العلم التركي وفي الخلف أفراد من الجيش التركي (Others)

تشاطر أنقرة موسكو ذات المطلب بعدم قدرة الأخيرة إبعاد التنظيمات الإرهابية التابعة للإدارة الذاتية عن الحدود التركية-السورية مسافة 30 كيلومتراً كمَا نصّت اتفاقية "ملحق" سوتشي (2019) الخاصّ بمناطق شرق الفرات.

ومع مطلع أغسطس/آب 2021 تعقّدَ المشهد بشكل ملحوظ ليبدأ معه التصعيد الروسي الهيستيري على منطقة إدلب حيث شملَ القصف كلّاً من مناطق جبل الزاوية وسهل الغاب ومواقع قريبة جداً من نقاط التماسّ المباشرة بين قوات المعارضة السورية والنظام مدعوماً بقوات ومليشيات عابرة للحدود، ولم تتوقف طائرات الاستطلاع الروسية عن التحليق فوق هذه المناطق.

كان هناك تكهن حول اتفاق جديد روسي-تركي قد يتم التوصل له على هامش قمّة رئاسية عُقدت في سوتشي نهاية سبتمبر/أيلول 2021 بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، وعكست التصريحات بعد اللقاء ملامح خارطة جديدة قد تكون نهائية لمناطق النزاع في سوريا بعد إحالة الملف السوري إلى الدفاع والخارجية لرسم خارطة توافق جديدة.

ولكن التصعيد الروسي -غير المتوقع- بعد اللقاء ارتفع وشمل مناطق من المفترض أن تخضع لتفاهمات منفصلة على تلك التي في إدلب حيث تعتبر أنقرة أنّ المناطق الثلاث "درع الفرات - غصن الزيتون - نبع السلام" هي آمنة وبعيدة عن عمليات الاستهداف العسكري بكونها خضعت لتفاهمات مشتركة بين القوى الفاعلة الإقليمية والدولية.

شملت الهجمات الروسية استهدافاً من قبل الطيران العسكري لمدينة مارع، كذلك استهداف من قبل تنظيم PKK الإرهابي لقواعد عسكرية تركية تنشط في المنطقة أدى إلى سقوط شهداء للجيش التركي، وتطوّر الأمر ليشمل مناطق تركية وصلت إلى ريف غازي عنتاب في مقاطعة karkamış.

عكست هذه التطورات حجم الأزمة وعدم التوافق بين الأطراف، على الأقل بين روسيا وتركيا، ما يُنذر بمرحلة جديدة من الصراع في سوريا، ولا سيما مع ارتفاع الرغبات التركية بشنّ عملية عسكرية رابعة على طول حدودها، وهذا ما عبّرَ عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقوله إنَّ الهجمات الأخيرة كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير.

أنقرة مصمّمة على عملية عسكرية مرتقبة

أثارت التصريحات التركية خلال الأيام الماضية تساؤلات حول احتمال تَحرُّك أنقرة بشكل منفصل وأحادي الجانب لشن عملية عسكرية جديدة على طول حدودها مع سوريا، ولا سيما مع دراسة حجم المخاطر والمكاسب التي قد تُحقَّق، وكان على صعوبة الأمر شبه إجماع لأسباب عديدة، أهمها تداخل خطوط التماس وقربها بشكل كبير بما يعوق إمكانية شنّ عملية عسكرية بلا توافق، إضافة إلى إمكانية خسارة أنقرة مكاسب حققتها منذ تدخلها المباشر والعسكري في سوريا في 24 أغسطس/آب 2016 ضمن عملية درع الفرات وما ترتب على هذا التدخل من تفاهمات مع كل من واشنطن وموسكو، ما مكّنَ أنقرة من تحويل التدخل العسكري إلى منجز سياسي وفق تفاهمات سوتشي بكل ملاحقها.

ولكن يبدو أنَّ أنقرة بالفعل مصرّة أكثر من أيّ وقتٍ مضى على شنّ عملية عسكرية جديدة وذلك بسبب عدم استقرار مناطق نفوذها في الآونة الأخيرة والتهاون الروسي والدولي في التعامل مع ملف التنظيمات الإرهابية.

ومما رفع احتمال أن تمضي أنقرة بهذه الخطوة وتُنهي مرحلة سابقة في طريقة إدارة ملف الخارجية على أساس التفاهمات الدولية أو الإقليمية، وتفتح مرحلة جديدة معتمدةً على قوتها الصاعدة تصريحات أدلى بها وزير الخارجية التركي تشاوش أوغلو في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2021، عن نيّة تركيا شنّ عملية عسكرية بشكل منفرد إذ تَطلَّب الأمر، ومع ذلك لم تؤخذ هذه التصريحات على محمل الجدّ لكونها صادرة عن جهة سياسية وليست عسكرية، ما يعني أنَّ أنقرة ما زالت تحاول المناورة السياسية، ولم يمرّ اليوم الثالث حتى قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، إنَّ بلاده ستقوم باللازم في المكان والزمان المناسبين لوقف الهجمات الإرهابية في شمال سوريا، ما يعكس نية أنقرة الإقدام على العملية العسكرية والاستياء من التقاعس والتهاون الدولي.

قد يُقرأ من هذه التصريحات الجدّية التركية في التعاطي مع الملف السوري سواء في كبح جماح موسكو باستهداف المناطق التي تخضع لنفوذ أنقرة أو على الأقلّ بإرسال رسائل ذات سقف مرتفع لكل من واشنطن وموسكو لوضعهما وتحميلهما مسؤولية خطوة العملية العسكرية بشكل منفرد، مما قد يدفع الأطراف إلى إعادة النظر بملف العملية وبحثها مع أنقرة وفق تفاهمات جديدة تحت الضغط، وهذا ما تأمله تركيا التي لا ترغب بالتحرك بشكل منفصل لتقليل حجم المخاطر والحفاظ على المكتسبات المُحقَّقة.

غرب الفرات احتمالات وفرص صعبة

يبقى السؤال الأكثر طرحاً: ما المناطق التي قد تشنّ عليها أنقرة عمليتها العسكرية؟ في الحقيقة الإجابة عن هذا السؤال تتطلب دراسة المناطق التي تضعها تركيا على أولوياتها، مع الأخذ بعين الاعتبار الحسابات الأخرى المتعلقة بالأطراف التي سيتم التوافق معها بشكل ثنائي أو توافق كلي "ثلاثي".

لدى أنقرة على الأقل ست مناطق تريد السيطرة عليها، ولكنها تركّز بشكل أساسي على أربع مناطق: تل رفعت، ومنبج، وعين العرب (كوباني)، والمالكية. ولكل منطقة حسابات مختلفة.

تل رفعت التي ينطلق منها معظم العمليات الهجومية ضد تركيا تعتبرها الأخيرة الأهمّ وعلى أولوياتها للحد من الهجمات العسكرية والحفاظ على استقرار مستدام في مناطق المعارضة التي تخضع لنفوذها، ولكن في ذات التوقيت يبدو أنَّ موسكو تتمسك بهذه المنطقة بشكل كبير لكونها تُعتبر قاعدة عمليات متقدمة لها يمكن أن تستخدمها بشكل دائم في استفزاز أنقرة.

إنَّ السيطرة على تل رفعت يعني السيطرة على الجيب الأخير المتبقي بين منطقة عفرين ومناطق النظام السوري كذلك الحد من التواجد الروسي في غرب الفرات بالإضافة لإنهاء آمال تنظيم (PKK) الإرهابي في شن عمليات عسكرية لاستعادة مدينة عفرين.

بينما يُعتقد أنَّ منطقة منبج ذات الموقع الجيوسياسي الاستراتيجي والجغرافي الكبير من حيث المساحة هي منطقة تحتاج لتوافق ثلاثي بين وموسكو وواشنطن وأنقرة، بالرغم من السيطرة الروسية شبه الكاملة على المدينة وانسحاب القوات الأمريكية في عهد ترمب من غرب الفرات، إلّا أنّ النفوذ الأمريكي ما زال مستمراً.

لذلك فخسارة منبج بالنسبة إلى روسيا ستكون كارثية، وتعني إنهاء وجودها في غرب الفرات وقطع حلقة الوصل بين غرب الفرات وشرق الفرات وتقويض وحصر مناطق نفوذ الإدارة الذاتية فقط بغرب الفرات، هذا ما عدا اقتراب قوات المعارضة السورية من قوات النظام السورية المنتشرة في ريف المدينة، بمحاذاة منطقة عين عيسى التي تُعتبر عاصمة الإدارة الذاتية الاستراتيجية.

كما أنَّ تركيا ترى في المنطقة مكسباً كبيراً بكونها بالإضافة إلى الأسباب الماضية ستساعدها على إعادة عدد كبير من السوريين إلى المنطقة بسبب مساحتها الكبيرة، كذلك توسيع مناطق سيطرة المعارضة السورية على طول نهر الفرات.

الأعيُن على شرق الفرات

لا تقلّ مناطق شرق الفرات أهميةً عن غرب الفرات، فتُعتبر منطقة عين العرب (كوباني) ذات أهمية كبيرة للإدارة الذاتية وروسيا بكون العمليات الهجومية تنطلق من هذه المنطقة التي تعتبر الثانية من بعد تل رفعت. تحرص تركيا على بسط سيطرتها عليها، ولكن ليس لهذا السبب وحده، بل لأسباب أخرى تتعلق بموقع المنطقة الجيوسياسي المهمّ الملاصق للحدود التركية-السورية، كذلك بكونها تشكّل حلقة وصل بين مناطق المعارضة السورية في ريف الرقة التي تمت السيطرة عليها بموجب عملية "نبع السلام" وعمق مناطق المعارضة السورية في ريف حلب وصولاً إلى إدلب، ولكنها تحتاج إلى تفاهم روسي-تركي مشترك، وقد تكون هي المنطقة الأكثر قرباً واحتمالاً لأن تشنّ عليها عملية عسكرية ما إن تم مقارنتها من حيث الأهمية بالنسبة لموسكو، ولكن الاتفاق قد يترتب عليه تفاهم روسي-تركي حول الخطوط التجارية الدولية ولا سيما جنوب M4 في إدلب.

على الطرف الآخر المنطقة الرابعة، وهي المالكية التي تقع على الحدود التركية-العراقية، وتُعتبر شريان الحياة الرئيسي لمناطق الإدارة الذاتية بسبب وجود معبر "سمالكا" الحدودي مع العراق المنفذ الوحيد للإدارة الذاتية نحو العالم.

تخضع المنطقة للسيطرة الأمريكية وتُعتبر حيادية مستقرة وتقيم بالقرب منها قوات التحالف الدولي وكذلك معظم منظمات المجتمع المدني المدعومة دولياً، والسيطرة التركية عليها تعني خنق مناطق الإدارة الذاتية وقطع شبكات التواصل بين تنظيم PKK الإرهابي في العراق وسوريا، بالتالي يمكن اعتبارها من المناطق الحساسة التي من الصعب أن تحصل عليها أنقرة بسهولة.

في المحصلة تبقى كل الاحتمالات مفتوحة وسط الإصرار التركي على شنّ عملية عسكرية مرتقبة على الرغم من خطورة الأمر وتداعياته على كل المستويات، ترجّح أنقرة خيار التنسيق والاقناع الدبلوماسي، ولكنها في ذات الوقت يبدو أنَّها باتت مقتنعة باستحالة منحها مكسباً جديداً على طول الحدود بلا مقابل، ووسط تمديد الإدارة الأمريكية لحالة الطوارئ يزداد المشهد تعقيداً، ولكن يمكن القول إنَّ تركيا مصمّمة أكثر من أيّ وقتٍ مضى على العملية العسكرية بصرف النظر عن المكان والحجم والجهة المُنفذة، ما يعني احتمال أن تعوّل أنقرة على الجيش الوطني السوري بشكل منفرد، وهذا خيار متاح وورقة رابحة يمكن الاعتماد عليها في تقليل حجم المخاطر بكون هذه القوة تُعتبر محلية وتشكيلاتها من أبناء المناطق السورية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي