تقف الجزائر اليوم أمام مرحلةٍ جديدةٍ من مراحل حَراكها المليونيّ، يعمل فيها النظام السياسي على التكيُّف مع الوضع القائم، ويحاول فيها الجيش أن يكون راعياً لعملية الانتقال نحو الديمقراطية التي يريدها النظام السياسي أكثر من تلك التي تُخالج آمال الجماهير.

كانت ليلة أمس ليلةً تاريخيةً في الجزائر، إذ شهدت "تقديم الرئيس بوتفليقة استقالته" بعد عشرين سنة من الحكم المستمر، جاء ذلك مباشرةً بعد تصريحٍ "عالي الحدّة" لقائد أركان الجيش يصف فيه مراكز الهيمنة في مؤسَّسة الرئاسة لأول مرّة بـ"العصابة"، بشكلٍ يبعث حقّاً على التساؤل التالي: أبهذه البساطة حُسم "صراع الأجنحة" بكلّ ما يتضمّنه من ملفّاتٍ ثقيلةٍ، وأوراقِ ضغطٍ، ومصالحَ متقاطعة ومتضاربة، وتقاطعات دولية شديدة مع حراك الجزائر؟

تقف الجزائر اليوم أمام مرحلةٍ جديدةٍ من مراحل حَراكها المليونيّ، يعمل فيها النظام السياسي على التكيُّف مع الوضع القائم بطرقٍ إبداعيةٍ جديدةٍ مُحيّداً ما أمكن من خِلافاتٍ بين أجنجته، كما يحاول فيها رأس الجيش أن يكون راعياً أساسياً لعملية الانتقال نحو الديمقراطية التي يريدها النظام السياسي أكثر من تلك التي تُخالج آمال الجماهير.

في الحقيقة، يرجع الاختلاف الحاصل بين المتابعين في تفسير "التدخُّل السياسي" لقائد أركان الجيش الجزائري، على غرار دعوته السابقة لتفعيل المادة 102 من الدستور، إلى اختلاف الآراء والتصوّرات بين هؤلاء المتابعين بخصوص طبيعة التفاعلات القائمة داخل النظام السياسي، والأطراف الفاعلة في هذا النظام، وحدود قوة كلّ طرف، وحدود عقلانية كلّ طرف، وطبيعة العلاقات القائمة بين رموز هذه الأطراف (مسألة النيات)، هل يُعتبر التنسيق والتعاون فيها أساساً أم إنّها قائمةٌ على صراعٍ وتنافُسٍ عميق، فضلاً عن الاختلاف الحاصل بين هؤلاء المتابعين بخصوص حدود الدور الذي يلعبه الشعب في هذه المرحلة، وكذا طبيعة الدور الذي يلعبه العامل الخارجي وتقاطعات أطراف العامل الخارجي مع أطراف "العلبة السوداء" للنظام السياسي الجزائري.

لذا، فإنّ الانطلاق من فرضياتٍ متباينةٍ بخصوص النقاط المذكورة الآن سوف يقود حتماً إلى تقديم تفسيراتٍ مختلفةٍ حدّ التناقض لأيّ سلوكٍ أو حدثٍ مستجَدٍّ يشهده هذا الحَرَاك وأطرافه الفاعلة على غرار ما نشهده هذه الأيام من "تدخُّل سياسيّ" صارخ لقائد أركان الجيش.

علاوة على ذلك، فإنّ حصر تفسير حدثٍ كهذا في الثنائية الكلاسيكية المُسمّاة بـ"العلاقات المدنية-العسكرية"، كالقول بأنّ الفاعل العسكري يسعى لاستغلال تطوُّرات هذا الحَرَاك ليفرض نفسه مجدَّداً على الفاعل المدني، هو في الحقيقة اختزال وتجاهلٌ لكلّ النقاط المهمّة سابقة الذكر. لن يُمكّننا من فهم ما يجري بالضبط داخل "العلبة السوداء"، فضلاً عن أنّه يُهمل كثيراً تاريخ "الصداقة والخصومة" بين رموز النظام السياسي الجزائري، على الأقَلّ منذ مجيء الرئيس بوتفليقة سنة 1999.

الأمر الحيوي الذي تُجمِع عليه كلّ الأطراف المُكوّنة بتوازناتها هذه للنظام السياسي القائم هو ضمان عدم خروج سلطة القرار خارج التركيبة الحالية إلى طرفٍ آخر.

جلال خشيب

تستند مسألة التدخُّل السياسي الحالي للجيش على وجود صراعٍ حادٍّ بين أجنحة النظام الأربعة، إلّا أنّه صراعٌ يحكمه مبدأ العقلانية (على الأقل إلى حدّ الآن)، ونقصد هنا: جناح الرئاسة (شقيق الرئيس)، وجناح هيئة أركان الجيش (الجنرال القايد)، وجناح المخابرات الجديدة (الجنرال طرطاق)، وجناح المخابرات القديمة (الجنرال توفيق).

لكلّ طرفٍ من هؤلاء أوراق قُوّة في الداخل والخارج، ونقاطُ ضعفٍ أيضاً، فجناح الرئاسة يمتلك صلاحياتٍ دستوريةً "إمبراطورية" كخيارات التعيين والعزل، كما يحظى بدعمٍ أمريكي-فرنسي كبير من الخارج، إلّا أنّ المُستخدم لهذه الصلاحيات (شقيق الرئيس) لا يمتلك لا الشرعية ولا المشروعية ولا يحظى بالثقة المطلقة من أحدٍ داخل النظام، بل حتّى داخل الجناح الذي يمثِّله هو.

أمّا قيادة أركان الجيش فتمتلكُ وسائل القهر المادي، وتتميّز بالتراتبية العالية التي تضمن الطاعة والولاء بين قياداتها "إلى حدّ الآن"، وعلى الرغم من إمكانية انفرادها بدعم روسيّ من الخارج فإنّها بحكم الدستور تبقى دوماً في قراراتها تحت سُلطة الرئاسة.

الأمر نفسه ينطبق هنا على جهاز "المخابرات الجديدة"، التي تخضع لقيادة أركان الجيش بحكم التراتبية العسكرية ومن ثمّ للرئاسة كون الأخيرة هي صاحبة الصلاحيات الدستورية على المؤسَّسة العسكرية بجميع أجهزتها، إلّا أنّ قوة "المخابرات الجديدة" تكمن في حجم الملفات التي تمتلكها على الجميع، بالإضافة إلى ما استطاعت تكوينه من شبكة علاقاتٍ وولاءاتٍ داخل مؤسّسات الدولة والمجتمع منذ سنة 2015.

وقد كنت دوماً أرجِّح فكرة استخدامها عامل الشعب (الذي ساهمت في إخراجه إلى الشارع وحافظت على سلميته بطرقها الخاصّة) كورقةِ ضغطٍ على منافسيها داخل النظام.

أمّا في ما يخصّ "المخابرات القديمة"، فهي لا تمتلك أيّ صلاحياتٍ دستوريةٍ، كما أنّها كانت منذ إبعاد قائدها الجنرال توفيق سنة 2015 خارج قرارات "العلبة السوداء"، وهي الآن تحاول العودة مجدّداً، ونقاط قوّتها تكمن في شبكة العلاقات والولاءات التي كوّنتها طيلة ربع قرنٍ كاملٍ، وحجم الملفات الثقيلة التي تمتلكها عن الجميع، وكذا إمكانية أن تصير طرفاً توافقياً داخل النظام ما بعد بوتفليقة في نظر القوى الخارجية الكبرى الأساسية: الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، وإلى حدٍّ ما الصين.

ما نُؤكّده هنا هو الطبيعة المتداخلة والمعقَّدة للنظام السياسي الجزائري، فكلّ طرفٍ داخله يريد أن يكون صاحب الوزن الأكبر في قرارات "العلبة السوداء" ما بعد بوتفليقة، كما يُدرِك كلّ طرفٍ أنّه غير قادرٍ في الوقت الحالي على القضاء النهائي على الآخر.

لذا فإنّ أقصى ما يُمكِن القيام به الآن هو الخروج من هذه اللعبة، وقد حافظ كلّ طرفٍ على بقائه ومصالحه، وألحق أكبر الأضرار بالأطراف الأخرى إن أمكن. إلّا أنّ الأمر الحيوي الذي تُجمِع عليه كلّ الأطراف المُكوّنة بتوازناتها هذه للنظام السياسي القائم هو ضمان عدم خروج سلطة القرار خارج التركيبة الحالية إلى طرفٍ آخر يُنهي وجودها جميعاً إذا فرض نفسه طرفاً فاعلاً في "العلبة السوداء" ما بعد بوتفليقة، ألا وهو الشعب، صاحب الشرعية الوحيدة في أيّ دولةٍ ديمقراطيةٍ أو تدّعي أنّها ديمقراطية.

كلّ ذلك جعل رموز وأجنحة النظام السياسي كالسابق تماماً تستطيع الجلوس إلى طاولةِ مفاوضاتٍ واحدةٍ رغم كلّ الخلافات العميقة بينها في محاولةٍ لإيجاد مخرجٍ يضمن مصالح الجميع ويُبقي الشعب دوماً طرفاً بعيداً عن صناعة القرار.

وهذا ما تمّ فعلاً يوم التاسع من مارس الماضي، حينما اجتمعت هذه الأطراف بقصر الرئاسة مستدعيةً رئيس المجلس الدستوري لتُحيّد خلافاتها وتتّفق على مخرجٍ يُرضي الجميع ويجعل الشعب المنتفض بالملايين في الشوارع يعتقد أنّه صاحب اليد العليا في التغيير الذي سيحصل قريباً.

وقد وُكِلَت المهمّة إلى الجيش وقيادته لكونه الطرف الذي يحظى بشرعيةٍ أكبر لدى الشارع مقارنةً ببقية أطراف النظام، فلطالما نظر الشعب خلال الأعوام الأخيرة خصوصاً إلى الجيش بعين الرضا والفخر لما يُقدّمه من تضحيات في حماية الجزائر من التهديدات والأخطار المحيطة بها.

وحتّى يضمن الجميع نجاحاً لهذا المخرج، قدّم النظام السياسي بعضاً من التنازلات والتضحيات الجانبية ليُقنِع الشعب بأنّ مسيراته المليونية هي السبب الأساسي في هذا "التغيير الإيجابي القادم"، على سبيل المثال تغيّرت خطابات قيادة الجيش فجأة من وصف الشباب الخارج في المظاهرات بـ"المغرَّر بهم"، إلى خطاباتٍ إيجابية تصف الشعب بأنّه مفخرةٌ يضرب نموذجاً إيجابيّاً في التغيير السلمي.

نضال الشعب الجزائري ونُخَبه لأجل جزائر ديمقراطيةٍ ذاتِ إرادةٍ سياسيةٍ حرّةٍ نابعةٍ من إرادة الشعب قد بدأ لتوه الآن.

جلال خشيب

ثمّ بدأ بعض القنوات المحسوبة على أحد أطراف النظام يبثّ أخباراً عن إصدار الجيش أوامر بمنع سفر بعض الشخصيات المعروفة بفسادها المالي (والمحسوبة على الرئاسة)، ثمّ جاءت "مسرحية" اختطاف مدير قناة الشروق المحسوب على أحد أجنحة النظام أيضاً والذي ادّعى أنّه اختُطف من طرف "المخابرات الجديدة"، وأنّ قائد أركان الجيش هو من تَدخَّل لإنقاذه.

جاء ذلك بعد أيّامٍ قليلةٍ من محاولة تصوير هذه القناة بأنّها تتعرّض لضغوطات من طرف السلطة بسبب وقوفها إلى جانب الحَرَاك، كلّ ذلك كان في اعتقادي محاولةً من النظام لتضخيم شرعية قيادة أركان الجيش في أعين الجماهير الغاضبة، حتّى ترضى هذه الجماهير بدعوة الجيش لتفعيل المادة 102 من الدستور التي قد تضمن خروجاً أقلّ ضرراً لجميع الأطراف.

ما قد يؤكّد هذا التحليل هو الأخبار المتضاربة ليلة أول أمس بخصوص مسألة إقالة الرئاسة للقايد صالح وتعيين جنرال آخر مكانه، إشاعات مفادها اجتماع الجنرال توفيق، والجنرال طرطاق، والرئيس الأسبق اليمين زروال، برفقة شخصياتٍ من المخابرات الفرنسية، ثمّ أخيراً أخبار عن إمكانية حدوث انقلاب عسكري يقوده القايد ضدّ جماعة الرئاسة.

وهي إشاعات اجتهدت الصحف الأساسية في نقلها وفي إظهار أنّ "مؤامرة" ضدّ الجيش يقودها رموز الأجنحة الأخرى بالتعاون مع فرنسا. لم يكُن ذلك في اعتقادي إلّا محاولة من النظام لتزكية الجيش وقائده والحل السياسي الذي سيقترحه أو يقوده، فكثيرٌ من الأحداث المذكورة تبدو غير منطقيّة على الإطلاق لكلّ من يعرف جيّداً طريقة عمل النظام السياسي الجزائري منذ منتصف ثمانينيات القرن المنصرم.

مع ذلك فإن الخيار "المتّفَق عليه" بين أجنحة النظام، فيه كثيرٌ من العقلانية التي قد تُجنِّب البلاد الأسوأ مستقبلاً، فالشعب وإن كان هو مصدر كلّ شرعية سياسية، فإنّه غير قادر إلى الآن على تحويل إنجازاته الميدانية الحضارية إلى خياراتٍ سياسيةٍ يُفاوض بها النظام.

كما أنّ الجماهير تريد دوماً حلولاً عاطفيةٍ، لا عقلانيةً وسريعةً لمشكلاتٍ بنيويةٍ متأصّلةٍ تحتاج إلى سنواتٍ من العمل لأجل تجاوزها، من قبيل قدرته على الاتفاق وتحييد الآيديولوجيا والحزبية، وإخراج مُمثّلين توافقيين عنه يُفاوضون النظام الذي يُدرك جيّداً حدود قدرة الشعب على تولي زمام التغيير، فهو الذي عمل لسنوات طويلة على إضعاف هذا الشعب، بنخبه، وأحزابه ومؤسّساته المدنية، عبر خلقها أو احتوائها أو تهميشها أو تجهيلها.

يمكن القول في النهاية إنّ نضال الشعب الجزائري ونُخَبه لأجل جزائر ديمقراطيةٍ ذاتِ إرادةٍ سياسيةٍ حرّةٍ نابعةٍ من إرادة الشعب قد بدأ لتوه الآن، لن تكون فيه الميادين المليونية المُطالبة بإسقاط النظام أو الحاملة لشعارات تتحدّى فيها المؤسَّسة العسكرية حلّاً عقلانيّاً على الإطلاق، بقدر ما يكون فيه إنصات الشعب إلى نخبه وحُكمائه خطوةً أوليَّة نحو التغيير المنشود.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي