امرأة مرسوم على وجهها شعار مناهض للعنف ضد النساء (Others)
تابعنا

منذ ثلاثة أعوام -وقبل إجراءات الإغلاق المواكبة لجائحة كورونا، كنت في أمستردام عاصمة هولندا في زيارة عائلية، كانت أول مرة أكون فيها في بلد أوروبي، لم أكن في بودابست ولا روما ولا حتى في باريس، بل في أكثر الدول الأوربية رُقياً ونظاماً، فشربت الصدمة كاملة. انبهرت بالنظام والقانون والعدل والنظافة ودقة المواعيد وندرة المشكلات، وبعين سيدة عربية كنت أنظر إلى النساء في الشوارع منطلِقاتٍ بكل ثقة، وأكثر ما لفت نظري أنهن كن يرتدين ثيابهن القصيرة بلا خوف من تحرش ولا حتى بنظرة.

جلستُ في الموقف العامّ لخطوط الحافلات في أمستردام أتابع بعينَيَّ النساء، فقط النساء، كيف يسرن وكيف يتعاملن ويضحكن بصوت عالٍ أو يُسرِعن الخطى نحو عمل ما، منفردات أو في صحبة أحد ما، تمرّ أمامي فتيات يرتدين البنطلون القصير (الشورت) ويقدن دراجاتهن بكل راحة وطمأنينة، أفزع عند رؤيتهن وأخشى عليهن النظرات أو المعاكسة كردِّ فعل طبيعي لما يحدث في بلادي العربية، فأنظر حولي خوفاً من أن تقع حادثة لهن ولو حتى بالنظرات، ولكن للعجب لم يحدث. كان ذلك طبيعياً جدّاً للرجال الهولنديين، فتاة ترتدي الشورت على دراجتها، فما الداعي إلى النظر؟

عدت من هذه الزيارة وأنا كلي غبطة وغيرة منهن، فنحن لا نستطيع أن نسير في الشوارع المتفرعة والخلفية حتى ونحن منتقبات ومحجبات، فما بالك إن قادت إحدانا دراجة أو ضحكت بصوت عالٍ مع صديقتها في الشارع.

لستُ وحدي مَن تتحسر على حال المرأة العربية، فنحن جميعا كسيدات وفتيات حين نشاهد الدراما الأوروبية والأمريكية وحين نزور بعض هذه البلاد ونعود إلى واقعنا نتمنى أن نحقّق ما حققته هؤلاء النساء، نصبو إلى العدل والمساواة والاحترام، احترام أجسادنا، فلا نتعرض للختان ونحن فتيات صغيرات ولا للعنف من الأخ والأب، والتحرش حين نكبر قليلاً، ولا للاغتصاب الزوجي والضرب في حياتنا الزوجية.

نواجه يومياً معارك مع أطراف عديدة لنبذ العنف والمطالبة بكفّ أيدي الأهل والأقربين عن أجسادنا، ولكن بإمعان النظر ومن خلال بيانات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية التي تقع أمامي وتصدُر في الاحتفالات العالمية باليوم العالمي لمناهضة العنف أو اليوم العالمي للمرأة، أجد أن الحلم الأوروبي ليس حقيقية كاملة، فالرجل الشرقي هو الرجل البريطاني وهو الرجل الأمريكي وهو الرجل الياباني، كلهم يروننا الأضعف والأقلّ أهمية، لذا يجب أن نُعامَل باحترام أقلّ منهم، نعم هناك قوانين وحرية، ولكن هذا لا يمنع الذكور من ممارسة عنفهم وتنمُّرهم وتحرُّشهم وضربهم النساء، ولو بنسب قليلة، فهذا حقاً يحدث.

العنف ضد النساء، كما قال تيدروس أدهانوم غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، "منتشر كالوباء في كل البلاد والثقافات، ويسبّب الضرر لملايين النساء وعائلاتهن، وقد تفاقم هذا بسبب وباء كورونا، لكن بخلاف كورونا، وباء العنف ضد النساء لا يمكن وقفه عن طريق لقاح".

بالاطلاع على موقع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وجدته يؤكّد أنّ واحدة من كل ثلاث نساء في العالم تعرّضت لعنف جسدي أو جنسي، على الأقلّ لمرّة في حياتها، وغالباً ما يكون ذلك من الشريك الحميم، وتعرّضت 200 مليون فتاة حول العالم قبل بلوغهنّ سن الخامسة لتشويه للأعضاء التناسلية أو الختان، و30% من النساء تَعرَّضن لعنف الأزواج. ويلفت الموقع إلى أنّ الفتيات والنساء يشكّلن 70% من ضحايا الاتجار بالبشر، في حين تشكّل النساء اللاتي تخطّين 18 عاماً 50% من مجموع ضحايا الاتجار، وتشير الإحصائيات إلى أنّ 6 من كلّ 10 نساء معنَّفات لا يخبرن أي جهة بما يتعرّضن له، فيما يتحدث الجزء الآخر عن الأمر مع العائلة والأصدقاء والشرطة، كما أن 38% من جرائم قتل النساء يرتكبها شركاؤهن الحميمون.

إحصائية مفزعة أخرى أشار إليها موقع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بأن نسبة العنف ضدّ النساء في بعض البلدان تبلغ نحو 70%، ويؤكّد أنّ 37% من النساء في العالم العربي تعرّضن لعنف جسدي أو جنسي لمرّة واحدة على الأقلّ في حياتهن، ويضيف أنّ الإحصائيات تشير إلى أنّ النسبة قد تكون في الحقيقة أعلى، لأن غياب الإحصائيات التي يمكنها أن توثّق جميع الحالات يمكن أن يغيّر النتيجة.

في البلدان العربية

تقول الأمم المتحدة من خلال الإحصائيات التي لا يعبّر أغلبها عن الواقع، إن الوضع في الدول العربية أسوأ بكثير منه في باقي دول العالم، فعلى سبيل المثال ذكر البيان أن 200 مليون فتاة في العالم شُوّهَت أعضاؤهن التناسلية قبل سن الخامسة! حسنٌ في مصر وحدها تبلغ نسبة الفتيات اللاتي تعرضن للختان 92% بين الـ15 والـ49 من عمرهنّ، مع ملاحظة أن تعداد مصر السكاني 103 ملايين نسمة، ولكن حمداً لله، فآخر الإحصائيات تشير إلى أنّ نسبة الختان انخفضت 13% عند الفتيات بين 15 و17 عاماً مقارنةً مع عام 2008. أمّا العنف المنزلي، فامرأة من كلّ 4 نساء في مصر يعنّفها زوجها، وفق التقرير الأخير للمركز المصري لحقوق المرأة، وتقول إحصائية أخرى إن عدد حالات الاغتصاب يصل سنوياً إلى أكثر من 200 ألف سيدة.

دول الخليج أيضًا لم تبتعد عن هذا السياق، فقد أشارت اللجنة الأممية ضد التعذيب إلى حالات كثيرة من العنف المنزلي الموجَّه ضدّ الخادمات والمساعِدات.

في الأردن كذلك أكّدت وسائل إعلام أن عام 2016 شهد ارتفاعاً ملحوظاً في جرائم العنف ضد النساء، وكانت تقع 14 جريمة سنوياً بداعي "الشرف"، إلا أن الأردن شهد خلال الثلث الأول من العام الجاري 12 جريمة قتل بحقّ نساء وفتيات، كما سجّلَت السلطات ارتفاعاً في حالات الاغتصاب، إذ يُغتصَب نحو سيدتين من كل 100 ألف سيدة، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعنيّ بالمخدرات والجرائم.

في العراق كذلك سجَّل التقرير تزايد حالات العنف ضد النساء بنسبة 62% في إقليم كردستان، حيث تشير أرقام مديرية مكافحة العنف ضد النساء إلى ارتفاع مستوى العنف بكل أشكاله ضد النساء بنسبة 62% في الأقليم مقارنةً بعام 2010. ونساء كردستان لسن بمنأىً عن العنف، إذ تتعرض مئات منهن سنوياً للعنف بذرائع مختلفة، فيما يلاقي بعضهن مصرعه أو يُقدِمن على الانتحار جراء ذلك.

في بلاد الحرية والمساواة

تصدرت ألمانيا البلدان الغربية التي تعرضت فيها المرأة للعنف الجسدي، بواقع أكثر من 30 ألف حالة، وأكثر من 25 ألف حالة اعتداء جنسي، ونحو سبعة آلاف حالة اغتصاب.

تلتها في القائمة فرنسا والسويد وبلجيكا، فمثلًا تُظهِر دراسة سويدية أن عام 2016 شهد أكثر من 20 ألف جريمة جنسية، صُنّفت سبعة آلاف منها تحت بند الاغتصاب، فيما لم تُسجَّل أي حالة عنف جسدي في كل من إيطاليا واسكتلندا وآيسلندا.

شركة "نتفليكس" دخلت على الخط العام الماضي حين أنتجت مسلسلاً محدود الحلقات اسمه Maid يتحدث عن زوجة وأم تترك بيت زوجها لمجرد أنها شعرت معه بعدم الأمان، فهو مدمن كحول وأحياناً يخبط بيديه على الحائط… لم تكن واثقة أن هذا عنف، فهو لم يضربها، ولكن شعورها بعدم الأمان جعلها تُنهِي هذه العلاقة وتلجأ إلى أحد بيوت الرعاية، وفي هذا البيت عرفت أن هذا نوع من أنواع العنف، وأنه فقط البداية قبل أن يمدّ يده عليها، وقد يحاول قتلها.

منذ أسبوعين ضرب عريس مصري عروسه في الشارع وهي في فستان زفافها، ثم ظهرت العروس مساءً في فيديو متأبطةً ذراع زوجها لتقول أنها سامحته، وكله خير. وانقلب التعاطف مع هذه العروس إلى انتقاد من نوعية "هي تستحق ما يحدث لها، وتستحق أن تعيش هكذا لأنها سامحته". ولكن بالنظر إلى الواقع فعروس الإسماعيلية -كما أُطلِقَ عليها- لن تجد دار رعاية مثل بطلة المسلسل الأمريكي ولا مثل نساء أوربا اللاتي لديهن بيوت آمنة يلجأن إليها، فإلى أين تذهب العروس؟ ليس العروس فقط بل ملايين النساء في بلادي يتسامحن مُجبَرات ويُطلَق عليهن لقب "حمَّالة أسيَّة" و"ست أصيلة" تحافظ على بيتها… ولكنها للأسف مُجبَرة على ذلك، ففي الوقت نفسه لا تجد المرأة المعنفة دعماً من وزارة التضامن الاجتماعي في مصر ولا في مثيلاتها من الدول العربية.

في اليوم التالي خرجت مايا مرسي أمينة المجلس القومي للمرأة على نساء مصر ببوست على فيسبوك تندّد فيه بالحادثة، فقط، لم تدفع بدعوى قضائية أو بلاغ، وهي الجهة المنوط بها حماية السيدات والدفاع عن حقوقهن. فكان ردَّ فعل غريباً أثار السخرية والاستياء، طالبت معه حقوقيات بتفعيل قوانين ردع العنف والاغتصاب ودعوة الأهل إلى دعم بناتهن.

كلها أمور بدائية نحاول الحصول عليها لنتساوى "مُعنَّفاتٍ" في كل العالم، أوربيات وعربيات وآسيويات، ولكن لنتساوَ بجانب الضرب مدعوماتٍ بحكوماتنا وقوانيننا.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي