إن السعي قدماً نحو تنفيذ عملية ضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة وغور الأردن لا يُعدّ من حيث الجوهر بالأمر الجديد. إن المراقب لتطور الأحداث على الساحة الفلسطينية منذ عقدين يدرك تماماً أن مآل الأمور هو حتماً إلى هذه النتيجة.

يشير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى خريطة لوادي الأردن الذي تنوي إسرائيل ضمه بطريقة غير شرعية
يشير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى خريطة لوادي الأردن الذي تنوي إسرائيل ضمه بطريقة غير شرعية (AFP)

فإذا اعتبرنا أن ما يُدعى عملية السلام قد وصلت إلى ذروتها مع اغتيال رابين، فقد بدأت بعدها تهوي بطريقة دراماتيكية، ومنذ اللحظة التي أفل بها نجم شيمون بيرز عن الساحة السياسية الإسرائيلية وهو صاحب مقاربة "الشرق الأوسط الجديد" وصعود نجم بنيامين نتنياهو بمقاربته "لا شريك للسلام"، كان واضحاً أن مشاريع السلام وقيام دولة فلسطينية عبر المفاوضات والارتكان إلى الشرعية الدولية قد وصلت إلى طريق مسدود. هذا إذا ما غضضنا الطرف عن أن فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة تتنافى مع مبادئ الفكر الصهيوني الذي قامت عليه "إسرائيل" منذ تأسيسها.

وفي الوقت الذي كان في جعبة الكيان الصهيوني فسحة من الخيارات للوصول إلى أهدافه الاستراتيجية المتمثلة بالأساس بشهوة لا تحدها حد بالتوسع، ابتلي الفلسطينيون بقيادات أفرزت غالبيتها خيارات عقيمة وتخشبت الخيارات الاستراتيجية لدى القيادة الفلسطينية في رام الله، إذ عميت أبصارهم عن كل مسار إلا مسار المفاوضات والسلام والتنسيق الأمني.

وفي الوقت الذي كانت فيه الجهات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية تعمل على اعتقال المناضلين الفلسطينيين، وتجتث البنية النضالية في الأراضي الفلسطينية، كان الكيان الصهيوني يعمل على قدم وساق على توسيع فضائه الاستراتيجي في الأراضي الفلسطينية عبر عملية تكديس لقطعان المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فإذا كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية قبل أوسلو بحدود 268 ألف مستوطن، فإن أعدادهم تنامت بعده لتصل إلى 700 ألف مستوطن.

هذا يعيدنا إلى جوهر القضية الفلسطينية وطبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني الذي يمثل النموذج الوحيد الباقي من نماذج الاستعمار الغربي. إن جوهر الصراع يتمحور حول مقارعة قوة احتلال استيطانية. وأي قوة احتلال عبر التاريخ كانت تسعى دائماً إلى ثلاثة أهداف متداخلة ومتشابكة بعضها مع البعض وهي: الاستيلاء على الأرض بالقوة، وطرد سكانها الأصليين، وإحلال وافدين جدد مكانهم.

للمزيد يمكن الإطلاع على:

خيارات السلطة الفلسطينية في رفض مشاريع الضم .. بين الجدية والعجز

إن فكرة الإحلال والاستيطان هي الأساس السياسي والأيديولوجي للصهيونية، وهي الأساس العقدي لليهودية اليمينية المتطرفة التي تُحكم الآن قبضتها على دولة الاحتلال، ولذلك فإن من السذاجة بمكان أن يقتنع أي أحد بأن دولة الاحتلال يمكن أن تتخلى عن الأساس الذي قامت عليه، لأن تخليها عن هذا الأساس سيؤدي ببساطة إلى زوالها تماماً.

ومن هنا فإن التوقف عن الاستيطان وقضم الأرض يعني باختصار تهديداً وجودياً للكيان الاستعماري. ولا يمكن أن يتصور أحد أن دولة الاحتلال يمكن أن تتنازل طواعية عن استثمارها الضخم في مشاريع الاستيطان بالضفة الغربية والقدس والأغوار.

أما عن توقيت تنفيذ هذه الخطوة فعلينا إدراك أن الكيان الصهيوني يتحرك باستراتيجية النفس الطويل مستثمراً الفراغات الرخوة الناجمة عن تدافع القوى بعضها مع البعض. وبالنظر إلى الواقع اليوم، نجد أن حجم هذه الفراغات يفتح شهية أي كان في مركز القرار في الكيان الصهيوني للتقدم خطوات باتجاه تنفيذ أهدافهم الاستراتيجية.

فالمحيط العربي تحوَّل إلى حلبة صراعات دولية بالوكالة، وباتت الدول فيه إما فاشلة وإما في طريقها إلى الفشل، هذا فضلاً عن هرولة عدد ليس باليسير من هذه الدول إلى التطبيع مع دولة الاحتلال وربط مصيرها الجيو-أمني بها لتشكيل تحالف وإن لم يعلن عنه رسمياً، ضد عدوها المشترك المتمثل بإيران والإسلام السياسي.

هذا فضلاً عن الإدارة الأمريكية الداعمة لدولة الاحتلال بشكل لا مثيل له من قبل. فلم تحلم أبداً "تل أبيب" أن يكون بالبيت الأبيض رئيس يوافق على مشروعها الاستيطاني-الإحلالي بهذا الشكل. فترمب ومن ورائه مستشاره وصهره كوشنر صمَّما صفقة القرن على المقاس الذي يريد نتنياهو. فبعد أن اعترف بالقدس عاصمة "لإسرائيل"، وسيادتها على الجولان، كانت صفقة القرن متممة للاعتراف بما احتلته "إسرائيل" من الأراضي العربية الفلسطينية عام 1967.

أمام هذا الواقع المستجد، يجب على الفلسطينيين إعادة إحياء مشروعهم الوطني الجامع. إن الاستمرار في حالة التشرذم هذه بين فصيل وفصيل أو بين داخل وخارج لا يخدم دولة الاحتلال وحسب بل ويضعف موقفنا أمام المجتمع الدولي خصوصاً أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بعدالة القضية الفلسطينية.  

لقد سعت دولة الاحتلال الصهيوني عبر جميع أذرعها لتقسيم الفلسطينيين إلى كيانات وكنتونات منفصلة وغير منسجمة، وهي بذلك تطبق بطريقة احترافية استراتيجية "فرّق تسد". واليوم توجد فرصة لأن يثبت الفلسطينيون أنهم شعب واحد بالداخل والشتات، بالضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وداخل الخط الأخضر.

للمزيد يمكن الإطلاع على:

هل نرى خارطة طريق فلسطينية لمواجهة الضم؟

إن التهديد الذي يعصف بالشعب الفلسطيني اليوم مشابه تماماً للتهديد الذي كان ماثلاً أمامهم قبيل نكبة 48، بمعنى أن هذا التهديد لا يشمل البعض ويترك الآخر بل يشملهم جميعاً. فالتهديد بالترانسفير الذي يواجه الفلسطينيين في قرى المثلث، على سبيل المثال، لا يقل عن التهديد الذي يواجه الفلسطيني في مخيمات الشتات في لبنان والأردن والضفة وغزة أو ذلك الفلسطيني في الشتات.

إننا أمام لحظة لا يجدي فيها التهديد بالتحلل من الالتزامات والمعاهدات بين قيادة السلطة ودولة الاحتلال، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته وفرض عقوبات على "إسرائيل". فهذه السياسية وإن كانت مثمّنة في حال تنفيذها بشكل جاد، يجب أن تمثل خطوة ضمن استراتيجية متكاملة، تتمثل بإعادة إحياء لا مجرد إعادة بناء لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتخلي عن احتكار القرار الفلسطيني بالذهاب نحو انتخابات جديدة وحقيقية للمجلس الوطني الفلسطيني، ليكون معبراً عن نبض الشعب الفلسطيني بأطيافه وجغرافيته كافة.

نحن اليوم أمام مرحلة يجب أن نترك فيها خلفنا السياسة الفصائلية التي اتُّبعت على مدار العقود السابقة، والتوجه نحو التكاملية الوطنية من خلال العمل المشترك المنفتح على جميع الفضاءات السياسية. إننا أمام تحدي إعادة مصداقيتنا النضالية أمام المجتمع الدولي والأطراف المتعاطفة معنا على الساحة الدولية. إننا نتمتع بقضية عادلة تُلزمنا باستثمارها بفاعلية لتحقيق أهدافنا الوطنية المتمثلة بالتحرير والعودة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي