يخاطبنا الساسة، لاسيما في أوقات الاضطراب الاقتصادي والسياسي، بلغة انفعالية مفعمة بالحماس عن ضرورة محاربة الشر وأهله، ومن تلك الحرب يستمدون شرعيتهم وتأييد شعوبهم في فرض سياساتهم، حتى وإن كانت تلك السياسات هي الشر ذاته.

يُستخدم الشر هنا كمفردة لغوية مطاطة تحمل في ثناياها استيهامات المجتمع البشري البدائي أو التراث الديني. إن استخدام مصطلح الشر وقوى الشر هو أحد مكونات الإرث الاستعماري الرأسمالي الذي تأزم في الثلث الأول من القرن العشرين، ففي مخاض الإضرابات العمالية وصعود الحركات الثورية في بريطانيا ومستعمراتها، ظهر هذا الخطاب تحديداً مع ونستون تشرشل (1874-1965)، "الذي واجه إضرابات عمال الفحم بالعنف الدامي، العام 1911، موجهاً حديثه إلى شعبه وبرلمانه بضرورة تأييد سياساته ضد هؤلاء المخربين "لأنهم شر، يجعل بريطانيا مثل العراق بعد دمار سد نمرود العظيم في القرن الخامس عشر"، وهو نفسه الخطاب الذي تجدد في الحرب العالمية الثانية، وأحياه النظام الأمريكي لشرعنة غزو العراق، العام 2003، ويستخدمه الساسة اليوم بذريعة محاربة الإرهاب.

نفهم من ذلك أن مفهوم الشر حديثاً، ارتبط بمنحنى صعود النظام الرأسمالي الذي نسميه اليوم "الليبرالية الجديدة"؛ استناداً إلى شيطنة الآخر "لتحميله خطايا النظام، وتوجيه دفة المقاومة ضد شر مُتخيّل ومصطنع يظهر في الصورة على أنه سبب العنف والتخريب، وما هو في الحقيقة سوى نتيجة أو أحد أعراض إنتاج النظام.

على سبيل المثال، وبعيداً عن هيمنة فكرة المؤامرة على العقل الجمعي في مجتمعاتنا كنوع من السلبية والعجز، فإن الحركات الإرهابية التي تساومنا وتهدد حياتنا، وتستمد من الدين مرجعيتها ما هي إلا فاشيات سياسية واقتصادية ناتجة عن مساومات النظام الرأسمالي المعولم، ومجال تفاوض لاستغلال التناقضات التي أحدثتها الفوضى والحركات الثورية المبتسرة، وبدلاً من أن تظهر تلك الفاشيات في هيئة أنظمة سياسية متماسكة تمثل توازنات قوى دولية، كالحكم النازي أو الموسوليني، تظهر في هيئة ما يمكن تسميته "حرب شوارع معولمة"، وعصابات هامشية من متون مركزية النظام المعولم الذي يتمدد وتتسع رقعته بفرض سياسات القهر والاستغلال واللامساواة.

حين نفطن إلى بواطن الشر الكامنة في الأفكار والمشروعات بما أنها منتوج بشري، يمكن أنسنة الشر دون شخصنته أو تأليهه.

إيمان النمر

على الوجه الآخر تخبرنا خطابات الحركات الأصولية، أنّ "الآخر الغربي" هو الشر المطلق ونحن ضحاياه، وعلى نحو بدائي أيضاً تشيطنه، وتجعله شرط الفساد الذي يجلب الغضب الإلهي على الأرض، وما بين طبقة وسطى تنحاز إلى الخطاب السياسي بغية الحفاظ على مكتسباتها المادية وأمانها الاجتماعي، وطبقة دنيا واسعة تجذبها الخطابات الأصولية باسم الدين بما يضمنه من خلاص أخروي، عوضاً عن الظلم الدنيوي، وفي أحيان أخرى بحثاً عن معنى غاب في غياهب الاستهلاك، يتموه مفهوم الشر ويستتر مصدره الحقيقي.

الشر يكمن في الأفكار والمشروعات

من هذا المنظور انطلق الفيلسوف الفرنسي آلان باديو؛ فالشر الذي يجب أن نواجهه ليس الآخر الذي يخبرنا به النظام وهوامشه، إنما هو الذي يكمن في الأفكار والمشروعات حين يتم تسخيرها لخدمة قلة من البشر على حساب الجموع واستغلالهم وسلب حقوقهم، وأن شر الفكرة ليس مطلقاً، إنما يتحدد بالظرف والنتائج التي تولدت عنه، بقياس خيريتها للصالح العام من عدمه.

لكن نذكر أن النظام الرأسمالي الليبرالي الذي يتحكم في مصائرنا اليوم، تاريخياً لم يكن شراً على الدوام، بل بموضوعية، كان عماد فترة من السلام والتنوع الفكري الثري الذي أنتج حداثة القرن التاسع عشر، ويذكر كارل بولاني (1886-1964) في كتابه المتزن "التحول الكبير"، أن هذا السلام حققه توازن القوى الدولية؛ حيث كان الاستقرار من دواعي استمرارية وجود النظام، الذي تولّد عنه حين اختل العديد من النظريات الفكرية والأنظمة الراديكالية التي قاومت هذا الاختلال، وتطورت إلى أن أحدثت طفرة سياسية واجتماعية تمثّلت في نظام دولة الرفاة التي سادت خمسينيات وستينيات القرن العشرين بعد الحرب الطاحنة.

الشر يكمن في تعمد ترك البشر فريسة للمرض والجهل وحرمانهم من الدواء والطعام والمعرفة التي تخول لهم بناء الوعي ومحاربة الأفكار الهدامة.

إيمان النمر

إذن؛ ووفقاً لآلان باديو، واستنتاجات كارل بولاني، فإننا حين نفطن إلى بواطن الشر الكامنة في الأفكار والمشروعات بما أنها منتوج بشري، يمكن أنسنة الشر دون شخصنته أو تأليهه، ومن هنا تبلور مفهوم الخير عند باديو؛ بمعنى السعي نحو تحقيق الخير للصالح العام، ومقاومة الشر بتغييره جذرياً، شرط الالتزام؛ فالشر "هو التنازل في مسألة الخير ولحظة فقداني القوة لأكون أميناً تجاه الخير الذي يلزمني؛ الاستسلام دائماً شر، وكذا التخلي عن السياسة التحررية، والحب الشغوف، والإبداع الفني".

فن إدارة الخوف لتثبيت مفهوم الشر السياسي "الزائف"

ولا يمكن الالتزام بالخير وتحمّل مسئوليته، إلا بفهم كيفية اشتغال آلياته، وعدم الفهم هو تورط في تمدد عمل الشر الزائف الذي تتلاعب به السلطة وهوامشها، وتُطّوعه بإثارة غريزة الخوف، فيما يُعرف بفن إدارة الخوف، وهي سياسة ميكافيلية بامتياز.

للتقريب، نذكر قصة قيصر بورجيا الواردة في كتاب "الأمير" لمكيافيلي لتفسير استعراض العنف الذي يحدث في مجتمعاتنا اليوم مقابل السِلم؛ حيث يُذكر أن قيصر بورجيا حين احتل رومانيا، العام 1499، استغل حالة الفوضى، وضعف سلطة منافسيه وفسادهم، فاستطاع التخلص منهم بتنصيبه ريمي دورك، وهو رجل مشهور بالقسوة وسرعة التنفيذ، ومنحه كل السلطات، أعاد هذا الأخير في وقت وجيز الهدوء والوحدة إلى البلد، ولما كان بورجيا يدرك السلطة المفرطة التي منحها لوزيره ... "ويعرف جيداً أن الشدائد الماضية خلّفت بعض العداوة لشخصه، ولتطهير أنفس شعوبه والإبقاء عليها تماماً في صفه، أراد أن يظهر لها أنّ ما اقترف من قسوة لم يكن صادراً عنه، وإنما عن طبيعة الوزير الخبيثة. استناداً إلى هذا، انتهز الفرصة ذات صباح، وأمر بتقطيع جسد الوزير إلى جزءين وعرضه وسط الساحة العامة، وبجانبه كتلة من الخشب وخنجر ملطخ بالدم. جعلت وحشية هذا المشهد كل الشعب يبقى في الآن عينه راضياً وغبياً". هذا الرضا والغباء هو منطق العنف الاستعراضي وتنافسية التسليح، وعماد الأنظمة التي تسود العالم محلياً وخارجياً.

ثورات الربيع العربي وإمكانية مقاومة الشر

إذن، هذا الشر الملتبس، تشترط مقاومته أن نكون ذوات حرة، غير مذعنين لما يُروج من مفردات ومصطلحات تصبح بمرور الوقت بدهيات لا تحتمل النقاش، أو حقائق لا تقبل الشك، فالقول بأن العنف واللامساواة والقهر هي سمة الاجتماع البشري ولا يمكن تغييره هو تعطيل للحقيقة، والشر هو تعطيل الحقيقة، حين يعرقل تحقيق الذات الإنسانية، كذات بمقدورها التفكير والإبداع، وبوسعها التحرر من غرائزها الحيوانية "الهمجية"، والمصالح الفردية الضيقة.

القول بأن العنف واللامساواة والقهر هي سمة الاجتماع البشري ولا يمكن تغييره هو تعطيل للحقيقة. والشر هو تعطيل الحقيقة.

إيمان النمر

ويستتبع ذلك، الوعي بأن الشر يكمن في تعمد ترك البشر فريسة للمرض والجهل، وحرمانهم من الدواء والطعام والمعرفة التي تخول لهم بناء الوعي ومحاربة الأفكار الهدامة التي تسلب حياتهم بمسميات عدة، هي محض اختلاق إيديولوجي.

وفقاً لهذا المنظور الفلسفي الاجتماعي، يمكن القول بأن ثورات الربيع العربي، كانت محاولة جادة في مقاومة الشر، فالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، كانت مطلبها وشعارها، لكن وبحسب باديو، فإن الحدث لا يصبح حقيقة إلا باختبار استمراريته، وهو ما أسماه "سيروارت الحقيقة" وإلا تحوّل إلى كارثة؛ بمعنى أن الحدث الثوري يستلزم الوفاء بشعاراته ومتطلباته، والقدرة على استثماره في إنتاج معرفي متماسك يصبح نموذج إلهام للبشرية.

لكن ما نشهده اليوم من شيوع الإحساس بالعدمية واليأس والسلبية السياسية، كنتائج أولية على المدى الزمني القريب، قد يجعلنا نقول بأن الحدث الثوري لم يصبح حقيقة، وإنما قد أُهدر. ونختم بالعبارة الثورية الحقيقية تماماً التي تداولها الشباب في السنوات السبعة الماضية، وهي "اليأس خيانة"، وللمزيد "اليأس شر" والاستسلام شر، أما الخير فيعني "الالتزام بما نرجو أن يصير إليه العالم" من كرامة وعدل وإبداع وحب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي