إن الصراع فعلاً اليوم هو أكبر من أن يكون صراعاً على الإسلام، بقدر ما هو صراع على التدين وأنماطه. إنه السؤال حول المرجعيات التي تتخذ صيغاً شتى وواجهات متعددة تؤكد أن الهجرة إلى السماء ما هي إلا محصلة نهائية لوضع ملتبس نعيشه باستمرار.

"الدين لله والوطن للجميع"، مقولة فقدت معناها من فرط استعمالها، استحالت مجرد أسطوانة مشروخة تتردد بغير سياق ولا اتساق، تُوظَّف حيناً لتأكيد الحاجة إلى دولة مدنية لا تيوقراطية، أو تتواتر من غير فهم وإعمال إلا فيما نذر، ليستمر الحديث باسم السماء، وإطلاق تسونامي "الإفتاء" إعلاناً لِتَمَلُّكِ الحقل الديني والتحكم فيه. فمن بمقدوره الكلام باسم المقدس؟ ومن بمستطاعه إعلان الحصرية والفرادة لامتلاك هذا الحق؟ أوَ ليست أغلب صراعاتنا وإخفاقاتنا قادمة، أساساً، من صعوبة الحسم في الجواب عن أسئلة الدين والتدين في الوطن العربي؟

لنعد إلى ضحى الإسلام، وتحديداً مع الحرب على الخلافة، لنستذكر العبارات الشهيرة التي كانت تكشف المواقف والانتماءات، كانت تتوزع على الآتي: "سيوفنا مع معاوية وقلوبنا مع علي"، أو "الطعام مع معاوية أدسم، والصلاة مع علي أتم، والبقاء في الجبل أسلم"، وكانت تضمر في العمق صراعاً حول قراءة وتأويل النص الديني، تبعاً لتمايز المصالح والمراتب، وتباين الرهانات والاستهدافات؛ فالأصل قراءة والامتداد تأويل واختلاف ثم خلاف، أفضى نهايةً إلى عنف وعنف مضاد، ما زلنا نعيش على إيقاعه إلى اليوم.

لا بد من التأكيد على أن السياق الذي نعيشه الآن ينطبع بعودة الديني، مفكراً فيه ومنشغلاً به، سواء في إطار صراعات هوياتية وإثنية، وكذا في إطار تدبيرات إيديولوجية أو سياسية، و كل ذلك في سياق آخر من العنف الديني أو "العنف باسم المقدس"، يتمحور أصلاً حول "أحقية الكلام باسم السماء"، و يقود بعد ذلك إلى تفكيك "سوق الخلاص" ؛ فالسوق الدينية في الغرب، ومنذ الثورة على الكنيسة، لم تعد في يد الإكليروس، وإنما باتت موزعة بين الجميع، الكل بات متدخلاً في صناعة "نمطه التديني" وتوزيع "صكوك غفرانه" دونما حاجة إلى "الأب" ولا إلى "قُدَّاسِهِ". وهو ما ينتقل إلى السجل العربي الإسلامي، باختلافات بسيطة؛ فالسوق الدينية باتت تفيض بالنماذج والأنماط التدينية المتبارية والمتصارعة على "الكلام باسم الله و رسوله"، فالفقيه الفضائي يزاحم الفقيه المنبري، والإسلام الحركي يتفاوض مع الإسلام الشعبي، مع ثالث صوفي وآخر انقتالي، وما إلى ذلك من "إسلامات" تعدّدية و صراعية في الآن ذاته.

مفهوم التدين أكثر إثارة للخلاف من مفهوم الدين ذاته، خصوصاً على مستوى التنزيل الواقعي.

عبد الرحيم العطري

وكم يتناسى "مُلاَّكُ الحقيقة" أن الإسلام حسم المسألة قبلاً بالآية الكريمة التي تقول: "لا إكراه في الدين" (سورة البقرة، الآية 256)، كما أوضحها بجليل العبارة، بأن مقصد المقاصد هو صناعة السعادة لا الموت والحداد، فقد جاء في القرآن الكريم: "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" (سورة طه، الآية 2)، وأن الحاجة إلى إعمال العقل والتدبر في الوقائع والأشياء هو غاية الغايات، لبلوغ الحقيقة واشتهاء اليقين، "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" (سورة الحجر، الآية 267)، باعتباره مأمولاً لا مملوكاً.

يحضرني هاهنا مقطع دال من رسالة طه حسين إلى أندريه جيد، الذي استغرب ترجمة عميد الأدب العربي لروايته "الباب الضيق" على اعتبار أن نقلها إلى بيئة لا تؤمن بالسؤال وتنتصر لليقين، هو عمل غير مُجدِ، فأجابه: "إن الإسلام لا يدعو إلى الطمأنينة، بل هو يحث على التفكير الأكثر عمقاً، ويثير الحيرة والشك الأشدّ إرباكا. والقرون الخمسة الأولى من تاريخ الإسلام هي الدليل الواضح والمقنع، من المؤكد أنكم تعرفتم على المسلمين ولم تتعرفوا بعد على الإسلام."

لنعترف بأن مفهوم التدين أكثر إثارة للخلاف من مفهوم الدين ذاته، خصوصاً على مستوى التنزيل الواقعي، فإذا كان الدين يهم الجوهر والتصور العام، فإن التدين يخص الشكل وإمكان التدبير والأجرأة. والخلاف دوماً على طرائق هذا التدبير، خصوصاً و أن التدين لا يكون "صافياً" و "خاماً" في غالب الأحيان، بل يَجُرُّ وراءه تاريخاً من الصراعات والتسويات؛ ذلك أن الطقوس والممارسات التي تبرر "التدين" لا تُنتج ويُعاد إنتاجها في انفصال تام عن تاريخية المجال الذي تتم فيه، ولا عن سيرورته وجغرافيته أيضاً. كما أنها تستعمل بقوة "ديكتاتورية اليقين" في تحصين المواقع واستخلاص المنافع والامتيازات، فلا شيء يمنع من الاستثمار في المقدس ضمن "سوق دينية" مفتوحة على قيمة رائجة تتلخص في "من يدفع أحسن"؟

التجربة التي تُختبر فيها العلاقة بين المقدس والدنيوي تصير مدخلاً لفهم الأبعاد الاجتماعية لتدبير علاقات القوة والمعنى.

عبد الرحيم العطري

إن علاقات القوة لا تشتغل بعيداً عن علاقات المعنى، و إن السؤال عن الكيفيات التي يُعاش بها المقدس و يُستثمر ويُستنزل، يعد ضرورياً لإدراك وتمثل مفهومه، فالتجربة التي تُختبر فيها العلاقة بين المقدس والدنيوي، تصير مدخلاً لفهم الأبعاد الاجتماعية لتدبير علاقات القوة والمعنى. فما يتواصل من حروب هوياتية/دينية، بين المذاهب في الهنا والهناك، يؤكد أن كل تفكير وتَفَكُّر في "الديني" يعد حاجة قصوى لاكتشاف الرهانات والاعتمالات التي تتفاعل في عالم اليوم، وتحديداً في ظل احتدام "الهجرة إلى السماء". ففي ظل الأزمة تتواتر الهجرات الرمزية والمادية دوماً. فكيف نتفهم هذا الجاري بلا انقطاع؟ الحل يكمن في أسلوب "الكتابة بالإبر على آماق العيون" كما أكد عبد الفتاح كيليطو يوماً.

الفرق بين الفائت والراهن هو أن الصراع بين أنماط التدين، يتجاوز المحلي إلى الكوني، ويستفيد من الأساس التكنولوجي، ويوظفه في حشد الأتباع ومواجهة الخصوم، ما جعلنا نختبر خطابات دعوية متعددة تعبر عن شكلها ومضمونها، تبحث عن المنتصرين إليها، متوسلة في ذلك بثمرات التكنولوجيا وثمرات المطابع. فالدعاة اليوم ما عادوا كما الأمس القريب منشغلين بإعفاء اللحى وقص الشوارب ولا بخطاب مشبع بعذاب القبر وأهوال القيامة، إنهم اليوم يظهرون على شاشات التلفاز حليقي الوجوه، مرتدين أشهر العلامات التجارية على مستوى اللباس، وخاضعين بالضرورة لعمليات "المايك آب"، وغير منقطعين عن الابتسام.

فمن حيث المضمون يتبرم هؤلاء الدعاة من مناقشة المواضيع الأخروية المرتبطة بالترهيب، ويلحون على الانفتاح على الترغيب أكثر، كما أنهم نادراً ما يدخلون في التفاصيل الفقهية وأسباب النزول، ولعله السبب الذي يجعل معارضيهم ينعتونهم بإسلام القشور، أو "الإسلام اللايت"، أو "الدين على المقاس". وكل هذا يؤكد أن الصراع فعلاً هو أكبر من أن يكون صراعاً على الإسلام، بقدر ما هو صراع على التدين وأنماطه. إنه سؤال المرجعيات التي تتخذ صيغاً شتى وواجهات متعددة تؤكد أن الهجرة إلى السماء ما هي إلا محصلة نهائية لوضع ملتبس نعيشه باستمرار.

فتح أي نقاش عقلاني حول الدين والتدين في الحالة العربية لا يُعد بحثاً في "تقويض" إيديولوجيا "الإسلام الشعبي" ولا مجابهة للإسلام الرسمي إنما هو لفهم الممارسات وتأويلها.

عبد الرحيم العطري

من هنا يتقدم العقل النقدي، بتواضع كبير، مقترحاً الفهم أولاً، للاقتراب من الوقائع بعيداً عن الصور النمطية التي تحيط بها. وعليه ففتح أي نقاش عقلاني حول الدين والتدين في الحالة العربية، ليس بحثاً في تقويض "إيديولوجيا" الإسلام الشعبي" ولا مجابهة للإسلام الرسمي، و لا يقدم حواراته على سبيل الاشتباك المعرفي مع دفوعات أي نمط من أنماط التدين المتنافسة في تداوليات الحقل الديني، فالغاية تتجاوز الاشتباك مع "الإسلامات" الأخرى المشككة في ضرورة العقل والمبارِكة فقط لخطاب النقل، أو مع تلك المكفرة لمن "يجرؤ" على السؤال و يهفو إلى "الفهم" بعيداً عن "يقينيات الشُرَّاح".

ما يهم ليس السقوط في فخ "مع/ضد" أقطاب السوق الدينية، الموزعة بين الشعبي والحركي والصوفي والرسمي، أو بين العنف واللا عنف، وإنما المهم والأهم هو فهم الممارسات وتأويلها، أملاً في تحليل وتفسير استمرارية ورسوخ الخطاطة، ذلكم ما نتغياه من فتح قوس جديد في مساءلة الصراع التديني في الوطن العربي، نتمناه فتحاً لشهية السؤال، أملاً في تفكيك احتكارية الحديث باسم السماء، وأملاً أساساً في استعادة المعنى/المبنى الرئيس لمبدأ "الدين لله والوطن للجميع".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي