إنَّ التحول إلى الدول العصريَّة يحتاج إلى شرط مسبق يتمثل بتفكيك النظام القبليّ. وكلما حاولت السياسية العربية السيَّر في هذا التوجه، كلمّا كانت هناك قوى شدّ عكسي تراهن على القبيلة للتصدر السياسي.

هل الدولة العربية، التي تعلن أنها جاءت لتكسير الأساس العرقي القبلي واستبداله بالأساس الترابي المواطناتي، تمكنت من بلوغ هذا المقصد؟ هل أسست فعلاً لخيار الولاء للوطن بدل الولاء للقبيلة؟ أم أنها أسهمت بقسط وافر، عن طريق ممارساتها وتدخلاتها، في إعادة تشكيل البنيات والتصورات التقليدية؟ فهل ما زالت القبيلة حاضرة كإطار اجتماعي وسياسي؟ وهل تأتَّى الانتقال، من سجل القبيلة إلى سجل الدولة؟ أم أن "عُسْر الانتقال" يجعل من الدولة العربية الحديثة مجرد "بنيات قبلية" في "نسخة مزيدة وغير منقحة"؟

يعلن الخطاب الرسمي العربي، وفي كل حين، أنه ينتصر للديمقراطية ودولة الحق والقانون والمؤسسات، بل إنه يطنب كثيراً في ادعاء الوصل بأعرق الديمقراطيات أداءً واشتغالاً، بما يفيد بأن القبيلة لا وجود لها في التدبير السياسي للوقائع والأشياء، لكن ما أن يحل "الكرنفال الانتخابي" حتى تلوح القبيلة "حية ترزق"، كقيم ضابطة للمجال والمخيال والإنسان. ذلك أن إعلان موت القبيلة بشكل رسمي، ليس كافياً بالمرة لاستخراج رسم وفاتها كممارسات وعلاقات وتمثلات.

فكثيراً ما تتم استعادة القبلية كنمط إنتاج اجتماعي في صيغ السلوك والتفاعل، بل ويتم الانتصار لمقتضياتها غير القابلة للتجاوز، حتى في الممارسات العصرية التي تعلن الانتماء إلى زمن الدولة "العقلانية".

انتهى زمن القبائل مع بروز خطاب "الدولة الحديثة" لكن وطن القبليات سيظهر متخذاً صيغاً ولبوساً شتى منها تسييد الأصل القبلي.

عبد الرحيم العطري

لقد انتهى زمن القبائل مع بروز خطاب "الدولة الحديثة"، لكن وطن القبليات سيظهر متخذاً صيغاً ولبوساً شتى، وهو ما يلوح جليّاً في الدعوات المتواترة إلى تسييد الأصل القبلي، وتقديم الولاء للقبيلة على الولاء للوطن، فالدولة التي تصرح بكونها مع الأساس الترابي، هي ذاتها التي تعيد إنتاج القبلية، وتؤسس لاستمراريتها، وهو ما نلاحظه خلال التقسيم الانتخابي الذي ينبني على اعتبارات عشائرية بالدرجة الأولى، وكذا في ما يلي الانتخابات من تعيين واستوزار، مُراعٍ للانتماءات والسلط التقليدية التي تتلمكها العشائر، بما يجعل المجالس النيابية والتمثيلية مجرد ترضيات وتسويات بين القبائل المتناحرة. فقد بدا واضحاً أن الدولة الطامحة إلى التحديث والعصرنة، ستجد نفسها مجبرة على التعامل مع أسس التقليد، وفي إطار مؤسسات عصرية. فالقبيلة ستتوارى كمؤسسة تنظيمية، ومن دون أن تغيب كبنية موجهة ومحددة للتصورات والممارسات والقيم.

إن كل الاستشارات الانتخابية التي عرفتها الدول العربية ساعدت على إحياء الانتماءات التقليدية، فالتصويت يكون في الغالب الأعم لفائدة "ولد القبيلة" و "ابن العم"، وليس لبرنامج الحزب وخَطِّه الإيديولوجي، وهو ما يجعل من الممارسة السياسية غير متحررة من ظلال القبيلة، ومستندة في تدبيرها اليومي إلى التقليد والشخصنة، ما يجعل من كل حديث عن دولة المؤسسات مجرد شعاراتية فارغة معدة للاستهلاك السياسوي.

تلاشت القبيلة كمؤسسة تنظيمية، لكنها ما زالت حاضرة كنظام رمزي محدد وموجه للقيم والتصورات والممارسات.

عبد الرحيم العطري

جدير بالذكر أن البعد القبلي المؤثر في صناعة القرارات والبناءات السياسية والاجتماعية، يَلوح بشكل جليّ، حتى في توكيدات الأصل والانتماء، عبر التواصلات اليومية للمغاربة، فعبارة "مين نت" (من أين تتحدر؟) والتي تسبق السؤال عن الاسم أو المهنة أو المسار الدراسي، نجدها تتساءل عن الأصل القبلي أولاً، وليس عن الانتماء المهني أو العلمي، اعتباراً لكون الأصل القبلي المحدِّدَ الفعلي لأنماط العلاقة المفترضة.

فالاعتزاز بالقبيلة واضح في تصورات الأفراد والجماعات، وهو ما يؤكد استحالة محو القبيلة من عمق التمثلات، بما يؤكد أن الذي حصل انتقالاً، فقط، هو استبدال القبيلة بالقبلية، فالقبيلة تلاشت كمؤسسة تنظيمية، لكنها ما زالت حاضرة كنظام رمزي محدد وموجه للقيم والتصورات والممارسات.

ولإبراز هذا التركيب يقدم بول باسكون مثالاً معبِّراً عن "شاب يحمل شهادات، ويرتدي بذلة عصرية، ويهاتف مسؤولاً إدارياً. إنه ينطق بكلمات عربية، ويوصي بتشغيل فلان بالفرنسية، ولكنه أمام تحفُّظات المسؤول يعاود الكرة بثلاث حجج، إنما بالعربية هذه المرة: إن قريباً للشخص المقترح قد فقد عمله، وأن العائلة أصبحت بدون مورد، وبأنها تنتمي إلى قبيلة من وسط المغرب، وبأنها كثيرة الولد، ولكنه يواجَه في الأخير برفض مبني على القانون، هذا دون أن تكون مؤهلات المرشَّح قد ذكرت".

ينتصر التقليد على العصرنة في كثير من الأحيان وهو ما نلحظه بجلاء في إنتاج السلوك الانتخابي العربي.

عبد الرحيم العطري

فالقبلية تستيقظ في أعماق هذا الشاب، وتصير مبرراً للحصول على الوظيفة، بل إنها تستحيل "جواز مرور" يفوق في قدرته التأثيرية ما يحوزه المرء من شهادات علمية، فالتقليد ينتصر على العصرنة في كثير من الأحيان، وهو ما نلحظه بجلاء في إنتاج السلوك الانتخابي العربي، فالصوت الانتخابي هو لـ "ولد القبيلة" في البدء والختام.

نادراً ما يتم اللجوء في الوطن العربي إلى إشهار البرامج الحزبية، فقط هو الشعار واللون ما ينبغي التركيز عليه، أما الأدبيات والمرجعيات الحزبية فلا تجدي نفعاً في إقناع الناخبين بالتصويت، فما يؤثر فعلاً ويؤسس للفوز السياسي، هو إشهار الانتماء القبلي وإظهار التفوق المادي والرمزي على باقي المنافسين. إننا إزاء نظام مسنود بالعلاقات الشخصية والروابط القرابية والممارسات الزبونية "الاستزلامية"، أي أن الاشتغال يتم في سياق تقليدي محض، على الرغم من كونه يرنو إلى تحقيق مطلب عصري، متوزع على التصويت والتمثيل النيابي، الذي يبقى من أبرز مؤشرات الحداثة السياسية.

الطبيعي في مسارات التحديث، هو الانتقال من القبيلة إلى الدولة، إلا أنه في الحالة العربية، فإن المراهنة على استبدال الأساس العرقي بالأساس الترابي، والتدبير الشخصاني بالتدبير المؤسساتي، لم تسهم إلا في إعادة إنتاج نمط علائقي جديد، تتعايش فيه سجلات متعددة وتُسير فيه مؤسسات عصرية بممارسات وتمثلات تقليدية.

ذلك أن تفكيك النظام القبلي لم يتأتَّ بسهولة في الوطن العربي، ولا يمكن التأكد كليةً من إمكان القضاء عليه، فدائماً هناك تسرُّبات ثقافية نحو الفائت، ودائماً هناك تأثيرات قوية للتقليد في بناء العصرنة، فالقديم لا ينسحب كلياً والجديد بدوره لا يولد من فراغ، فالتحولات المتسارعة حيناً والبطيئة أحياناً، لم تَقُدْ إلى التحديث الكلي ولا إلى الحداثة الشاملة، بل قادت في المنتهى إلى عُسر قطيعة أو انتقال معاق.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي