بعد غياب دام ثماني سنوات، حطت رحال زعيم حماس إسماعيل هنية في العاصمة الإيرانية طهران، في حدث مفاجئ كبير لم يقل مفاجأة عن الاغتيال الأمريكي للجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

أثارت هذه الزيارة غير المتوقعة غضب أوساط إقليمية عديدة، بدأت بالسلطة الفلسطينية، مروراً بإسرائيل، وصولاً إلى السعودية. ولكن يبدو أن الطرف الأكثر غضباً من هذه الزيارة هو مصر.

هذا الغضب المصري الذي تبدى في جملة مسلكيات سياسية واضحة لا تخطئها العين يعود في جذوره الأساسية إلى الرفض الصارم الذي أبدته القاهرة لمغادرة هنية لغزة المحاصرة، بعد تقدمه منذ انتخابه زعيماً لحماس صيف 2017 بطلبات عديدة للمخابرات المصرية لتمكينه من القيام بجولة إقليمية، وفي كل مرة كان التذرع المصري بحجة جديدة، وكأن هناك قراراً مصرياً إقليمياً، يشمل إسرائيل والسعودية، بإبقاء هنية تحت الرادار، وعدم السماح له بالتنقل بين عواصم المنطقة.

أخطر من ذلك، فقد تبين لاحقاً أن القاهرة في وقت سابق ساومت حماس على السماح لهنية لقيامه بهذه الجولة، التي ستشمل أصدقاء الحركة في المنطقة كقطر وتركيا وإيران، وسواها، حيث طلبت مصر أن تشمل جولته زيارة السعودية والإمارات أيضاً، حليفتا مصر وداعمتاها، لكن الحركة أكدت للمصريين أن قرارها مستقل.

ربما الجديد الذي دفع مصر لرفع الفيتو عن جولة هنية الخارجية ذلك النجاح النسبي لمباحثات التهدئة بين إسرائيل وحماس، التي رعتها القاهرة. وبذلك سمحت مصر لهنية بتنظيم جولته، مع وضع ما يمكن تسميته شروطاً وتمنيات ورغبات مصرية تتمثل بعدم زيارة هنية لإيران، وعدم مشاركته شخصياً بالقمة الإسلامية بماليزيا.

يصعب إغفال التأثير الإسرائيلي والسعودي على مصر لوضع هذين الشرطين، فإسرائيل لا تريد لحماس مزيداً من التقارب مع إيران كي لا تحصل على دعم عسكري إضافي منها. والسعودية اعتبرت قمة كوالالمبور مشروعاً بديلاً لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي تقودها، ومن أجل إفشالها قدمت إغراءات، ومارست ضغوطاً على دولتين كبيرتين هما باكستان وإندونيسيا، اللتان اعتذرتا عن حضور القمة.

أبدت حماس تفهمها للمطالب المصرية بعدم زيارة إيران وماليزيا، رغم أن ذلك أظهر القاهرة كما لو كانت وكيلة للرياض وتل أبيب في المنطقة، تنفذ أجندتهما السياسية، لكن رغبة الحركة بعدم قطع "شعرة معاوية" مع مصر، التي تتحكم في قطاع غزة، جعلها تبدي التزامها بالطلبات المصرية، لأنها تدرك تبعات ما يعرف بـ"دكتاتورية الجغرافيا". فلم تشأ إغضاب القاهرة، وهي التي تحاول ترميم علاقتها بها، بعد قطيعة قاسية بدأت مع صعود عبد الفتاح السيسي للحكم بعد الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي.

عقدت قمة كوالالمبور أواسط ديسمبر، وعلم كاتب السطور أن تحضيراً بروتوكولياً رئاسياً تم تحضيره لهنية، تضمّن إلقاء كلمة رئيسية بجانب رؤساء الدول المشاركة: مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي، ورجب طيب أردوغان الرئيس التركي، والشيخ تميم بن حمد أمير قطر، وحسن روحاني الرئيس الإيراني، مما سيمنح هنية مكانة سامية بين الرؤساء، وما لذلك من تبعات سياسية فلسطينية داخلية وإقليمية، مصر في القلب منها.

لكن حماس ضحت بهذه الامتيازات الكبيرة، لعدم رغبتها في إغضاب مصر، والإخلال بالتعهد الذي قطعته أمام مخابراتها، واستبدلت هنية بوفد قيادي رفيع المستوى شارك فيه زعيم الحركة السابق خالد مشعل وأعضاء المكتب السياسي موسى أبو مرزوق وعزت الرشق وحسام بدران، ولعل ذلك جاء برداً وسلاماً على القاهرة التي شعرت أن حماس باقية على التزاماتها وشروطها، وتتمثل بعدم ظهور هنية بجانب أولئك الرؤساء.

فيما يتعلق بإيران المكلومة باغتيال أخطر جنرالاتها، فقد شعرت حماس أن زيارة هنية إليها، ستشكل فتح صفحة جديدة كلياً معها، وتطوي بذلك معها أي سوء فهم سابق بخلافهما حول الأزمة السورية، وصولاً لزيادة الدعم المالي والعسكري الإيراني للحركة، مما جعل الأخيرة تعول كثيراً على إتمام زيارة هنية.

لكن حماس في بداية الأمر أظهرت التزامها بالطلب المصري بعدم زيارة هنية لإيران، وبدأ الجانبان، حماس وإيران، ببحثان خياراتهما وبدائلهما لإتمام التواصل المباشر بين الجانبين، لاسيما لقاؤهما بمكان ثالث يسهل انتقال هنية إليه، مثل تركيا أو قطر أو لبنان.

فجأة دخل اغتيال سليماني على خط هذه الترتيبات مثّل جملة اعتراضية غير متوقعة، وأعاد حسابات حماس بزيارة هنية لإيران من عدمها. صحيح أن الحركة أظهرت تضامناً كبيراً مع طهران باغتيال سليماني، وقدمت واجب التعازي لها بأكثر من مناسبة، وعبر عدة مشاهد، لكن زيارة هنية وحدها وأداءه لواجب التعزية للدولة الإيرانية، وعلى أراضيها، سيكون له مذاق آخر، وطعم مختلف.

قررت حماس أخيراً، بعد طول نقاشات، وأخذ ورد، أن يسافر هنية شخصياً لإيران للقيام بما تعتبره الحركة واجباً إنسانياً، بعيداً عن أي دلالات سياسية، حيث وصل طهران، وألقى كلمة حصرية بمراسم التشييع، ووصف سليماني بأنه "شهيد القدس"، وزار بيته، والتقى بخليفته الجديد، فجاءت ردود الفعل المصرية الغاضبة تترى، وُجدت ترجمتها في جملة سلوكيات مصرية على الأرض شعرت بها غزة، رغم أن الزيارة جاءت ضمن بروتوكول إنساني ليس أكثر.

فقد كان من المفترض أن يزور وفد رفيع المستوى من المخابرات المصرية قطاع غزة لاستكمال مباحثات التهدئة بين حماس وإسرائيل، لكن الوفد لم يأت بصورة مفاجئة، مع أن حماس كانت تتحضر للزيارة. صحيح أن مصر لم تعلن سبب إرجاء الزيارة لغزة، وربما إلغائها، وكذلك حماس، لكن هذه الخطوة شكلت برقية عاجلة للحركة مفادها أننا غاضبون من زيارة طهران.

عدم وصول وفد المخابرات المصرية لغزة قد ينعكس سلباً على أوضاعها الأمنية مع إسرائيل، وربما تذهب الأمور نحو التصعيد العسكري كما حصل في الأيام الأخيرة، حين قصفت الطائرات الإسرائيلية أهدافاً لحماس للمرة الأولى في العام الجديد، وربما تتدهور الأمور في القطاع مع غياب رجل الإطفاء المصري الذي يزور غزة كلما نشب توتر أو تصعيد.

في السياق ذاته، عاش الفلسطينيون في الأيام الأخيرة بقطاع غزة أزمة لم تحصل منذ سنوات، تتعلق بعدم توريد كميات كافية من الغاز المنزلي بسبب خلافات مع الشركات المصرية، ولئن كانت أسباب هذه الأزمة التي شعر بها سكان القطاع اقتصادية بحتة، وخلافات بين التجار الفلسطينيين والمصريين، لكن الفلسطينيين في القطاع قرأوها على أنها رسالة ثانية من مصر، بإمكانية التراجع عن سلسلة التسهيلات الإنسانية التي قدمتها للقطاع خلال الفترة الماضية.

كما طالبت الفصائل الفلسطينية مصر بإدخال تحسينات جديدة في معبر رفح الحدودي بين غزة وسيناء، وتسهيل تحركات الفلسطينيين بعد دخولهم المعبر باتجاه الأراضي المصرية، وصولاً إلى القاهرة.

أما صحيفة هآرتس الإسرائيلية، فقد زعمت أنّ القاهرة لن تسمح لهنية بالعودة قريباً إلى غزة، وفي حال نفذت مصر وعيدها هذا، أو رفضت السماح لقادة حماس في غزة بمغادرتها للخارج، فإننا سنكون أمام أزمة كبيرة بين الجانبين، رغم نفي الحركة تلقيها لهذه الإشارات المصرية.

وفي وقت لاحق، شن عدد من أعضاء مجلس الشعب المصري وأكاديميون ومحللون سياسيون مصريون، قريبون من صناعة القرار السياسي والأمني المصري، حملة قاسية ضد حماس وهنية، بزعم أن تنقله بين الدول يضر بالتمثيل السياسي الفلسطيني، ويصب في محاولات حماس الدائمة طرح نفسها كبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية، معتبرين ما يقوم به هنية من زيارات إقليمية موجهة ضد القيادة الفلسطينية لتمرير المشروع الحمساوي بإقامة دويلة وإمارة في قطاع غزة.

من الواضح أننا أمام ردود فعل مصرية متصاعدة في مختلف القطاعات: أمنياً وإعلامياً واقتصادياً، ضد حماس. ربما لا تذهب الأمور لقطيعة كاملة، فمصر تدرك أن حماس هي "رب البيت" في غزة، وهي غير معنية بقطع شرايينها في القطاع، الذي يعتبر حديقة خلفية لها في حدودها الشرقية، لاسيما وهو المجاور الملاصق لسيناء، الخاصرة الضعيفة للدولة المصرية، لكن القاهرة ربما تريد توجيه رسائل قاسية لحماس رداً على زيارة إيران.

في الوقت ذاته، لا يبدو أن حماس بصدد قطع علاقتها بإيران إرضاء لمصر، دون أن تدخل في صدام معها، فهي بحاجة للطرفين، ولعل حماس اكتسبت خبرة طويلة في الإمساك بالبيضة والحجر، رغم الكلفة التي قد تدفعها في المرحلة القادمة، لكن الحركة قد تحتمل ضغطاً مصرياً على مختلف الأصعدة، الذي سيؤثر سلباً على سكان القطاع، دون أن تضحي بحليف كبير وداعم أساسي مثل إيران.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي