنسا لتكونا بديلين للولايات المتحدة. فالحكومة التركية نفذت عمليتها بنجاح على الرغم من ردود الفعل الغاضبة من الولايات المتحدة إلى جانب ألمانيا وفرنسا، كذلك لم تعر انتباها إلى تهديدات دول حلف شمال الأطلسي "ناتو" التي هي ضمن أعضائه، ومن أجل أمنها القومي واصلت كفاحها ضد تنظيم PKK الإرهابي.

وفي هذا السياق، لوحظت في الأيام الأخيرة تطورات طرأت على العلاقات الألمانية الفرنسية. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وجه انتقادات لعملية نبع السلام، واتخذ من العملية ذريعة لانتقاد حلف "الناتو" والتشكيك حتى في قدراته. غير أنه حتى وإن بدا على أنه انتقاد لـ"الناتو"، فإن وصف ماكرون الحلف بأنه في وضع شبيه بالموت السريري هو انتقاد موجه مباشرة إلى تركيا والولايات المتحدة التي لم تتمكن من الوقوف أمام تركيا. ففي الحقيقة ماكرون منزعج للغاية من عجز الدول الأعضاء بـ"الناتو" وفي مقدمتها الولايات المتحدة عن إيقاف تركيا، بالإضافة إلى عزم أنقرة على مواصلة موقفها وكفاحها ضد تنظيم YPG الإرهابي بلا تهاون.

وهنا نوضح أن انتقادات ماكرون لـ"الناتو" قوبلت بالرفض من جانب الولايات المتحدة وممثلي الاتحاد الأوروبي، وأبرز أعضاء الحلف. وهؤلاء جميعاً أكدوا ولا يزالون يؤكدون أهمية الحلف من أجل أمن أوروبا.

فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في كلمة بجلسة لمناقشة ميزانية 2020 في المجلس الفيدرالي (البرلمان) أشارت إلى ضرورة بقاء تركيا في "الناتو"، وشددت على أهمية عضويتها من أجل الحلف.

وعند النظر إلى خطابات ماكرون الأخيرة من منظور ألمانيا، يجوز القول إن الرئيس الفرنسي دخل خلال الأسابيع والشهور الأخيرة في منعطف معارض خطير، ليس فقط بشأن "الناتو"، بل أيضاً فيما يتعلق بالعلاقات الفرنسية الألمانية.

وإلى جانب فشل حلف "الناتو" في اتخاذ موقف ضد تركيا، وتصريحات ماكرون ضد فاعليات الجيش التركي شمالي سوريا، طفت أمور أخرى على السطح خلال الشهور الأخيرة. نذكر منها معارضة الرئيس الفرنسي مشروع خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" الذي يربط بين روسيا وألمانيا. غير أنه في الوقت ذاته دعا الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين للمشاركة في اجتماع "مجموعة السبع" في أغسطس/آب الماضي، من دون التواصل مع حليفته المقربة ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي.

ونظراً إلى عدم اتزان مواقفه، يواجه ماكرون انتقادات من جانب الاتحاد الأوروبي، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقات مع روسيا، على خلفية تحركاته أحادية الجانب.

كذلك أثار ماكرون ردود فعل غاضبة في قمة الاتحاد الأوروبي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بموقف بلاده منفردة الرافض لانضمام ألبانيا وجمهورية شمال مقدونيا إلى التكتل الأوروبي على الرغم من أن كلا البلدين استوفى شروط بدء محادثات العضوية الكاملة في الاتحاد كافة.

ماكرون زعيم يفتقر إلى الخبرة، وصل إلى كرسي الرئاسة عام 2017 عبر تأسيس حزب جديد واستقطاب سياسيين إليه من الأوساط السياسية كافة. فهو شخص نُصّب رئيساً مستفيداً من الفراغ السياسي بالبلاد، بسبب تراجع شعبية الأحزاب السياسية الرئيسية ومصداقيتها لدى المواطن، وعدم قبول أحزاب اليمين المتطرف لدى شرائح عريضة من المجتمع.

وصار يتمتع بصلاحيات مهمة للغاية، صلاحيات يراها عديد من الغربيين لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها التي كانت يحظى بها الملوك. علاوة على ذلك فإن امتلاك ماكرون الأغلبية في البرلمان الفرنسي أيضاً إلى جانب كرسي الرئاسة قد يدفعه إلى السقوط في خطأ غير واقعي عبر التفكير، في أنه من الواجب أن تجد صورة الرجل القوي في الداخل صدى في السياسة الخارجية أيضاً. ومن الممكن ربط ذلك بخطاباته ومواقفه المتشددة غير الحكيمة في الشهور الأخيرة.

إن بزوغ تركيا كلاعب مهم في إعادة إعمار منطقة شمال شرق سوريا مع بدء عملية تسوية سلمية محتملة في سوريا، أظهر مجدداً مدى اهتمام فرنسا وألمانيا أيضاً بهذه المنطقة. وعلى الرغم من أن ألمانيا تسعى لإبراز صورة أنها تميل أكثر إلى التعاون مع تركيا في هذا الموضوع، فإن موقف فرنسا المتشدد تجاه أنقرة قد ساهم في جعل هذه القضية تباعد بين البلدين أكثر. كذلك ينبغى ألا ننسى عدم لعب كل من فرنسا وألمانيا أدواراً ملموسة فيما يتعلق بمستقبل سوريا ومسار صياغة دستور جديد للبلاد.

إن لم تدرك فرنسا بشكل واضح أن تركيا دولة مهمة لا يمكن المجازفة بخسارتها سواء على الصعيد العسكري والاقتصادي أو الجيوستراتيجي، فإن الدول الأخرى الأعضاء بـ"الناتو" تدرك ذلك جيداً وتأخذ الموضوع على محمل الجد.

وعلى هذا النحو، يتوجب على فرنسا قبول الأنشطة المتعلقة بالوجود التركي في سوريا وأمن "الناتو"، والتراجع عن ردود الفعل المتطرفة الشبيهة بانعكاسات لحقبتها الاستعمارية الغابرة.

كذلك يتوجب على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عدم الارتكاز الزائد إلى صلاحيات منصبه الواسعة، وإصدار قرارات حاسمة باسم أوروبا من دون الرجوع إلى ألمانيا القوة الاقتصادية الكبرة في القارة.

فليس من المرجح بقاؤه في السلطة عقب الانتخابات المقبلة بعد ثلاث سنوات، حتى في الظروف الطبيعية. وكما أشارت صحف عديدة في مقدمتها نيويورك تايمز الأمريكية، فإن الصلاحيات الواسعة التي يوفرها منصب رئيس فرنسا لماكرون، إلى جانب تمتع حزبه بالأغلبية في البرلمان تجعله يظن أنه يمتلك ثقلاً أيضاً في السياسة الدولية.

لكن عليه أن يواجه هذه القضية بالحقائق العقلانية. فها هي ألمانيا تتبنى موقفاً عقلانياً، وفي نهاية الطريق تنصت لما تقوله الولايات المتحدة (حلف الناتو)، على الرغم من كل شيء (سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب).

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRT عربي.

المصدر: TRT عربي