ستبقى جلسة وداع بريطانيا في البرلمان الأوروبي محفورة في ذاكرة القارة، فالنواب الذين عادوا بأوراقهم إلى الجزر الغربية لم يذرفوا دموع الفراق، بل رفعوا أعلام بريطانيا في الجلسة كما لم يحدث من قبل، كأنهم انتزعوا استقلالهم من الهيمنة الأوروبية.

ظهرت الشعبوية على الملأ في خطاب ألقاه نايجل فاراج باسم النواب البريطانيين استفز فيه البرلمان الأوروبي، فاستدعى تعقيباً صارماً من نائبة رئيس البرلمان التي رأست الجلسة، الأيرلندية مايريد ماكغينز، التي وصمت خطاب فاراج الوداعي بأنه خطاب كراهية.

تبدّدَت الوعود الحالمة التي بزغت من عملية التقارب والوحدة التي انطلقت في أواخر الخمسينيات. تطلعت أوروبا إلى أن تنهض قطباً دوليّاً مقتدراً في عالَمها، أو أن تتشكل في صفة "ولايات متحدة أوروبية" أو كيان اتحادي متماسك له دستوره المعتمَد إلى جانب علمه ونشيده، وهي وعود استبطنها مشروع تكاملي تقدم بهدوء في مجالات عدة، حتى بدا أن الآمال قابلة للتحقق بالفعل مع توسُّعه الكبير باتجاه شرق القارة في العقد الأول من هذا القرن.

صحيح أن الاتحاد خسر دولة واحدة فقط من ثمانٍ وعشرين دولة، إلا أنها بريطانيا تحديداً التي تَشبَّع انعتاقها بالدروس المؤلمة للحالمين بالوحدة الأوروبية. ولهذا البلد حكايته مع الوحدة منذ أن تقاعست لندن عن الالتحاق بالمشروع في بواكيره الأولى لأنه لم يوافق مَيْلها التقليدي إلى الاختلاف عن القارة.

ثم رغبت بريطانيا في الانضمام إلى المجموعة الواعدة فوقفت لها فرنسا الديغولية بالمرصاد متشككة خلال الستينيات في إيمان القيادة البريطانية بالمشروع الأوروبي. صارت المملكة المتحدة من بعد، بحجمها ووزنها واقتصادها ونفوذها، من ركائز مشروع الوحدة بعد انضمامها إليه عام 1973، دون أن ينقطع الجدل البريطاني الداخلي بشأن جدوى هذا الالتحاق.

لم تَثِق لندن بسلامة اختيارها الأوروبي طوال نصف قرن مضى، فاستقل الجنيه الإسترليني عن آلية الصرف الأوروبية المشتركة للعملات، ثم أحجم عن الانضواء في الوحدة النقدية الأوروبية "اليورو". كان لبريطانيا تأثيرها الكابح في إبطاء مسيرة الوحدة، ونأت بنفسها عن اتفاقية شنغن للحدود المفتوحة رغم انضمام دول أوروبية خارج الاتحاد إليها مثل سويسرا والنرويج وأيسلنده. ثم قرّرَت بريطانيا الانعتاق من أوروبا باستفتاء شعبي اندفعت إليه مطلع صيف 2016، فانفصلت مع مطلع فبراير/شباط 2020 في خطوة ستستغرق تأثيراتها زمناً حتى تتجلى في المجالات المتعددة.

تجاوزت بريطانيا وأوروبا مخاوف انفصال غير منسق بعد اتفاق اللحظة الأخيرة على مرحلة انتقالية درأت تنفيذ "بريكست" دون ترتيبات متبادلة. لكن أبعاد الانفصال لن تقتصر على خروج دولة من عباءة الاتحاد، فالمسؤولون في بيروقراطية الوحدة لا يجرؤون على البَوْح بتلاشي الحلم التاريخي بقارة موحدة ومتماسكة، فطموح الكيان العملاق المركَّب يتركز الآن على الحفاظ على تماسُك أعضائه وانسجام حركته في واقع سريع التغيُّر وكثير المفاجآت، بما يبرّر الدعوات إلى إصلاحات بنيوية في الاتحاد.

انزال علم الاتحاد الأوروبي بعد تصويت البرلمان البريطاني على مشروع الخروج 
انزال علم الاتحاد الأوروبي بعد تصويت البرلمان البريطاني على مشروع الخروج  (DPA)

إن اتضح مع مرور الوقت أن خروج لندن جاء سَلِساً ومريحاً للبريطانيين حقّاً حسب وعود أنصار "بريكست"، رغم تجاذبات الساسة البريطانيين التي استغرقت ثلاث سنوات ونصف السنة، فإن "النهاية السعيدة" ستحفز مناهضي الاتحاد في دوله الأعضاء.

ليس متوقَّعاً أن يختفي الاتحاد الأوروبي في أمد منظور، لكن حلماً أوروبيّاً غامراً انقشع في الواقع، وسيتعين على أوروبا الاعتراف بقيود الواقع في التقارب والتكامل بين دول متفرقة الأهواء. يجوز الافتراض أن إحدى معضلات الوحدة جاءت من تضخيم الإحساس بها والارتفاع بشعاراتها فوق ما تحتمل.

فمن تجليات المأزق أن الوجدان الجمعي في الدول الأعضاء صار متحسساً من "هوية أوروبية" تمجّدها بروكسل وقد يراها نقيضاً للهوية الوطنية أو المحلية، حتى عُدّ الانتماء الأوروبي منافساً لروح الانتماء إلى "الوطن" وخصوصيته المغايرة للرقعة الأوروبية المتنوعة بطبيعتها.

ما عاد الحديث عن "القيم الأوروبية" رائجاً، فهو زمن التباهي بـ"القيم البريطانية" و"السويدية" و"الهولندية" وغيرها، وهي مقولات مشبعة بالانغلاق الثقافي على ذاتها والتنصل من شعارات مبدئية والتزامات قيمية منفتحة تتردّد عادةً في الخطاب الرسمي الأوروبي.

ثم إن تصميم الوحدة من أساسها بين دول لا يكفي لاعتبارها وحدة بين شعوب، وما فاقم هذه الإشكالية إبراز جدوى الوحدة بالمنافع المتبادلة، فتَعزَّز منطق نفعي يميل إلى حسبة ساذجة قوامها "كم ندفع؟ وكم نأخذ؟"، فصعدت سرديات الشكوى من التزامات نحو كيان الوحدة، وساد الإحساس بالغبن جراء مقارنات سطحية تستدعيها قوى شعبوية في المحطات الانتخابية.

من القسط الإقرار بأن أوروبا الموحدة حققت إنجازات كبرى في مسيرة التكامل الدؤوبة، فصارت سوقاً كبرى مفتوحة داخليّاً على قرابة نصف مليار نسمة ينشطون في تبادلات حرة بلا قيود مع حرية لا مثيل لها عالَميّاً في انتقال العمالة والاستثمارات والتبادل الطلابي والشبابي.

كما تطورت أنظمة تشريعية ضابطة ومعايير جودة موجهة تضمن لشعوب القارة منسوباً هو الأعلى عالَميّاً للحياة وجودتها. لكن البناء الاستراتيجي في المشروع ظلّ قاصراً في حقول أخرى حيوية، مثل السياسات الخارجية والدفاع.

فلا سياسة خارجية بمعنى الكلمة لأوروبا الموحدة، بل هي "علاقات خارجية" كما تسمى أو مواقف منسقة بالحد الأدنى غالباً بين أفراد أسرة ممتدة. تسببت سياسة الإجماع الأوروبية في كبح فرص المبادرة الأوروبية في السياسة الدولية وإبطاء حركتها، وإنْ ضَبَطت مواقف الدول الأعضاء إلى حد ما، كما اتضح مثلاً في المواقف الأوروبية المشتركة من أقطاب السياسة الدولية: واشنطن وموسكو وبكين، وإن تعارضت هذه المواقف أحياناً.

عجزت الوحدة عن تأمين غطاء دفاعي استراتيجي لها رغم محاولات ومقترحات عُرِضت عبر العقود الماضية، فظلّت القارة معتمدة على مظلة أطلسية تتحكم بها الولايات المتحدة. لكن دونالد ترمب لم يكفّ منذ دخوله البيت الأبيض مطلع سنة 2017 عن تذكير الأوروبيين بأن بلاده تحميهم وأن "عليهم أن يدفعوا أخيراً" إن أرادوا استمرار الحماية.

لم يكتفِ ترمب بإذلال أوروبا في استحقاقات "الناتو" وغيره، فقد حرّض بريطانيا علناً على مفارقة الاتحاد لأنه لا يرغب في أوروبا متماسكة. ترى واشنطن الجديدة أن التفاوض مع دول متفرقة في الملفات التجارية والاستراتيجية يبقى خياراً أنسب لها من الجلوس مع كتلة متماسكة مؤهلة لأن تفرض شروطها أو أن تتضامن في مواجهة ضغوط أمريكية مفروضة عليها.

وترى روسيا في المقابل مصلحة لها في تَضعضُع الوحدة، بما يتيح لها توظيف التناقضات الأوروبية. من شواهد الحالة أن الاقتراب من بوتين ظلّ خياراً يراود قادة وسط أوروبا وشرقها الذين يعاند بعضهم الاتحاد الأوروبي، كما اتضح مثلاً مع قيادة فيكتور أوربان في المجر التي تواجه انتقادات أوروبا وعقوباتها بجسور ممتدة مع روسيا وتركيا.

أما المأزق الجوهري الذي تواجهه الوحدة فهو مع خيارات الشعوب، المانحة للشرعية والثقة، في زمن السيولة السياسية والأمزجة المتقلبة والتحولات الجارفة، حتى صارت الديمقراطية المباشرة القائمة على الاقتراع الجماهيري والاستفتاءات الشعبية تهديداً للثبات والاستقرار في بنية مشروع الوحدة العملاق.

قد تجنح جولات انتخابية مقبلة بوجهات دول أعضاء إن صعدت بخصوم الوحدة المغامرين أو إن دفعت بشخصيات مُشاغِبة إلى اجتماعات القمة الأوروبية، وبعض ذلك حصل بالفعل في السنوات الأخيرة.

ما عادت الوحدة الأوروبية بعد خروج بريطانيا على ما كانت عليه في مطلع هذا القرن المفعم بالوعود. ويبدو أن الأسرة الأوروبية المكونة من سبعة وعشرين عضواً ستواجه تحدي الانسجام تحت سقف واحد في زمن التنافر والتحول. سيواصل الاتحاد رفع علمه المكلل بنجوم ذهبية على أرضية زرقاء داكنة كعتمة الليل، لكن الحلم الأوروبي يبلغ منتهاه مع الإفاقة على تحديات العشرية الثالثة من هذا القرن، وإن لم يُعترَف بذلك بعد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي