لم ترحل إسراء غريب بسبب خطأ ارتكبته، بل بسبب جهل يسكن المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه. رحلت إسراء، ولكن هل تستطيع العدالة الاقتصاص من قاتليها؟

عبثاً ندّعي إمكان العبور نحو الحداثة، ونعلن الانتماء إلى سجل العقلانية، فيما نحن أكثر انشداداً إلى قيم تقليدية، نعمل على مداراتها وتوريتها، لتنكشف عند أول اختبار، ونؤكّد بالملموس أننا بعيدون عن ممكنات التحرر من رواسب التقليد والذكورية والعشائرية المقيتة. بل إننا نحاول، في كل حين، أن نحوّر التسميات ونبرّر الخطايا ونشرعن الجرائم التي نقترفها، ولا أدلّ على ذلك مما يحدث في خانة بائسة تواضعنا على تسميتها بـ"جرائم الشرف".

والحال أنه لا ينقضي شهر من الزمن العربي الهادر، إلا ونكتشف "قتلاً" متواصلاً للنساء، من طرف الأقرباء، دفاعاً عن الشرف و"غسلاً" للعار، فمتى كان القتل سبيلا لتحصين الشرف؟ ومتى كانت ثقافة الدم والدمع مبرّرة للعنف ومحدّدة له؟ فهل بالمقدور اجتثاث هذه المآسي المتوصلة طولاً وعرضاً في العالم العربي؟ وهل بالإمكان تغيير وضعية الجسد الأنثوي من مقام الوصم والعار والمراقبة والتبخيس إلى مستويات الاعتراف والاحترام والتوقير؟

الهلولوكوست الثقافي

الفلسطينية إسراء غريب التي راحت مؤخراً ضحية "الجهل المقدس"، لن تكون الأخيرة في هذا "الهولوكوست الثقافي" العامّ، ما دامت أبنية التقليد الفجة مستوطنة في أعماق البنى المؤطرة للمخيال الشعبي.

لقد أدّت إسراء ثمن الانتماء إلى بنية متخلفة تعتقد أن المرأة عار وأن تعنيفها هو ما يغسل العار، ويحصّن شرف القبيلة. وبما أن للناس نصيباً من أسمائهم، فإنها أسرت في ليل عربي عنوانه الغربة والاغتراب، بحثاً عن انتماء فضيل لمجتمع يصون كرامتها خارج لعبة الدم. إسراء أسرت واغتربت وتركتنا نقاسي لوعة الغياب، وللأسف الشديد، فلن يكون الإسراء الأخير ولا الاغتراب النهائي.

تبرّر الصور النمطية السلبية التي ترتسم عن المرأة في المخيال الاجتماعي، بل وتفسر، احتمالات التبخيس والإقصاء والعنف، فالمرأة متأرجحة، من حيث التمثُّل والتعاطي، بين البركة واللعنة، بين الطاهر pure والنجس impure بسبب عدم طهارتها أو غوايتها الممكنة.

لهذا لم يكُن غريباً أن تعمل الأمثال الشعبية على إعادة إنتاج هذا التمثل الإغوائي/الشيطاني، فهي التي"تجتمع فيها كل الصفات الذميمة، من غدر و تحايل و كيد وإغراء"، إذ يقول عنها المثل: "التالية فالنسا، تعريك من الكسا"، و"إيلا حلفو فيك الرجال بات ناعس، و إيلا حلفو فيك النسا بات فايق"، و"اللي يديرو الشيطان فعام، تديروا لمرا فليلة".

الجسد الأنثوي مصدر الدنس

إن الجسد الأنثوي هو مصدر الدنس الذي يحيق بالمرأة، إنه الجسد الذي يغوي الرجل، ويحيض، ويصير مرفوضاً ومحرماً بسبب انشغاله بالحمل والولادة والحيض والنفاس. فدم الحيض، كما تشير ماري دوغلاس، يحيل إلى الموت والحياة في آن، كما أنه يثير الدنس والخوف، فهو يعبر من جهة عن الخصوبة/الولادة، ذلك أنه كلما استمر دم الحيض لدى الأنثى، كان ذلك دليلاً على الحياة التي تهبها، ودليلا أقوى على "صلاحيتها" الاجتماعية، بعكس توقُّفه الذي يعني موت الخصوبة وتراجع الخيرات الرمزية، وبذلك يغدو ترقُّب دم الحيض مشوباً بالخوف والاطمئنان، الخوف من الموت الرمزي للأنثى الخصيبة، والاطمئنان على استدامة الطلب الاجتماعي على الجسد الأنثوي.

تؤسس هذه الوضعية المراتبية الملتبسة للمرأة في المجتمع العربي، لثقافة دالّة ومؤثرة يمكن وسهما بالحجب الذي يسري على الجسد الأنثوي، إذ يُمنع من التداول في الفضاء العامّ، ويحاصَر بكثير من الموانع والمحاذير التقليدية، بدءاً من اللباس إلى الحركة والفعل.

وبالطبع فالثقافة الشعبية توفّر مَتناً غنيّاً لتبرير أي فعل مساهم في توطين ثقافة الحجب. وإن ارتفع هذا الفعل إلى عنف القتل، فذات الثقافة توفّر مبرّر جريمة الشرف التي ترفع شأن القاتل وتحطّ شأن الضحية.

لا بد من تأكيد أن المرأة في المجتمع العربي، تنفرض عليها رقابة اجتماعية عالية الدرجة والنوع، فكل حركاتها وسكناتها مراقَبة من طرف الجميع، إذ عليها التصرُّف وفق ما ارتضاه العقل الجمعي، وما انغرس عميقاً فيه، وبذلك فالحق في الخطأ غير وارد، بخلاف الرجل الذي يُحتفى بأخطائه وخطاياه، فإذا تأخَّرَت في الدخول إلى البيت، توصم بـ"عزري الدوار"، أو تُتّهم بأنها "خرجت الطريق"، ولو كان تأخُّرها هذا مبرَّراً بعمل شريف. المهم أن المرأة/الجسد المستباح، لا حق لها في التصرف، إلا في حدود مرسومة من طرف عقل ذكوري، يرى فيها النقص واللا نضج.

المخيال الشعبي المشوَّه

لا بد أن نشير في الختام إلى واقعة مجالية كانت معمولاً بها في المدن العتيقة، هي أن الصابة l’impasse أي الزقاق "البلا مخرج"، تقطن فيه المرأة المطلقة أو الأرملة، حتى تصير محمية و مراقبة أكثر، كما أن بغلة القبور في التمثل الشعبي ما هي إلا امرأة أخطأت خلال عدّتها الشرعية، فانمسخت، وكلها آليات رمزية لترسيخ ثقافة الحجب والمنع، والإعلاء بالتالي من منطق الرقابة الاجتماعية المفروضة على المرأة، فهي تختزل كل معاني العرض والشرف.

لا تُفهم ديناميات جرائم الشرف التي يُحتفَى بها في المجتمع العربي، إلا في إطار تمثُّلات الجسد الأنثوي، وصيغ التعاطي معه وتدبيره ضمن هذه الكيمياء الاجتماعية، وذلك من حيث كونه "متناً بيوثقافيّاً" حاملاً لأطراس ووشوم المجتمع، وأساساً في ظلّ شرط عامّ مسيَّج بالحجب والتابوهات.

وعليه فالعلاقة المتوترة بين مجتمع ما وأجساده تُعَدّ مدخلاً أثيراً لفهم هذا المجتمع وتفهم القيم والمعتقدات والاستراتيجيات التي تتفاعل فيه، فالمجتمع، أيّ مجتمع، يعيد إنتاج معطياته من خلال المجال والجسد والتقابلات أو الأزواج، وفي ظلّ هذه التقابلات يمكن الحديث عن الذكورة والأنوثة.

ليتحوّل الجسد الأنثوي وفقاً لهذا الزوج التقابلي إلى أهمّ رهان اجتماعي وسياسي وديني واقتصادي. وبالضبط في مجتمعات عربية يلعب الجسد فيها دوراً مهمّاً في استراتيجيات الشرف والعرض والبركة.

إن التنشئة الاجتماعية الذكورية هي المسؤولة إلى حد كبير عن انتشار "الهوس بالشرف"، فالطفل الذكر يُلَقَّن منذ البداية أنه المسؤول عن أخواته، وأن له الحق في تعنيفهن إن رأى "خروجهن" عن المعايير والأعراف، بل إن "رجولته" لا تُختبر ولا يُعترَف بها إلا بمقدار تعنيفه للإناث، من هنا يُبَرَّر حتى القتل، الذي يصير دفاعاً عن شرف العائلة وحماية له من السقوط الفظيع.

أرقام صادمة والمُخفَى أعظَم

إلى ذلك يبقى الرقم الحقيقي المعبّر عن إحصائيات جرائم الشرف في الوطن العربي عصيّاً على الضبط، فبعض التقارير يحصره في نحو 5000 حالة سنويّاً، فيما تُصِرّ أخرى على أن الرقم يناهز 20 ألف حالة سنويّاً، ولربما أكثر، على اعتبار أن ذات الجرائم الموزعة بين العنف والقتل والإيذاء المعنوي والمادي، تحاط بهالة من السرية والتكتم، وأن القليل منها هو ما يرشح إلى المعلن.

فإسراء غريب، للأسف، لن تكون الأخيرة في وطن يستأسد فيه الذكور على الإناث ولا ينبسون ببنت شفة حيال القمع والاستبداد الذي يستهدفهم من قبل مالكي وسائل الإكراه.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي