لا مانع من اختراع يوتوبيا جديدة تؤكد معنى الحياة وتوقيرها وشمولية الرحمة للكل، وذلك في ظل التنازل المدمّر عن إنتاج الأفكار الخلّاقة، والتسليم بموت المثاليات، واختزال الواقع وعودة الديني المسيَّس. هذا الانحدار يستوجب إعادة البحث عن معنى جديد للحياة.

إلى الآن، ومنذ عقود ثلاثة مضت، أصبحت عناوين وتنظيرات دراسات مجال العلوم الإنسانية، مولعة بإعلان النهايات، بل ومقررة ما سيليها من بعديات شكية هدامة، لا تنبئنا بأي شيء سوى العدم، لأن الفكر لم يعُد واثقاً بأي معنى، ولأنه رافض من -حيث المبدأ- وجود فكرة وثوقية بالأساس. عاد لا يملك سوى إعلان نهايات الحداثة، اليوتوبيات الكبرى، الدول، والمجتمعات، والأخلاق، وربما قريباً جدّاً يعلن نهاية الإنسان، بما أنه أصبح ظلّ آلة.

ولِمَ لا، وقد أخفقنا -حسب هذا المنطق- في تحقيق السعادة والحرية والخلاص الذي توسَّمناه في العقل والإرادة، وصار كل نسق مؤدلجاً وسلطوياً ولا رجاء في إصلاحه، ولا سبيل إلى ابتكار أفكار وأساليب جديدة بديلة؟ لقد أجدب العقل وبات آلةً نحن طاقة تروسها وحسب!

إلاّ أنّ هذا المنطق يجانبه الصواب، فالناس على وجه البسيطه باختلاف ألوانهم وأعراقهم وتوجهاتهم، ومهما استدرجتهم متعية الاستهلاك والفردانية، لا يزالون ينتسبون إلى مجتمعات ودول وجماعات، وثورات، ومتعطشون إلى الإمساك بمعنى "جليل" للحياة، ومثل أعلى يقيسون من خلاله مدى ارتقائهم الإنساني.

قد يصحّ أن الأعمال الخيرية والحس الإحساني، والإنسية الصوفية المتعالية وأخلاقيات العمل ومظاهر التعاطف والتضامن وخلافه، قد تتحول إلى وسائل لتحقيق منفعة حدية، أو رموز اختزالية، أو نزوع إلى تحقق الذات بآلام الآخر دون تضحية، أو حتى مجرد آيدولوجيا مثل حقوق الإنسان التي تشوهت مفاهيمياً ضمن ما شُوّه، وتحولت إلى "بيزنس". قد يصحّ كل ذلك، لكنه يدلّ على، ولا ينفي، الرغبة البشرية العميقة في القبض على معنى روحاني يعلو على الذات الأنانية.

يذكر كونت سبونفيل، أنّ جيل الستينيات قد سيّس كل الحياة، فأي إشكالية أو قضية كان يعزوها إلى الشرط السياسي، وقد استحضر هذا الجيل كلّاً من نيتشة وماركس وفرويد، شاهداً على صواب منطقه، وتمرُّده ضد ما أسماه "أخلاقية القطيع" و "لاهوت الضعفاء"؟

هذا الجيل قد جُرحت داخليته النفسية جراء الحروب والعنف، حتى فقد الأمل في خيرية الإنسان كمعنى أصيل وفطري، فقدان جعله يسلّم بعبثية الوجود، الذي لا فرار منه ولا معنى له، سوى التلذُّذ باللحظة الآنيَّة، شرط احترام حرية وإرادة الآخر.

لكن فوجئ هذا الجيل بابتعاث الخطاب الأخلاقي في الثمانينيات والتسعينيات، وأُطلق على جيلهما "الجيل الأخلاقي" الذي تحولت هالاته الرمزية، من السياسية مثل تشي غيفارا وديغول إلى الأب بيار والأم تريزا مثلاً، وكما هو الحال لدينا أيضاً، إذ تبدلت رموز القوميين من عبد الناصر وبورقيبة وأتاتورك إلى هذا الشيخ أو ذاك الداعية.

هذا التحوُّل غير المتوقَّع قد مثّل صدمة للفلاسفة والاجتماعيين، ومنهم سبونفيل، إذ كان من المعتقد أن الروحانية فكرة قد بطلت منذ عقود وأصبحت محض خرافة. وعلى الوجه الآخر، نقيس مجتمعاتنا، حيث اختُزل تفسير الحضور الكثيف للدين على أنه محض "غزو وهابي" وإسلام سياسي مؤدلَج، أو دين مُتاجَر به من قِبل الدعاة الجدد، وهذا لا ينفي ذاك، لكنه يجب ألا يُعمِينا كُلّية عن رغبة البشر -وإن أصبحوا أفراداً منعزلين متقدمين ومرفهين- في إيجاد معنى لحيواتهم.

هذا الارتباك الإنساني يُسأل عنه الفلاسفة ومنتجو الفكر بنفس القدر الذي نسائل به النُّظُم التقنية الاقتصادية والسياسية. إنّ فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر حين قاتلت من أجل علمنة وأنسنة العالم، وبشّرَت بالعلم والتقنية والتقدم، كانت تبتغي حرية وسعادة الإنسان، ولم تُغفِل على الإطلاق الجانب الروحاني، وإعلاء ماهية القيم والأخلاق والمثل العليا التي تمنح الوجود معناه وسموّ آلامه، لم تُغفِل هذه الفلسفة الجدل حول طبيعة النفس البشرية، وكيفية تحقيق العدل، لم تهدم الإيمان وإنما سعت لتحريره من الاستبداد والاستعلاء، وجعلت الإنسان في مواجهة ذاته ونغمة صوته الباطنية كي يختبر مدى صدق فضيلته وأخلاقيته، الأخلاقية المسؤولة النابعة من إرادة عقلية حرة تجاه الذات والعالم والآخر.

كان يجب أن يستمر هذا الفكر ويُصوّب ما اعتراه، لولا أنه انحدر في فخ النفعية الاجتماعية ونظريات المادية التي التقطت الخيط من هيغل، حين قرّر عام 1820 في مقدمة كتابه "فلسفة القانون": أنّ الفلسفة يجب عليها أن تعقد صلحاً مع الواقع"، ما هو عقليّ هو واقعيّ، وما هو واقعيّ هو عقليّ ... وما ينبغي للفسلفة أن تنشيء أفكاراً حول ما يجب أن يكون، بل واجبها هو أن تفهم ما هو كائن ... إن بومة مينرفا لا تبدأ طيرانها إلا حين يرخي الظلام سدوله، وعلى الدرب سار الأبناء حتى أرخى الظلام سدوله، ولم يعُد سوى اللطميات والبكائيات على العقل الأداتي الذي من فرط عقلانيته أصبح لا عقلانيّاً، وكافراً بما أنتجه من معرفة وتقدُّم!

اليوم، حين تعلن منظمة استكشافية علمية عن التصوير الأول للثقب الأسود وتثبت صحة النظريات الفيزيائية، أو حين تعلن هيئة طبية عن أبحاث تبشر بالقضاء على أمراض الإيدز أو السرطان أو الجذام، كل ذلك يستحقّ الدعم ويستدعي الشعور بالافتخار والثقة بعقل الإنسان وقدرته على البحث في إيجاد سبل جديدة للحياة واكتشاف ألغازها المحجوبة، لكن لا يعوّض احتياجه إلى نسق فلسفي وفكري يُعنَى بإعادة تفسير وجوده الأساسي، يُعنَى بمسألة العدل والطبيعة البشرية.

حين نرى الحروب وسفك الدم والظلم يشيع في كل الأرض، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا عليَّ أن أفعل؟ ما واجبي تجاه هذا العالم؟ وما مقدار مسؤوليتي من الذي يحدث؟ هل التضامن يكفي؟ هل كتابة احتجاج أو تنديد على جداري الرقمي يفيد؟ إلى أي حد يمكن أن أضحّي بذاتي من أجل فكرة؟ وإلى أين تنتهي حدود حريتي مع الآخر؟ ما الموت؟! كيف أستقبله وأدركه حين يخطف بعبثيةٍ الصديقَ أو الابن أو الحبيب؟ ما حدود العنف وماهية القانون؟ وما حدود الحب والإنسان المعاصر مطلوب منه أن يحب أخاه الإنسان الساكن في الجنوب أو الشمال؟ وهل يداوي الحب ما أفسدته السياسة والاقتصاد، أو يحلّ مكانهما؟ ما حق الحياة ونحن نشاهد على الملأ صور المُعدَمين؟

هذه الأسئلة المعنية بالحياة وأخلاقيتها لن تجيب عنها الفيزياء ولا اكتشافات الطب أو التقنية، وهذا التنازل المدمّر عن إنتاج الأفكار الخلّاقة، والتسليم بموت المثاليات، واختزال الواقع المعيش في حد واحد من الحدود السياسية أو الاقتصادية أو عودة الديني المسيَّس، لن تُجدِي، وحرية الإنسان ورفضه الأجوبة المعلَّبة تقتضي مزيداً من المسؤولية والجهد.

النقد الهدَّام الذي يقضي على اليقين دون أن يستبدل به إمكانيات أخرى، يُفضِي إلى جعل المعرفة والتقدُّم العلمي غايات بحدّ ذاتها لا يحدُّها حدّ، في حين تنزع الناس إلى المزج بين النفعية والتقية الدينية كما في مجتمعاتنا، أو إلى عودة الديني بوجهه البدائي اللا عقلاني، أو الخيري المؤدلج المختزل في تنظيم إجرائي، يستغلّه اليمين السياسي هنا وهناك في تأجيج المشاعر الاستعلائية ضدّ الآخر بصفته مؤمنًا من نوع آخر "غير إنساني" أو "غير حقيقي".

والمحصِّلة أخلاق شعبوية مهجَّنة قابلة للتفجير. بل الواقع يُخطِّئ تنبؤات الفسلفة الحديثة التي كانت تعلن نهاية معنى التضحية بالذات من أجل هُوية أو قومية أو ما يُسَمَّى بأفول الواجب "أخلاق دون ألم"، ولسنا ببعيد عن جريمة نيوزيلندا الأخيرة.

عالَم اليوم بات بفضل التقنية التواصلية وقوانين التجارة والاقتصاد العابر للقوميات وتداخل السياسات، وتشابك المصالح المتوقفة على مصير الأرض جرَّاء مشكلات البيئة من الاحتباس الحراري وندرة الموارد والتسليح النووي، قرية صغيرة بالفعل، تحتاج إلى نسق أخلاقي ينشغل بالهَمّ الفكري وتجدُّد الأسئلة القلقة التي تواجه الإنسان، ولا مانع من اختراع يوتوبيا جديدة تؤكد معنى الحياة وتوقيرها وشمولية الرحمة لكل كائن.

ولربما نحتاج إلى تجديد نزعة إحيائية مستقلة عن جدب تاريخيتنا الحديثة، تنبني على الإيمان بأننا نحن البشر جزء من الحياة، وقوتنا المعرفية وفعل الإرادة الحرة لدينا ما هي إلا مسؤولية ملقاة على عاتقنا شئنا أم أبينا، تجاه باقي الموجودات بكلّيتها، في حياة تشاركية، معاً لا ضدّاً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي