الصراع في هذه المنطقة الحيوية الواقعة في وسط قارات العالم القديم (أوروبا وآسيا وإفريقيا)، صراع جوهره سياسي واقتصادي وعسكري، وغايته وضع اليد على مقدرات اقتصادية وبشرية، تمتاز بها المنطقة، لتنفيذ أجندة السيطرة والتحكم، خدمة لأهداف استراتيجية لكل مشروع.

حين نتحدث عن الشرق الأوسط، فنحن نقصد بهذه المنطقة بلاد الشام ومصر التاريخية، ومنطقة الخليج العربي، إضافةً إلى تركيا وإيران. ومقالنا يتعرّض لمشاريع في هذه المنطقة الحيوية تتصارع في ما بينها وفق أساليب مختلفة وأدوات متعددة.

الصراع في هذه المنطقة الحيوية الواقعة في وسط قارات العالم القديم (أوروبا وآسيا وإفريقيا)، هو صراع جوهره سياسي واقتصادي وعسكري، وغايته وضع اليد على مقدرات اقتصادية وبشرية، تمتاز بها المنطقة، لتنفيذ أجندة السيطرة والتحكم، خدمة لأهداف استراتيجية لكل مشروع على حدة.

اقرأ أيضا:
من "الأرض مقابل السلام" إلى "السلام مقابل السلام" .. هل ضاعت فلسطين؟

الصراع يشتد بين مشاريع اقتصادية سياسية رئيسية ثلاثة: الأول هو المشروع الإيراني (دولة قومية مذهبية إيرانية) مهيمنة على محيطها العربي، والثاني هو المشروع الإسرائيلي الذي تلخّصه أطروحة شمعون بيريس (عقل يهودي قائد، وأموال واقتصاد وشعوب عربية عاملة)، ومشروع ثالث حديث النشأة (نهضة اقتصادية وسياسية تركية حديثة تقود العالم الإسلامي).

المشاريع الثلاثة لها تقاطعات وتناقضات مع قوى دولية، ولها حسابات استراتيجية، بالنسبة إلى المنطقة وتطورها، وهذا ما يفسّر التدخل الأوروبي والأمريكي والروسي والصيني في صراعاتها. هذه الصراعات تُراكِمُ نتائجَ ماديةً، تمنح بعض المعالم للشرق الأوسط، الذي يتشكل على قاعدة هذه الصراعات.

الإيرانيون الذين خرجوا من حدود دولتهم بعد وصول الخمينية السياسية إلى السلطة، مبشرين بسلطة "الولي الفقيه"، يريدون بناء دولة قومية كبرى، تعتمد في بسط الهيمنة في المنطقة العربية في الشرق الأوسط على سلاح إثارة الاضطرابات المذهبية، بغية نشر المذهب الشيعي بين شعوب المنطقة، والغاية بسط سلطة "الولي الفقيه" باعتبارها وكالة عن الله في الحكم.

الإيرانيون استخدموا قوة ناعمة هي الفكر والثقافة والدين المذهبي، واستخدموا إلى جانبها قوة خشنة، تتمثل باستخدام القوة والتهجير والتغيير الديموغرافي. هذا الاستخدام لنشر ما يسمونه "تصدير الثورة" اصطدم مادياً مع عمق الوعي الديني لشعوب المنطقة، التي لا تقبل بمذهب "الجعفرية الاثنا عشرية"، هذا الاصطدام لم يتوقف هنا، بل خلق حالة رفض شعبي واسع للتشيع المذهبي، ولمحاولة بسط سلطة الولي الفقيه، وخلق حالة مقاومة عسكرية وسياسية وفكرية لها.

المشروع الإيراني لم يحاول أن يبني جسوراً اقتصادية وسياسية ذات منفعة متبادلة مع شعوب البلدان العربية، بل طرح نفسه كمشروع هيمنة وسيطرة من خلال فرض التشيع، أي الولاء المطلق لسلطة "الوليّ الفقيه". هذا المشروع يستند إلى اعتقادٍ ورغبة عميقَين لدى السلطة الدينية الحاكمة في طهران، بضرورة بناء الدولة الإيرانية الكبرى وفق ثنائية القومية/المذهبية. معتقداً أنه يستطيع عبر بناء برنامجه النووي فرض ما يريده من سياسات، لهذا وجد المشروع نفسه في تناقض عميق مع شعوب المنطقة، مما جعله مشروعاً مهدداً للاستقرار والأمن، وبالتالي مشروعاً غير قابل للحياة.

اقرأ أيضا:

خيارات الفلسطينيين في ظل الخذلان العربي

إن حجم التدخل الإيراني بشؤون بلدان المنطقة، استدعى تدخلات إقليمية ودولية، غايتها منع امتداد هذا المشروع، وسببت له عرقلة واضحة، وصلت إلى طريق طرده من الإقليم برمته.

التهديدات الإيرانية لدول الخليج، أو لدول عربية أخرى في الشرق الأوسط، مع غياب مشروع تنمية اقتصادية وسياسية عربية، دفع بهذه الأنظمة إلى البحث عن حامٍ لأنظمتها السياسية، دون أن تفكر، طوال عقود من محاولة بناء تنمية شاملة في بلدانها وبلدان المنطقة العربية، مما أفقدها القدرة على الدفاع عن بلدانها وشعوبها، وأفقدها القدرة على تطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية بصورة مستقلة.

غياب مشروع التنمية العربية سمح للمشاريع الخارجية بالتمدد في هذه المناطق، وهذا طبيعي وفق نظرية ملء الفراغ.

ملء الفراغ الذي تنتظره إسرائيل، جاء إليها بنفسه، فهذه الدول الفاشلة في بناء التنمية الشاملة، هي دول تحكمها طبقات اجتماعية عاجزة عن هذا الدور التاريخي، وباعتبارها أنظمة مغلقة على ذاتها، فلا يهمها غير الاحتفاظ بمصالحها، على حساب تطور شعوبها، لا بل هي تخاف من شعوبها، لذلك تلجأ إلى سياسة البطش وسيادة ذهنية التخلف الديني والسياسي.

هذه المنظومة غير المتجانسة سياسياً، هي من وجد الآن في إسرائيل دولة حامية لوجودها، لذلك ضربت بمصالح شعوبها الاستراتيجية في التنمية الشاملة عرض الحائط، مقابل الاحتفاظ بحكمها ولو بأقل قدر ممكن منه، وهذا يجعلها جزراً ضعيفة سياسياً، أمام مشروع إسرائيل، الذي قال عنه شمعون بيريس ذات يوم: "لقد جرّب العرب قيادة مصر للمنطقة مدة نصف قرن، فليجرّبوا قيادة إسرائيل إذاً".

لكن هذه الطبقات الحاكمة العربية، ليست فاشلة تنموياً فحسب، بل هي لا تقرأ التطور التاريخي للشعوب في هذه المنطقة، وتقف على النقيض منه، إذ لم تدرك أنظمتها السياسية أن تطبيعها السياسي والاقتصادي مع إسرائيل، لن يمنح الأخيرة القدرة على التعايش مع الشعوب المحكومة من هذه الأنظمة.

فإسرائيل، وهذه حقيقة واقعية، هي جسم غريب مزروع بالقوة في منطقة لا تنتمي إليها، وتم زرعها بالقوة والرعب، ولهذا فوجودها في أذهان شعوب المنطقة وجود مهدّد لهذه الشعوب.

إسرائيل ووفق بنيتها، هي كيان يخدم في جانب منه وظيفة التعاون مع القوى الدولية الطامعة بثروات المنطقة واستعباد شعوبها، ولهذا لا يمكن أن تستطيع تعميم رؤيتها على أنها قوة العقل والعلم، وأن شعوب المنطقة مجرد أذرع عاملة وثروات داشرة.

لهذا يبقى المشروع الإسرائيلي في الهيمنة على دول المنطقة بعد إثارة الصراعات الداخلية فيها مشروعاً يقع في دائرة نجاح ضعيفة، فالأنظمة المطبّعة لم تدرك بعدُ حجم التغيرات في البنى السياسية الجارية في المنطقة، ولم تدرك أن المشروع الإسرائيلي سيبتلعها ويبتلع دولها على مراحل، وأن من هذه التغيرات، التنمية التركية، التي تأخذ شكلاً أكثر عمقاً واتساعاً، على مستوى بناء الدولة التركية الحديثة.

مشروع التنمية التركي، يعتمد أساساً على الاستفادة القصوى من عاملين رئيسيين، هما الثروات المتاحة طبيعياً وبشرياً من جهة، وخلق التوازن بين اتجاه التطور العام ومعوقاته الداخلية والدولية من جهة أخرى. هذا المشروع لا يخفي أهدافه المعلنة، رغم محاولات واسعة تعمل على تشويهه، فهو مشروع في موقع قاطرة تنمية شاملة، بدأت في الدولة التركية، لتنتقل إلى العالم الإسلامي برمته.

مشروع التنمية التركي لن يستطيع منفرداً مواجهة تحديات معادية له، في أوساط محيطه الحيوي الطبيعي، ونقصد بمحيطه الحيوي الساحة الشرق أوسطية العربية.

لهذا فالأفضلية ضمن شروط حركة الواقع هي للمشروع التركي التنموي، بعد فهم تموضع المشروعين الآخرين في المنطقة، ومعرفة حواملهما الحقيقية، وإمكانية محاصرتهما بالمعنى السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فالطبقات الاجتماعية العربية الحاكمة، لم تنحز إلى مصالح شعوبها، ولهذا رأت في مشروع التنمية التركي فضحاً لبنيتها الحقيقية، وتهديداً غير مباشر لها كطبقات طفيلية، تعيش على نهب واستغلال ثروات الشعوب دون حسيب أو رقيب.

لهذا انحاز بعض الأنظمة العربية إلى الضفة البعيدة عن مصالح شعوبها، عبر التحالف مع مشروع الهيمنة الإسرائيلي وتصويره كأنه عملية سلام، وليس عملية استسلام سياسية لعدو الأمة، وتمثل هذا التحالف بخطوات دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين وربما السودان في تطبيع علاقاتها بإسرائيل.

ولكن هل ستصطدم هذه المشاريع على الساحة الإقليمية في الشرق الأوسط؟ وما شكل هذا الاصطدام؟ هل هو في التركيز على إيجاد قواعد فاعلة تتبنى المشروع الأقرب إليها، إلى حين ولادة مشروعها من خلال توسع حركة المشروع الأقرب.

لقد بدأ الصراع يتخذ صورة أوضح في مساراته المتعددة، ويبقى أن يوسع المشروع التنموي التركي قاعدة ارتكازه الشعبية عربياً، خارج نطاق الآيديولوجيا، فهو بذلك يعكس صورته الحقيقية، بأنه مشروع تنمية اقتصادية سياسية اجتماعية شاملة، وليس مشروعاً مرتهناً لأسر الآيديولوجيا، كما يحاول أعداؤه الفاشلون تنموياً إلصاق هذه المقولة به.

بقي أن نقول إن المشروع الرابح استراتيجياً، هو الذي يتبنى بناء تنمية حياة الشعوب، ومنع قهرها واستغلالها، في زمن عولمة وحشية، ثبت أنها صالحة للدمار ولإغراق البشرية بالصراعات المريرة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي