خريطة تظهر حدول كل من تركيا واليونان (Others)
تابعنا

لتقليل الشرح وتجنُّباً لتكرار ما بات معروفاً، فإن الخريطة المرفقة تروي حكاية حرمان تركيا من حقوقها التاريخية والجغرافية كدولة بحرية.

فهي توضّح أن البحر التركي عبارة عن شريط ساحلي ضيق لا يتجاوز كيلومترين في بعض النقاط. وذلك لسببين، الأول سيطرة اليونان على جزر بحر إيجة حتى تلك المحاذية للبر التركي، والاستناد إلى هذه السيطرة لترسيم حدودها البحرية مع تركيا وقبرص ومصر وليبيا.

والسبب الثاني هو الوضع الملتبس لجزيرة قبرص، وقيام قبرص اليونانية بترسيم حدودها البحرية من جانب واحد بدون إقامة أي اعتبار لحقوق تركيا ولا لوضع جمهورية شمال قبرص أو حقوق القبارصة الأتراك، ومن ثم قيامها بإيداع الترسيم والاتفاقيات الموقعة لدى الأمم المتحدة لإضفاء البعد القانوني عليها.

رسم يوضح الحدود البحرية المزعومة لليونان والتي تعتبر حدودا غير عادلة نظراً للحقائق الجغرافية. (Others)

وردّت تركيا على ذلك بخطوات مماثلة، فبادرت إلى ترسيم حدودها البحرية من جانب واحد، وإيداعه لدى الأمم المتحدة أيضاً. والترسيم التركي في المتوسط وإيجة معطوفاً على استراتيجية الوطن المائي التي تشمل البحر الأسود، يرفع مساحة المياه التركية إلى نحو 460 ألف كلم2.

كما قامت تركيا بتوقيع اتفاقية لترسيم حدودها البحرية مع الحكومة الليبية، محققة بذلك اختراقاً مهماً عبّر عنه ببلاغةٍ نائب الرئيس التركي بقوله: "سنمزّق الخرائط التي تحشرنا منذ 100 عام في البر، وسنعيد كتابة التاريخ".

بحر إيجة.. بحيرة يونانية

وخلق هذا الوضع نزاعات معقدة على مساحات بحرية شاسعة بين اليونان وتركيا. ولكن التدقيق في هذه النزاعات يكشف ان جزر بحر إيجة عموماً والشرقية تحديداً هي "القفل والمفتاح"، ليس لأزمة ترسيم الحدود البحرية واستغلال موارد الغاز في شرق المتوسط، بل لإعادة ترتيب الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة. ويستند ذلك إلى حقيقتين، هما:

الحقيقة الأولى: الاختلالات الناجمة عن اتفاقيات وُقّعت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، مثل اتفاقية لوزان 1923 واتفاقية باريس 1947. وهما اتفاقيتان "عفا عليهما الزمن"، فقد وضعتا تحت السيادة اليونانية نحو 2940 جزيرة في بحر إيجة مقابل 60 جزيرة فقط لتركيا.

أما الأدهى من ذلك فيتعلق بجزر دوديكانيسيا الجنوبية المحاذية للبر التركي، التي قامت إيطاليا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية بتسليمها لبريطانيا التي قامت بدورها بتسليمها لليونان بدلاً من إعادتها إلى السيادة التركية، بكل ما يحمله ذلك من انتهاك للاعتبارات الجغرافية والتاريخية، والأهم من انتهاك للبند 12 من معاهدة لوزان التي تنصّ صراحة على أن "أي جزيرة تقع على بعد أقل من 3 أميال من الأناضول تكون تابعة حكماً لتركيا".

وتبعاً لهذه المعطيات، فقد تَحوَّل بحر إيجة إلى "بحيرة يونانية"، إذ تُقدَّر حصة اليونان من إجمالي مساحته بنحو 44% مقابل أقلّ من 8% لتركيا، ونحو 48% مياه دولية.

ولم تكتفِ اليونان بذلك، بل تسعى منذ ثمانينات القرن الماضي، لتغيير الوضع القانوني لبحر إيجة لزيادة المياه الإقليمية من 6 إلى 12 ميلاً بحرياً، استناداً إلى تفسير قاصر لقانون البحار، وهو الأمر الذي يرفع حصتها إلى 71% وحصة تركيا إلى 9%، ويقلّص المياه الدولية إلى 20%.

وهذا المسعى اصطدم بموقف حاسم من تركيا التي أبلغت منذ سبعينيات القرن الماضي أمريكا وأوروبا أن أي تعديل في مساحة المياه الإقليمية ستعتبره إعلان حرب، لأن ذلك سيجعل الملاحة في بحر إيجة مستحيلة بالنسبة إلى تركيا دون إذن ومعرفة اليونان. كما اتجهت اليونان منذ عدة سنوات إلى محاولة فرض أمر واقع بالنسبة إلى المجال الجوي فوق الجزر الذي يجب أن يكون مساوياً للمياه الإقليمية، بزيادته من 6 إلى 10 أميال، وهو الأمر الذي يخلق الاحتكاكات المتكررة مع سلاح الجو التركي.

ترسيم حدود عجائبي

الحقيقة الثانية: اختلالات قانونية تتعلق بقيام اليونان بترسيم حدودها البحرية انطلاقاً من تلك الجزر حتى المحاذية للبر التركي، مستندة إلى تفسير قاصر وربما خاطئ لقانون البحار المتعلق بالجزر، إذ تم إعطاء ما يُعرَف بالقانون الدولي التأثير الكامل للجزر ودون إقامة أي اعتبار للجرف القاري ولاعتبارات بالغة الأهمية ينصّ عليها قانون البحار مثل "العدالة والإنصاف" والمعاملة الخاصة للجزر.

وصدرت أحكام بشأن عشرات القضايا من المحكمة الدولية لقانون البحار ومحكمة العدل الدولية القاضية بعدم إعطاء أي تأثير لجزر كبيرة نسبياً وقريبة من البر الرئيسي للدولة المعنية.

وللدلالة على عمق وفداحة هذه الاختلالات نسوق مثالاً يتعلق بجزيرة ميس (كاستيلوريزو)، فهي تبعد نحو كيلومترَين عن البر التركي، وأكثر من 580 كيلومتراً عن البر اليوناني، ولكنها تقع تحت السيادة اليونانية. بل أكثر من ذلك، يتم اعتبارها امتداداً للبر اليوناني في ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة. واستعادة تركيا لهذه الجزيرة يؤدّي تلقائياً إلى زيادة مساحة منطقتها الاقتصادية من 42 إلى 142 ألف كيلومتر مربَّع.

ويمكن القول إن هذا الواقع القانوني المعقَّد يرجع في جانب كبير منه إلى تَمسُّك اليونان بموقفها ورفضها تقديم أي تنازلات، وكذلك رفض الاحتكام إلى المحاكم الدولية للنظر في أصل الخلاف وإصرارها على حصر البحث في بعض التفاصيل التي ترى أنها قد تكون لصالحها مثل الجرف القاري.

وشهد الوضع مزيداً من التعقيد في ظلّ تطورين: الأول اعتماد تركيا دبلوماسية البوارج والحفارات لمنع استغلال موارد الغاز في المناطق المتنازَع عليها، وإرسال سفن الاستكشاف والتنقيب التركية للعمل في هذه المناطق. والتطور الثاني اندفاع اليونان إلى تركيب تحالفات معادية لتركيا تضمّ بعض دول الاتحاد الأوروبي ودولاً إقليمية، وتم استكمالها بإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، وذلك بهدف محاصرة تركيا وإطالة أمد السيطرة على جزر بحر إيجة.

كما قامت اليونان بعسكرة وتسليح الجزر التي وضعت تحت سيادتها بعد الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن المادة 14 من معاهدة باريس تنصّ صراحةً على عدم تسليح هذه الجزر.

إضافة إلى قيامها بمنح تسهيلات وقواعد عسكرية لأمريكا وبعض الدول الأوروبية في مسعى لترسيخ تحالفاتها وتوفير الحماية لها بمواجهة تركيا، مع أن التاريخ يثبت أن القواعد العسكرية لا تحمي وأن التحالفات ليست مستدامة وتتغير تبعاً لتغير المعطيات الجيوسياسية.

معطيات جيوسياسية تسهّل الحلول

ونصل إلى مربط الفرس، حيث تتجمع مؤشرات ومعطيات جيوسياسية جديدة قد تفتح مجالاً لحل معضلة ترسيم الحدود البحرية. ومن هذه المعطيات احتمال تغير التحالفات لصالح تركيا التي تتحول بسرعة إلى قوة إقليمية رئيسية تحرص الدول الكبرى على استمالتها. ومنها أيضاً الدور المركزي لتركيا في مواجهة تداعيات الحرب على أوكرانيا وتعزيز حلف الناتو. وكذلك في إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط.

ويبدو واضحاً أن تركيا التقطت كرة التحولات المرتقَبة، فبادرت إلى التجاوب مع المساعي الأمريكية للتقارب معها، وكذلك إلى تسوية الخلافات مع دول المنطقة ونقل العلاقات معها إلى خانة التفاهم والتعاون.

يُضاف إلى ذلك عامل مستجدّ بالغ الأهمية يتعلق بغاز شرق المتوسط والحاجة الملحَّة إلى الإسراع في استغلاله وتصديره إلى أوروبا كبديل جزئي ولكن مستدام للغاز الروسي.

فقد بات معروفاً أن استغلال الاحتياطيات الضخمة خصوصاً غير المكتشَفة أو المكتشَفة وغير المعلن عنها، يصطدم بعقبتين مترابطتين: الأولى النزاعات الحدودية بين دول المنطقة، والثانية استحالة تصدير الغاز عبر خطوط أنابيب إلى أوروبا دون حل هذه النزاعات بما يحقّق العدالة لتركيا.

لأن الخط الوحيد المجدي والقابل للتنفيذ هو الخط الذي يربط حقول المتوسط بميناء جيهان التركي. أما خط "إيستميد" الذي يمر عبر اليونان إلى إيطاليا، فهو أقرب إلى "خط أنابيب سياسي" لمحاصرة تركيا. وقد ثبت عدم جدواه الاقتصادية فور طرحه، كما "سقطت جدواه السياسية" بإعلان أمريكا مؤخراً إلغاء دعمها له. وهو موقف بالغ الدلالة، خصوصاً أن إعلانه جاء عبر بيان أصدرته السفارة الأمريكية في أثينا. أما خيار تصدير الغاز المسال فيبقى محدوداً بمحدودية محطات التسييل التي تقتصر على محطتين في مصر، وكذلك محدودية محطات التغويز (إعادته إلى حالته الغازية) في أوروبا.

ليبقى السؤال: هل تلتقط اليونان أيضاً كرة التحولات، فتبادر إلى دفن أحقاد التاريخ في أعماق بحر إيجة، وتعتمد لترسيم حدودها البحرية مقاربةً تقوم على المصالح وحسن الجوار والاستغلال الأمثل لموارد البحار؟

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي