مرت الليرة التركية بظروف صعبة للغاية خلال العام الحالي إذ فقدت ما يقارب 25% من قيمتها، وتضافرت علي هذا الانخفاض مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية.

ويعزو الكثير من الخبراء الوزن النسبي الأكبر للهبوط إلى العوامل السياسية، والعمليات العسكرية التي شاركت فيها تركيا بشكل مباشر مثل ليبيا وأذربيجان، علاوة على التوترات القائمة والمستمرة على الحدود السورية، ومع الاتحاد الأوروبي. 

وعلى الرغم من أهمية العوامل السياسية فإن العوامل والقرارات الاقتصادية تشكل وزناً معتبراً في هذا الهبوط الكبير، لا سيما بعد التداعيات السلبية لفيروس كورونا على الاقتصاد التركي التي تسببت في انخفاض أعداد السياح إلى تركيا إلى حدود 13 مليون سائح فقط خلال عشرة الشهور الأولى من العام الحالي مقارنة بنحو 45 مليون سائح العام الماضي، الأمر الذي يعني فقدان تركيا ما يزيد على نصف الإيرادات السياحية التي كانت تساهم بصورة كبيرة في استقرار سعر الصرف. 

كما زادت تلك التداعيات من مستويات عجز ميزان المعاملات التجارية،إذ بيّنت معطيات مجمعة لوزارة التجارة التركية أن عجز الميزان التجاري التركي وصل منذ مطلع العام الجاري حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى 40.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 24.2 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي. علاوة على تفاقم أزمة ديون القطاع الخاص وانخفاض احتياطيات النقد الأجنبي وتزايد العجز في الميزانية التركية، وكلها أمور تشير بوضوح إلى استمرار نزوح الأموال عن الاقتصاد والمزيد من الضغط على الليرة.

وتحت تأثير الانخفاضات المتتالية لسعر الليرة اضطرت الإدارة الجديدة للبنك المركزي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 4.75% دفعة واحدة، لتبلغ أسعار الفائدة المحلية 15%، سعياً إلى جذب المزيد من الودائع بالليرة في البنوك، مما يقلل السيولة ويكبح التضخم، ومن ناحية أخرى سعياً لتخفيض توافر الليرة التركية مما قد يسهم في تقليل المضاربات عليها التي تسببت في بعض الخسائر خلال الفترة الماضية، مع توجيه أصابع الاتهام نحو دول وبنوك بعينها تقف وراء هذه المضاربات.

كما يهدف البنك المركزي التركي من وراء القرار إلى استعادة جاذبية الاستثمارات في أدوات الدين الحكومية، فيما يعرف بالأموال الساخنة التي تلهث وراء الأسواق مرتفعة سعر الفائدة، وهي الأموال التي هربت من السوق التركية جراء الخفض المتوالي لسعر الفائدة خلال عام 2019، التي من المرجح عودتها بعد هذا الرفع الأخير بعدما أصبح سعر الفائدة التركي أعلى من نظيره في الأسواق المنافسة الأخرى لا سيما السوق المصرية، إذ تبلغ أسعار الفائدة على أذون الخزانة المصرية لمدة 90 يوماً نحو13.1%. 

وكذلك فإن سعر الفائدة المرتفع يحد من ظاهرة الدولرة أو شراء الذهب، إذ يجد المدخرون أن لدى المصارف عائد يفوق احتفاظهم بمدخراتهم من خلال العملات الأجنبية أو شراء الذهب، وعلى الرغم من كل الأهداف السابق الإشارة إليها فإن رفع سعر الفائدة يحمل العديد من التداعيات السلبية على مجمل الأداء الاقتصادي، كذلك فإنه ليس الأداة التي يمكن أن تنجح بمفردها في تحقيق الأهداف المرجوة، الأمر الذي يعني وجوب تضافر العديد من السياسات بالتوازي مع سعر الفائدة لتحقيق تلك الأهداف وعلى رأسها استقرار سعر الليرة.

وتبرز أهم سلبيات رفع سعر الفائدة على تثبيط الاستثمار المحلي، من خلال تشجيع الودائع البنكية على حساب الاستثمارات الحقيقية، وهو الأمر الذي يهدد بالمزيد من البطالة التي تعاني تركيا من ارتفاع معدلها مؤخراً إلى نحو 13.2% في أغسطس/آب 2020، لتسجل 4 ملايين و194 ألفاً، بالإضافة إلى التسبب في رفع معدل التضخم كنتيجة مباشرة لزيادة تكاليف الإنتاج بعد رفع سعر الفائدة، وكذلك التسبب في المزيد من الإرهاق للموازنة العامة للدولة التي تعاني عجزاً تقدر قيمته بنحو 138.9 مليار ليرة (23.4 مليار دولار)، مرتفعاً عن 2019 بنسبة تتجاوز 72%، وبلغتقيمة العجز في مقترح موازنة 2021 التي تقدم بها الرئيس إلى البرلمان 245 مليار ليرة، وهو الأمر الذي يعني أن رفع سعر الفائدة يسبب المزيد من الأعباء علي كاهل الحكومة، وربما يتسبب لاحقاً في مراجعة الدولة لبنود إنفاق قطاعَي الصحة والتعليم اللذين يستحوذان على اهتمام خاص خلال الموازنات السابقة.

كذلك فإن رفع سعر الفائدة سيؤدي إلى سحب الأموال من البورصة التركية قنصاً لأسعار الفائدة المرتفعة للبنوك، بما يسبب المزيد من الخسائر لمؤشر البورصة الرئيسي الذي يعاني خلال الفترة الماضية بسبب اضطراب سعر الصرف علاوة على التداعيات الاقتصادية السلبية محلياً ودولياً لفيروس كورونا. 

أداة سعر الفائدة إحدى الأدوات الرأسمالية التي تستخدم للحفاظ على توازنية النشاط الاقتصادي بصفة عامة وسعر الصرف على وجه الخصوص، ولكنها بمفردها ليست الأداة الناجعة التي ستحقق المطلوب، لا سيما في ظل العديد من السلبيات المترتبة على رفع أسعارها، لذلك لا بد من مجموعة من الأدوات الأخرى لإصلاح المشهد الاقتصادي وتقليل السلبيات المصاحبة إلى أدنى الحدود الممكنة. 

ومن بين المقترحات العامة في هذا الإطار خفض الضرائب على الودائع بالعملة الأجنبية، وتجنُّب طباعة النقود، وتبنِّي الدولة خطة شاملة للاعتماد على التمويل التشاركي كبديل لاقتصاد المداينات، مع رسائل طمأنه داخلياً للمواطن البسيط الذي يعاني التضخم من خلال حد أدنى مناسب للأجور، وخارجياً للمستثمرين الأجانب بشأن استمرار السياسة النقدية التقييدية خلال الفترة المقبلة. 

تفاقم أزمة سعر الليرة يرجع إلى حد كبير إلى عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية بسبب تداعيات فيروس كورونا وبعض الممارسات النقدية المتذبذبة، ورفع سعر الفائدة لا يعدو كونه خطوة مبدئية هامة في استعادة الثقة لليرة التي ستتجه نحو الاستقرار ثم معاودة الارتفاع بعد انقشاع أزمة كورونا، ولكن ذلك مرهون بجملة من الإجراءات الموازية التي ربما بدأت بالفعل من خلال التوجهات الاقتصادية الجديدة التي أعلنت عنها الرئاسة التركية مؤخراً. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.  

TRT عربي