نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية ووقوعها على خطوط الصدع الإقليمية، فإن مظاهرات العراق سيكون لها تداعيات هامة على معادلة النفوذ في المنطقة، خصوصاً بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

شكّلت المظاهرات الشعبية الواسعة في العراق تحدياً مفاجئاً للسياسيات الخارجية الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط، خصوصاً أنها تزامنت مع ما يُسَمَّى الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي، على الرغم من أن الثورات في السودان والجزائر التي حصلت في الفترة السابقة والتي ساهمت بشكل كبير في إعادة روح الحراك الثوري في نفوس الشعوب العربية المظلومة، لكن يحتل العراق ولبنان الأهمية الكبرى في الصراع الجيوسياسي في المنطقة من خطوط الصدع الإقليمية.

يشير عديد من التحليلات إلى المقاربات الموضوعية في تشابه وتزامن الاحتجاجات في العراق ولبنان من حيث أسبابها الداخلية المتمثلة في المطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، وتأثيراتها على اللاعب الإقليمي الأهم -إيران- في هذين البلدين من جهة أخرى.

إلا أن اختلافاً في الأهمية الاستراتيجية في أولويات النفوذ الإيراني في العراق لما يمثّله من تحدٍّ مباشر للاقتصاد والأمن القومي الإيراني، في حال نجحت التظاهرات في خلق معادلة سياسية جديدة يكون الطرف السياسي الموالي لإيران الأضعف فيها. في المقابل تمثّل التظاهرات في لبنان تحدِّياً اقتصاديّاً يمكن السيطرة عليه في عملية إصلاحات وتنازلات سياسية لتخفيف التوتر الحاصل.

انطلاق التظاهرات الشعبية الواسعة في العاصمة بغداد وعدة محافظات في جنوبيّ العراق ذي الغالبية الشيعية، لافت من حيث مكوّنها الشيعي من ناحية، وغياب جهة سياسية تتبنى مطالب المظاهرات من ناحية أخرى.

هذا بالإضافة إلى أنه لم تكُن جهات خارجية تدعم هذه التظاهرات في بدايتها. وقد شكلت هذه المعطيات مؤشرات غير واضحة عن النتائج التي سوف تتطور بها الأمور لاحقاً.

توقيت هذه التظاهرات يأتي في وقت حرج للعراق، الذي يُعتبر أحد أهمّ مناطق التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والنفوذ الإقليمي لإيران.

الجهات الحكومية الأمنية والسياسية منها لا تزال تصرّ على أن التظاهرات دفعت بها السفارة الأمريكية في بغداد. إن مسارعة الأطراف الموالية لإيران إلى ربط ما يحصل في الشارع العراقي، المكون الشيعي منه تحديداً، بالنزاع بين واشنطن وطهران، هو محاولة إلى إشاحة النظر عن الواقع المأساوي الذي يشهده العراق. وهو يشير إلى أمرين: التخبط الواضح بين الأحزاب الحاكمة أمام الطوفان الشعبي الغاضب، وحساسية الموقف الإيراني تجاه التغيير الكبير في نظرة المجتمع الشيعي العراقي نحو دور إيران في العراق.

موقف الفاعل الإيراني أظهرته تصريحات المرشد آية الله خامنئي في خطابه، وتشير إلى ارتفاع منسوب القلق لدى طهران مما تشهده الساحة العراقية، وتوجيه الاتهام إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وأجهزة مخابرات بالوقوف وراء حالات الاحتجاج الشعبي في البلدين مستشهداً بخبرة النظام الإيراني في التعامل مع تظاهرات عام 2017.

وهو بذلك يشير بوضوح إلى التلويح بالتصدي الأمني لضبط الأحداث والسيطرة على توسع التظاهرات ومطالبها، لأن تطوُّر الأمور يُعتبر مقدمة لأزمة تهدِّد الرئة الاقتصادية لإيران التي تعاني في الأصل من انهيار حادّ.

من جانب آخر يمكن لإيران أن تستفيد من أي حالة اضطرابات تنشأ وتحولها لصالحها إذا عجز حلفاؤها عن إدارة الأزمة مع الشارع المنتفض، بخاصة وهي تمتلك الكثير من الأدوات، أهمُّها سناريو تحريك قوات الحشد الموالية لها لكي تحمي النظام، إذ بات يترسخ دوره كأنه النموذج العراقي من الحرس الثوري الإيراني.

يحاول الفاعل الأمريكي عدم التدخل المباشر في تأييد المظاهرات، وذلك لتجنب الاتهامات وتحميلها المسؤولية، كما أنه يحاول في نفس الوقت الاستفادة من الزخم الجماهيري الذي يسعى إلى تغيير الطبقة السياسية بالكامل.

يُذكر أنه قُبيل انطلاق التظاهرات كان رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض في واشنطن يناقش مع الإدارة الأمريكية ملفات عدة. ومن المؤكد أن أحد موضوعات النقاش كان تحييد العراق -على الأقل- من الصراع الأمريكي-الإيراني بعد وجود أدلّة تثبت مشاركة الحرس الثوري الإيراني ومليشيات عراقية في الهجوم على شركة أرامكو السعودية، وانطلاق الهجمات من الحدود العراقية-الإيرانية. بعدها أصدر "معهد واشنطن" تقريراً يكشف انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها مليشيات عراقية ضدّ المتظاهرين واتهمت بها العديد من قادة الحشد الشعبي ومسؤولين في الحكومة من ضمنهم فالح الفياض.

ترى الولايات المتحدة أنها خسرت الكثير من نفوذها السياسي والعسكري في العراق لصالح إيران، لذا فإن أي فوضى تزعزع نفوذ إيران في العراق سوف تصبّ في مصلحة تزايد النفوذ الأمريكي في المنطقة.

كما تنظر دول الخليج العربي إلى أن العراق لا يزال يشكل تهديداً أمنيّاً حقيقيّاً لها في ظل وجود مليشيات الحشد الشعبي الموالي لإيران، لذلك فأي حراك قد يضعف النفوذ الإيراني في العراق قد يصبّ في صالحها.

ختاماً، تحاول واشنطن تغییر موازين النفوذ في العراق ضد إیران في سیاق استراتيجية"الفوضى الخلاقة"من خلال الاستثمار في ھذه المظاهرات لصالحها، في المقابل فإن طهران ستعمل على استغلال أداوتها في العراق لتوجیه نتائج ھذه الفوضى لصالحها وترسيخ نفوذها القوي.

لا شك ان إيران سوف تعيد النظر في الاستراتيجية السياسة في العراق، وتعيد تقييم واختيار الحلفاء بصورة لا تؤثّر في الاستراتيجية الأمنية والاقتصادية لها، وقد تُقدِم إيران على التضحية بأحد الحلفاء وتحميله مسؤولية الإخفاقات في خطوة لتخفيف حدة الأزمة.

وفي حالة سیناریو إزاحة حكومة عادل عبد المهدي، من الصعب القول إن إیران، التي لھا نفوذ قوي وعسكري وسياسي واجتماعي في العراق، ستقبل بھذا التغییر. إذا ما أسفرت المظاهرات عن نتائج ضد رغباتها، فستواصل إیران جھودھا للحفاظ على فاعلیتھا في العراق وزیادة ذلك إن أمكن، وذلك بالنظر إلى نفوذ إیران العمیق على الملیشیات المسلحة ومؤسسات الدولة وعلاقتها العميقة بالجھات السیاسیة الشیعیة الفاعلة.

یمكن توقع رحيل حكومة عبد المهدي، ولكن يصعب التكهن بتأثير ذلك على معادلة النفوذ الإيراني والأمريكي بصورة مباشرة، إذ إن مكسب أو خسارة أي من ھذین الطرفين في العراق یؤثر على التوازنات في جمیع أنحاء المنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي