تقترب الجزائر من استحقاقها الانتخابي الأول لمنصب الرئاسة بعد الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وسط انقسام كبير بين الشارع والجيش.

يُعتبر تاريخ 12 ديسمبر/كانون الأول 2019 ثالث محاولة لإجراء انتخابات رئاسية في الجزائر خلال هذه السنة بعد رفض العهدة الخامسة في أبريل، ثم انصرام مهلة التّسعين يوماً التي حدّدها الدستور كفترة انتقالية لانتخاب رئيس جديد. وقد كانت الأشهر العشرة الماضية حُبلى بالمظاهرات المليونية والاحتجاجات الشعبية التي تطالب بإسقاط "حكم العصابات" كما يُسميها الشارع. وبرز خلال هذه المرحلة شعار "الشعب يريد الاستقلال" كأقوى تعبير عن الرغبة في الخروج من وصاية العسكر إلى دولة مدنية، يختار فيها المواطنون شكل نظامهم السياسي ويُقررون فيها مصيرهم.

وإذا اعتمدنا مرجعيات العلوم السياسية في تعريف الانتخابات من حيث كونها تعبيراً حُرّاً عن الإرادة الشعبية، يتم من خلالها اختيار الممثل الأسمى للأمة، فإن هذه الرئاسيات تُعتبر ملغية وغير ذات معنى؛ فالمسيرات الشعبية الحاشدة التي تَعيش على وقعها مختلف المُدن الجزائرية، منذ اثنين وأربعين أسبوعاً، هي بمثابة استفتاء شعبي يرفض إجراء الانتخابات تحت إشراف رموز النظام القديم، وفي غياب الشروط السياسية والضّمانات الأساسية.

كما أن حرية التعبير والممارسة السياسية، التي تُعتبر شرطاً لازماً لضمان انتخابات نزيهة وشفّافة، غير متوفرة في ظلّ اعتقال قيادات الحراك وعلى رأسهم الأمين العام السابق لجبهة القوى الاشتراكية السيد كريم تابو، وسَجن بعض رموز المُعارضة ومنهم زعيمة الحزب العُمّالي السيدة لويزة حنون، وفرض الإقامة الجبرية على البعض الآخر وفي مقدمتهم الشيخ علي بلحاج.

إن حرية التعبير والممارسة السياسية التي تُعتبر شرطاً لازماً لضمان انتخابات نزيهة وشفّافة غير متوفرة في ظلّ اعتقال قيادات الحراك وعلى رأسهم الأمين العام السابق لجبهة القوى الاشتراكية السيد كريم تابو.

أحمد نوردين

أمّا الصّحافة فقد تمّ إخضاعها لإملاءات العسكر، وتشهد بذلك الاعتقالات في صفوف الصحافيين وغياب أيّ تغطية للحِراك الشعبي في قنوات التلفزيون الرسميّة، وإغلاق قناة "المغاربية" المُعارِضة التي كانت تُؤَمِّن تغطية شاملةً ومتواصلة للحراك. وأخيراً فإنّ السّلطة القضائية، التي يمكن الرجوع إليها بوصفها مُشرفاً على عملية الاقتراع وحَكماً عند الطّعن في الخُروقات، قد تمّ تدْجينها هي الأخرى بإجراءات التّنقيل العِقابي الذي طال أكثر من 3000 قاضٍ بسبب سلسلة من الاحتجاجات المُطالِبة باستقلال القضاء، وآخرها الإضراب الوطني الذي شلّ المحاكم نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2019.

في ظروف كهذه لا يُمكن الحديث عن استحقاقات نَزيهة ومُعبّرة عن الإرادة الحرّة للشعب؛ فالرّهان الوحيد في هذه الانتخابات هو تعيين واجهة مدنية لنظام عسكري، والعودة إلى الشرعية الشّكلية بأيّ ثمن؛ وذلك بهدف الحصول على الاعتراف الدولي، وخاصة من قبل القوى الغربية التي تشترط حدّاً أدنى من الشكليّات للقبول بالأمر الواقع، كما فعلت من قبلُ مع بعض أنظمة دول "الربيع العربي".

ومن هذه الزاوية سيُصرّ العسكر على تنظيم الانتخابات، وسيَعتبرها "شرعية" مهما ارتفعت نسبة المُقاطعين، خاصة وأن الدستور الجزائري لا يشترط نسبة مُحدّدة من المشاركة الشعبية لنجاح الانتخابات؛ وهو ما قد يدفعه إلى خيارات أكثر استعراضاً للعضلات في التعاطي مع المسيرات الشعبية.

وعلى الصعيد الدّولي يُدرك جنرالات الجزائر أن الأزمتين الليبية والسورية تجعلهم في مأمن من أي ضغوط غربية، فأوروبا لا ترغب في استقبال ملايين اللاجئين إذا انفلت الوضع الأمني؛ كما أنها غير مستعدة لانقطاع إمدادات الغاز الطبيعي الذي يُمثل 10% من استهلاكها الطاقي.

يُدرك جنرالات الجزائر أن الأزمتين الليبية والسورية تجعلهم في مأمن من أي ضغوط غربية فأوروبا لا ترغب في استقبال ملايين اللاجئين إذا انفلت الوضع الأمني.

أحمد نوردين

والولايات المتحدة بدورها لا تُرحّب بفتح جبهة إضافية للقتال قد تُربك الملاحة في مضيق جبل طارق، وتجعل قواعدها العسكرية جنوب إسبانيا مُعرّضة لهجمات محتملة لقواربِ الجهاديين. أمّا روسيا فقد كانت أكثر وضوحاً في دعمها للنظام الحالي، الذي يُعتبر الزبون الثاني لأسلحتها بعد الهند، وذلك بمشاركتها نهاية نوفمبر/تشرين الثاني في مناورات عسكرية قُبالة السواحل الجزائرية.

ويبقى التحدي الوحيد أمام هذه الانتخابات هو التصعيد المعلَن عنه في أشكال الاحتجاج، والذي قد يصل حدّ العصيان المدني. وقد نجحت التظاهرات أمام القنصليات والسفارات في مختلف العواصم الأوروبية يوم السبت السابع من ديسمبر/كانون الأول في إفشال اقتراع الجالية في أوروبا. ومن المنتظر أن تشهد ربوع الجزائر، خلال الأيام المقبلة إضراباً عامّاً يشل الاقتصاد واعتصامات مفتوحة قد تعصف بانتخابات تدخل في حُكم زواج المُكره، وتُشبه في إخراجها مسرحية من نوع الكوميديا السوداء.

فهل سينتصر الحراك في انتزاع الدولة من مخالب الجيش وإعادتها إلى مكانها الطبيعي تحت سيادة الشعب؟ وبذلك نكون أمام ميلاد الجمهورية الثانية التي تخلع فيها الدولة بزّتها العسكرية، لترتدي بدلة مدنية أنيقةً، تليق بتضحيات الشعب، أم أن الجنرالات سيعيدون إنتاج تجربة العشرية السوداء خلال تسعينيات القرن الماضي، والتي راح ضحيتها رُبع مليون قتيل، وحوالي عشرين ألف مواطنٍ مازالوا في عِداد المُختَطَفين مجهولي المصير؟ تلك هي المعادلة الصعبة للاستحقاق الرئاسي بالجزائر.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.

المصدر: TRT عربي