تُحيل متلازمة (syndrome) ستوكهولم في علم النفس إلى وضع فائق التعقيد تغدو فيه الضحية مدافعة عن جلادها، والأصل في ذلك حكاية عن رهائن باتوا أكثر تواطؤاً مع مُحْتَجِزِهم في إحدى عمليات السطو المسلح.

لكن العنوان أعلاه لا يتصل بالحالة النفسية، وإنما نعني به وضعاً سوسيواقتصادياً مُنتجاً للتنمية والرفاه الإنساني، ومُدافعاً بالضبط عن كرامة الإنسان وحقه في الإفادة العادلة والشاملة من كافة الخيرات الرمزية والمادية للوطن.

كلما انكتب الترحال باتجاه الضفة الأخرى نحو أوروبا، استبد بالذهن واقعة عُسْرِ الإصلاح، التي رافقت الكتابات النهضوية الأولى وحددت إشكاليات أطروحاتها الفكرية، بحثاً عن جواب للتأخر والتقدم: لماذا تأخرنا؟ ولماذا تقدم الآخر؟

ذلكم ما يدعو إلى تثوير السؤال بشأن التنمية المعطوبة والهدر الإنساني الذي يتواصل في سجلنا العربي من الماء إلى الماء. ذلك أن قطار التاريخ لا ينتظر أحداً، فإما الانخراط والانطلاق، و إما البقاء في "قاعة انتظار" برفقة يوتوبيات و"عقل" جامد يعتقد أن الحقيقة تُشرق من عندياته فقط.

إن الإصلاح الذي يُترجم حداثةً وتحديثاً اقتضى من أوروبا ثورات متعددة، انطلقت منذ القرن السابع عشر على الأقل، والتي توزعت على ثورة اقتصادية وأخرى ثقافية وثالثة علمية ورابعة دينية أزالت القداسة عن المقدس، فضلاً عن ثورة فكرية متواترة انتصرت للعقل والإنسان. و بذلك تأتَّى الدخول إلى صلب الحداثة وتجاوز أعطاب الماضي الموسوم بعصور الظلام.

وهو ما لم يحدث حتى الآن في الحالة العربية، إننا نريد حداثة شكلانية لا تنفذ إلى العمق والجوهر، ولا تتصل بإعادة توزيع الثروة والمشاركة في الحكم وتطبيق المساواة. نريد ديمقراطية على المقاس لا تمتد إلى الفصل بين السلطة وتوكيد السيادة للشعوب. ونريد، وهذا هو الأهم، كتابة الحاضر والمستقبل بِقَلَمِ الماضي لا غير، وكلها معطيات دالة أنتجت واقعاً من الحصر واللا انتقال، فبالرغم من كل المؤسسات العصرية التي نزدهي بها، فإن البنيات الأشد عتاقة وتقليدية ما زالت تتسرب إلى مختلف الذهنيات والجغرافيات والمؤسسات، وتفرمل احتمالات التقدم والنماء.

يمكن القول بأننا تأخرنا لأننا نستلذ العمل بمتلازمة ستوكهولم في معناها السيكولوجي المفتوح على تعلق الضحية بالجلاد، فبالرغم من سياط القهر المُسلطة علينا من قبل مالكي وسائل الإنتاج والإكراه، فإننا "عَبَّادُون" لسلطاتهم، مُفْتَتِنُونَ بما يصدر عنهم، ومدافعون عن استمرارية استبدادهم. وتأخرْنا أيضاً لأننا لم نَعْتَلّْ بعد بمتلازمة ستوكهولم في معناها الرمزي التنموي، والتي تجعل الدولة في خدمة المواطن، فتماماً كما الحاجة ماسة إلى المواطن الصالح، فثمة حاجة أكثر إلحاحاً إلى الدولة الصالحة.

لم تكتب السويد ثورتها التنموية عن طريق الموارد النفطية أو الثروات المعدنية الأخرى، كتبتها من مدخل الاستثمار في الإنسان لا غير، فالطبيعة لدى الدول الإسكندنافية مُكلفة ومربكة ومرهقة للميزانية العامة بسبب الثلوج والبرد والليل الطويل شتاءً، وشمس منتصف الليل (sun of midnight) صيفاً. فقط هو بناء الإنسان عن طريق التربية والتعليم ما يصنع أجيالاً تقدس العمل وتعشق السفر، وتؤمن بالوطن وتجسد هذا الإيمان أداءً للضرائب.

وعليه فالمقصود بمتلازمة ستوكهولم التنموية هو تعاقد سياسي اجتماعي يتأسس على إشراك المواطن في صناعة حاله ومآله المجتمعي، عبر تأهيله تربوياً وثقافياً، وتمكينه من كافة الحقوق التي تسمح لها بأداء واجباته على الوجه الأمثل. فالتنمية حرية كما قال أمارتيا صن يوما، ذات الحرية التي تعني تحرير الطاقات والقناعات والفضاءات وكافة الممارسات والخطابات، وهو ما نلمسه في اليومي السويدي، حيث لا أجهزة قمعية تلوح في الشارع، ولا حاجة للوزير لموكب حراسة ولا لسيارات فارهة، تكفيه دراجة عادية لبلوغ مقر عمله.

فالوزير، في هذا النسق الديمقراطي حقيقة لا ادعاءً، هو موظف عادي لا تمنحه الحقيبة المسندة إليه أي امتياز أو تفوق على الأغيار، إذ يمكنه تقديم الاستقالة من تلقاء نفسه بسبب خطأ بسيط، كما حدث مع وزيرة اقتنت خطأ حفاظات للأطفال ببطاقة بنكية خاصة بالوزارة، لم يكن أمامها إلا الانسحاب في هدوء، لأنها لم تميز بين المال العام والمال الشخصي. فالدول الديمقراطية تمارس السياسة كثيراً وتتكلم عنها قليلاً، بينما الحاصل هنا والآن، هو العكس، ولا غرابة إذا، كما يقول عبد الله العروي، أن نُسَيِّسَ الدين أكثر مما "نُدَيِّن" السياسة، وأن نمارس الادعاء بالانتماء إلى سجل الديمقراطية، فيما نحن غارقون في أتون الديكتاتورية الفجة، فالوزير لدينا لا يستقيل وإن كان سبباً رئيساً في مراكمة الخسارات والفظاعات.

لقد تقدم الآخر لأنه أنجز ثورته متعددة الأبعاد في مستوياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والدينية، فيما نحن باقون في أماكننا، ما زلنا منشغلين بتأويل تعسفي للنصوص الدينية وفهم اختزالي للدساتير الممنوحة وتدبير بئيس للسلط المجتمعية. لقد تقدم الآخر لأنه وعى جيداً أن العلم هو مفتاح الفرج وأن بناء الإنسان أهم من بناء القصور والأبراج، وأن الجواب على أسئلة الحاضر يوجد في المستقبل لا الفائت.

فالسويد وغيرها من الدول الإسكندنافية، تنشغل اليوم بالمائة سنة القادمة، وتستعد لها من الآن، على مستوى الإعداد العمراني والتخطيط السوسيواقتصادي، عبر "عقل مرن" يفيد من الدروس ويتجاوز العقبات، ولا يقف عند حدود الاحتفاء بالأمجاد الغابرة. يكفيهم فخراً أنهم أول من صنع الهاتف الخلوي، لكنهم تجاوزوا عقدة التفوق، وتركوا تصنيعه لدول أخرى، وباتت شركاتهم العملاقة من قبيل إيريكسون ونوكيا، تستثمر في الصناعات الدقيقة والأقمار الصناعية وبنيات الاتصالات المعقدة.

لماذا تأخرنا؟ ولماذا تقدم غيرنا؟ إنه سؤال يجتر خطاب النكسة والانهزامية الهوياتية، التي تدفعنا إلى التساؤل عمن أفسد من، فهل السلطة هي التي أفسدت المجتمع؟ أم المجتمع هو الذي أفسد السلطة؟ أم كلاهما مسؤولان بالقدر ذاته عن انفساد الأحوال وضياع الفرص التاريخية في الانعتاق من ويلات التخلف والتردي؟

عندما نعود إلى أعلام الفكر النهضوي من أمثال رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وفرح أنطوان وسلامة موسى وطه حسين وجمال الدين الأفغاني، سنجد المشترك بينهم مفتوحاً على المطالبة بالحد من السلطة المطلقة للحاكم والدعوة إلى إعادة بناء الإنسان، فلا مداخل للتغيير والتجاوز بعيداً عن الإصلاحَين السياسي والاجتماعي، عبر تأصيل الديمقراطية وتقعيد التربية، ومنه يكون الانطلاق نحو التحرير والتنوير، وبما أن المشروع النهضوي لم ينكتب له التحقق واقعياً في الزمن العربي، فإن متلازمة ستوكهولهم السيكولوجية هي النص الأكثر حضوراً إلى الآن في بلداننا الحائرة والمهزومة سياسياً ومعرفياً.

أي نعم، إن كل انخراط في "فخ المقارنة" بين الـ"نحن" والـ"هُمْ"، يخلق لفاعله نوعاً من التوتر الوجودي، الذي يمكن إجماله في تخريج اندهاشي من توقيع الطهطاوي: "إنهم منظمون ونحن غير منظمين"، إنها العبارة التي تستجمع كل شيء، وتشير إلى مدخل كل الأشياء والوقائع، لتجاوز الفارق الحضاري والتنموي الكبير، فلا حَلَّ ولا دواء لداء العطب القديم سوى "النظام" بما هو إعادة ترتيب لقواعد اللعب بين المواطن والسلطة، وبما هو خروج من متلازمة ستوكهولم السيكولوجية إلى معناها التنموي العادل. فهل يقبل الحاكم العربي بإعادة اقتسام السلطة والخيرات؟

يوماً ما في وزارة المساواة بالسويد طرحت سؤالاً بعقلية الريع النفطي، "أي ثروة تتحصلون عليها في عمق أراضيكم؟ أظنها المسؤولة عن تقدمكم"، كان الجواب المقتضب والدال: "إنها الثروة الإنسانية"، حينها تأكد لي الفارق بين شعوب تبني الإنسان وأخرى تدمن إهدار الإنسان، لهذا تأخرنا، ولهذا تقدم الآخر.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي. 

المصدر: TRT عربي