من فشل إلى فشل يجرّ وليّ العهد محمد بن سلمان السعودية التي بات أمنها على المحكّ.

بمجرد توليه موقع ولاية العهد، وإحكامه القبض على السلطة، قام محمد بن سلمان ببناء تصميمه الكبير، الذي ابتكره لنفسه وللمنطقة، معتمداً على سخائه الاقتصادي، وعلى الدعم المفرط من إدارة الرئيس دونالد ترامب.

دعونا نستذكر الأيام التي أطبق فيها ابن سلمان على كرسي ولاية العهد، ومن ثم إعلانه الحرب على اليمن، وتهديده بنقل المعركة إلى الداخل الإيراني، وزجه بكبار الأمراء في سجن "الريتز كارلتون".

حينها، ظهر الرجل بمظهر القوي العنيد المختلف، وأراد منا أن نرى في السعودية قوة إقليمية مبادرة، وقوة عسكرية ناجزة قادرة على التفرد وتطويع الصعاب.

أطلق الأمير ابن سلمان خطة اقتصادية غريبة البنية والأطوار "2030"، لكنه لم يقف عند حدود الاقتصاد، بل قرّر أن يشتبك مع المسألة الاجتماعية والدينية، مُحرِقاً المراحل والسفن، فاتحاً النار على كل الجبهات، فلم يسلم الحلفاء ولا الخصوم.

وجد الأمير المتهور، قليل الخبرة، آذاناً صاغية في البيت الأبيض، فقد احتضنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، واعتبره هدية السماء التي يسهل عصرها واستثمارها مقابل ضمان العرش المنتظر وتمرير الخطط المجنونة.

اليمن.. الفشل الأبرز والمستنقع الفييتنامي

لا تبدو السعودية بأحسن حالاتها اليوم، ولا تبدو الأماني بعد مرور أربع سنوات على "سعودية ابن سلمان" متحققة، أو في وارد التحقق ، بل على العكس توجد مؤشرات على فشل ذريع لا يمكن التغطية عليه.

من اليمن، يأتي التهديد الأبرز، فسماء وأرض وحدود المملكة تتعرض لضربات من الحوثيين، تلك الجماعة التي استخدمتها الرياض يوماً لغايات وقف تقدُّم الربيع اليمني الشعبي وللحَدّ من طموحه.

أراد ابن سلمان، من خلال إعلان الحرب في اليمن، إثبات سطوته العسكرية وقدرته على المبادرة والعسكرة، فإذا بالأداة العتيقة "الحوثيين" تتحول إلى عدو غير قابل للانسحاق.

عندها اكتشف العقل السياسي السعودي المرتبك بطيء الاستيعاب أن ذراعاً لإيران حديدية نَمَت في حديقتهم الخلفية، وها هم أولاء يعجزون عن هزيمتها أو وقف نموّها.

في اليمن تتورط السعودية دون أفق، يتخلى الحلفاء عنها، حتى الإمارات تتركهم لمصيرهم المجهول، وهنا يظهر العجز "الابن سلماني" عن صياغة استراتيجية خروج من مستنقع دخله متباهياً، فإذا به يتلقى الضربات في كل الأرجاء.

بسبب اليمن، حيث موت الأطفال والدمار والأمراض، يظهر ابن سلمان ومملكته بمظهر مجرمي الحرب، إذ تطالب جهات متعددة في أمريكا وأوروبا بمحاسبتهم ومنع تصدير السلاح إليهم، وهنا تتركب حالة الانكشاف لتضمّ  الفشل الأخلاقي إلى جانب الفشل السياسي والعسكري.

شرارة خاشقجي.. أمير مارق وسقوط القناع الإصلاحي

سمعة وليّ العهد السعودي تضررت جذرياً بعد جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي، فالجريمة وملابساتها وطريقة تنفيذها والتعاطي معها، تُظهِر أن الرجل لا يمكن أن يكون إصلاحيّاً ولا يمكن الاعتماد عليه.

هذه الجريمة فتحت الأبواب لنقاش معمَّق داخل المؤسسات الأمريكية حول أحقية ابن سلمان وجدارته في تولي منصب الملك، وظهر سؤال "الأمير المارق" ومدى أهليته ليكون من النوع الموثوق به في المستقبل.

سجلّ ابن سلمان الحقوقي انهار بشكل كامل، فما بذله من جهود لإثبات صورته الإصلاحية، تَبدَّد تحت وطأة ما جرى لخاشقجي مروراً باعتقالاته التعسفية للعلماء والمشايخ وللناشطات. 

مشكلة محمد بن سلمان أنه لا صديق له في أمريكا إلا ترمب، فقد خسر كل المؤسسات العميقة "التشريع والإعلام والاستخبارات"، وأظنه بعد مرحلة ترامب سيشعر بكلفة الانكشاف الباهظة.

التنمر على الحلفاء ومغادرتهم له

من أهم أسباب ومظاهر انحسار نفوذ محمد بن سلمان، طريقته في معاملة حلفائه التقليديين، فقد أعاد انتاج تعريف العلاقة وحاول نقلها من مرحلة التحالف إلى مرحلة التبعية.

هنا خسر الرجل الأردن والمغرب، وقطر بعد الحصار، واستعدى تركيا بتدخله في شؤونها، حتى مصر تعامل معها بلغة "التسليع" فبادلته ذات المنطق.

أما الضربة الموجعة فجاءت من الإمارات، التي قررت أخيراً فض الشراكة مع الرياض، وبدأت البحث عن مسارات جدبدة في العلاقة مع أيران ومع المجتمع السياسي الأمريكي.

إيران.. محطة أسقطت غطرسته وطموحاته معاً

يدرك ابن سلمان تماماً، أنه قد فشل في دفع الإدارة الأميركية للدخول في مواجهة شاملة مع طهران. صحيح أنه شعر بالنشوة حين انسحب ترامب من الاتفاق النووي، لكن المآلات تقول بقرب مرحلة تفاوض أخرى ستجعل من إيران قوة مستمرة ومعترفاً بها حتى من واشنطن.

مقابل كل ذلك يواصل ابن سلمان شراء الأسلحة بالمليارات، لكنه يفشل في استخدامها، سواء على الجبهة اليمنية أو غيرها، وبعد كل ذلك يسمح بعودة الجنود الأمريكان للتمركز في السعودية بعد أن غادروها منذ أكثر من 13 سنة.

مفارقات عديدة تثبت أن الرجل يعيش مرحلة عدم يقين في موقفه من "القوة الإيرانية"، ثم تأتي الضربة القاصمة بتصالح أبو ظبي مع طهران، فينكشف ابن سلمان أمام نفسه وشعبه على السواء.

الورطة الكبرى في ملف القضية الفلسطينية

العلاقة مع إسرائيل تغيرت في عهد ابن سلمان، تحولت إلى علاقة حب وتحالف، فرغم التمسك الظاهري بالمبادرة العربية، فإن كل الدلائل الجازمة تشير إلى أن الرياض تدعم صفقة القرن، وتضغط على الفلسطينيين والأردنيين للقبول بها.

تطبيع مجاني تمرّره السعودية وتشجّعه، ومن ثم تعمل على منع الدعم الاقتصادي عن السلطة والفلسطينيين، وإذا بها تفصل مسار العلاقة مع تل أبيب عن الحقوق الفلسطينية، وتلك سابقة لم يجرؤ عليها ملك سعودي منذ تأسيس مملكتهم.

هنا خسرت "سعودية ابن سلمان" كل أنواع التعاطف الشعبي العربي، والسبب أنها لامست وتراً حساساً، لا يقترب منه إلا مجنون أو مارق أرعن.

ختاماً.. الانحسار والانكشاف لا يحتاج إلى عدسات مكبّرة

كما قلنا في البداية، بعد ورطة اليمن، وانسحاب الإمارات، واقتراب التفاوض الإيراني-الأميركي، وصمود الفلسطيني، وهجمة المؤسسات الأمريكية ما عدا ترمب على القيادة السعودية، وبعد خسارة السعودية حميمية العراق ومصر والأردن والمغرب ورام الله، وبعد بقاء الدوحة وأنقرة واقفتين على أقدامهما بعزم.

بعد ذلك كله، يمكن الجزم أن التصميم الكبير الذي رسمه محمد بن سلمان لنفسه وللسعودية وللمنطقة، قد فشل فشلاً واضحاً، وأن نفوذه ينحسر، وفي قادم الأيام ستكون عملية الترميم مكلفة وتعتورها ظلال من الخيبة والشك.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي