خشية أن يقلب "المُحْدَثون" الديمقراطيون ميزان القوى ضد رجل ليبيا القوي المخضرم، هدَّد فرعون مصر الحديث الرئيس عبد الفتاح السيسي حكومة الوفاق المُعترَف بها دولياً بأنَّ حكومته يمكن أن تتدخل عسكرياً إذا سيطرت قوات الوفاق على مدينة سرت الساحلية.

ربما يتفوق الجيش المصري عدداً، لكن لا يمكنه تحمل الدخول في حرب، حتى بمساعدة أموال الخليج.

لم يستغرق محور الأوتوقراطية العربي وقتاً طويلاً حتى بدأ يطلق التهديدات بعدما طُرِد خليفة حفتر، الذي كان يُنتظَر أن يصبح الديكتاتور العسكري الحاكم لليبيا، من العاصمة طرابلس الشهر الماضي، لينتهي بذلك الحصار الذي استمر 14 شهراً للمدينة على نحوٍ درامي.

وخشية أن يقلب "المُحْدَثون" الديمقراطيون ميزان القوى ضد رجل ليبيا القوي المخضرم، هدَّد فرعون مصر الحديث الرئيس عبد الفتاح السيسي حكومة الوفاق الوطني المُعترَف بها دولياً بأنَّ حكومته يمكن أن تتدخل عسكرياً إذا سيطرت قوات حكومة الوفاق الوطني على مدينة سرت الساحلية، في زحفها نحو الشرق وصولاً إلى دولة ليبية آمنة قابلة للحياة.

ورغم أنَّ مصر لديها بلا شك أعداد هائلة من الجنود والتقنية العسكرية وتحظى بدعم دول مثل الإمارات والسعودية، ممولتي أغلب الحركات المناهضة للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإنها تواجه على الأرض حقائق إستراتيجية تعني أنَّ تهديدات السيسي مثيرة للضحك وغير قابلة للتطبيق عسكرياً.

التدخل التركي حطَّم آمال حفتر

أولاً، من الضروري تسليط الضوء بدقة على سبب تمكن حكومة الوفاق الوطني من هزيمة ما يسميه حفتر بالجيش الوطني الليبي، ودفعه إلى الانسحاب من طرابلس وعدة محاور قتال، بعدما كان على وشك السيطرة على العاصمة في العام الماضي.

كان التدخل التركي في الصراع الليبي بناءً على طلب حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في أواخر 2019، هو ما عكس مسار المعركة بالكامل ضد حفتر. وبعدما كان الجيش الوطني الليبي الذي تمتع بدعمٍ شامل من روسيا ومصر وفرنسا والإمارات والسعودية، قادراً في السابق على استخدام تفوقه الجوي لضرب أهدافٍ برية تابعة لقوات حكومة الوفاق الوطني متى أراد ذلك، مما كبَّد الأخيرة خسارة أراضٍ ودفعها إلى الاختباء في مواقع محمية داخل المدن، جاءت الطائرات بدون طيار التركية المتطورة لتعكس مسار الحرب وتُحوِل موقف حفتر الهجومي إلى هزيمة مؤكدة.

ومن ثم استطاعت حكومة الوفاق الوطني الانتقال من عمليات دفاعية بحتة إلى موقف هجومي أقوى، ممِّا مكَّنها من استعادة أراضٍ وأصول إستراتيجية حيوية، بما في ذلك قاعدة الوطية الجوية، وتحريك خط المواجهة شرقاً نحو قاعدة حفتر في بنغازي.

ليس غريباً إذاً أن يزداد قلق مصر والإمارات والسعودية على حليفها الليبي. وتخوض تركيا بالفعل محادثات مع حكومة الوفاق الوطني حول استخدام قاعدة الوطية والقاعدة البحرية في مصراتة، ممَّا سيسمح لها بإيجاد موطئ قدم عسكري أكثر ديمومة في جنوب البحر المتوسط. وهذا يعني أنَّ أنقرة لن تتمكن فحسب من الاستمرار في دعم قوات طرابلس وحمايتها وتدريبها، بل أيضاً تعزيز وضعها الإستراتيجي فيما يتعلق بمصالحها في استكشاف الطاقة في البحر المتوسط ​​التي يعارضها حالياً حلفاء الجيش الوطني الليبي، وكذلك إيطاليا واليونان.

ولا شيء قد يثير قلق محور الأوتوقراطية العربي أكثر من مشاهدة تركيا وهي تُشكِّل تحالفات إستراتيجية ذات منفعة متبادلة مباشرة في الفناء الخلفي لدول هذا المحور. إذ تعمل تركيا على تأمين مصالحها الأمنية القومية في سوريا، وتدرس حالياً خيارات تأسيس وجود عسكري أكثر استقراراً في شمال العراق، وصار لها الآن رأيٌ حاسم في مستقبل ليبيا.

كان يُنظَر إلى نجاح حفتر على أنه جزءٌ من الحملة المناهضة للديمقراطية التي حرَّض عليها السعوديون والإماراتيون لإخماد ما تبقى من الربيع العربي، واستهلال عصر جديد من الاستبداد في المنطقة. وفي المقابل يوضح فشله كيف يمكن لفاعلين محليين شرعيين إحباط هذه الخطط بدعم من قوى صديقة تعارض وجهة نظر الأوتوقراطيين للعالم.

إجمالاً ما دامت حكومة الوفاق الوطني تتمتع بدعم الحكومة التركية، فإنَّ آمال حفتر في حل عسكري للصراع الليبي ستتحطم تماماً، ويهرول داعموه حالياً لمحاولة احتواء الخسائر.

الصورة العسكرية غير مُبشِرَة لمصر

ومن ثم فمن مصلحة تركيا وحكومة الوفاق الوطني بلا شك التمسك بدخول مدينة سرت والسيطرة على شعبية الجفرة الواقعة جنوبي المدينة الساحلية.

والسبب الأول هو أنَّ سرت تقع على الطريق الرئيسي الواصل بين طرابلس، مقر حكومة الوفاق الوطني، ومقر الجيش الوطني الليبي في بنغازي شرقي ليبيا، وهي محور يربط الطرق التي تقود جنوباً إلى الجفرة.

يعني تأمين مدينة سرت تأمين الطرق، وفي دولة كبيرة مثل ليبيا أغلبها صحراوية، فإنَّ السيطرة على شبكات الطرق تعني امتلاك القدرة على نشر وحدات عسكرية متنقلة أسرع على الخطوط الأمامية. وسيسهل ذلك أيضاً الموقف الدفاعي من خلال السماح بانتشار الدفاعات بسهولة أكبر وتزويدها بتعزيزات وأسلحة جديدة. لذلك فإنَّ تأمين سرت في الشمال والجفرة إلى الجنوب سيشكل خطاً يمكن الدفاع عنه، وسيُمكِّن من حماية النصف الغربي من ليبيا من المزيد من اعتداءات حفتر.

إلى جانب ذلك فالجفرة غنية بالنفط، وعلى الرغم من أن حفتر سيبقى مسيطراً على معظم النفط شرق ليبيا، فإنَّ السيطرة على الجفرة ستمنح حكومة الوفاق سلعة حيوية يمكنها تداولها شرعياً في الأسواق العالمية باعتبارها السلطة الوحيدة المُعترَف بها دولياً.

وتمتلك ليبيا بعضاً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، خاصةً بالنسبة إلى بلد عدد سكانه صغير يُقدَّر بنحو 5 ملايين نسمة؛ ممَّا سيفتح الباب أمام زيادة الاستثمارات وتحسين مستويات معيشة الليبيين العاديين الذين أضناهم ما يقرب من عقد من الفوضى وسيرحبون بالاستقرار.

وعلى الجانب الآخر، وبافتراض أنَّ السيسي قرر تنفيذ تهديده بالتدخل عسكرياً، فلديه قوة تشتبك بالفعل في صراع منخفض الحدة في سيناءفي مصر، ومجندون يحصلون على رواتب زهيدة لن يكون لديهم دافع لخوض حرب على تربة أجنبية.

أضف إلى ذلك أنَّ الاقتصاد المصري في حالة اضطراب والفساد مستشرٍ، ممَّا سيطرح مشكلة معنوية. وسيرى الجندي المصري العادي أنَّ حكومة الوفاق لا تمثل أي تهديد لبلاده، فهي بعيدة نسبياً، وهو لن يستمتع بفكرة خوض حرب السيسي في الصحراء بخدمات لوجستية وسلسلة إمداد واسعة النطاق.

فرغم كل شيء، حين يعيش ثلث المواطنين المصريين في فقر مدقع نتيجة السياسات الاقتصادية للرئيس السيسي، فلماذا يخاطرون بأرواحهم ويهُبون للدفاع عن ديكتاتور ليبي لم يتمكن من الحفاظ على خطوطه الأمامية؟

ورغم تفوق الجيش المصري العددي والتقني من الناحية البرية، لن تتمكن قوات السيسي من الاستمرار طويلاً في ليبيا، فلا يمكن لاقتصادهم تمويل مثل هذه الحرب، وحتى لو موَّلها عرب الخليج الأثرياء لن يكون أداء الجنود جيداً بسبب الافتقار إلى الروح المعنوية والتحفيز الذي لن يتضاعف إلا إذا اضطروا إلى الصمود أمام حملة جوية تشنها الطائرات بدون طيار التركية المتطورة.

وعلى حد تعبير نابليون بونابرت، أحد أشهر القادة في التاريخ: "في الحرب، الروح المعنوية هي ثلاثة أرباع عوامل النصر".

إنَّ الأفضلية المادية للجيش المصري ليست على درجة من القوة والحسم تكفي لتجاوز الروح المعنوية المنخفضة لجنوده. وبالتالي، فإن كل ما عدا النتيجة السابقة مستبعد، فسرت والجفرة ستسقطان في قبضة حكومة الوفاق الوطني، ولن يتلقَى حفتر أي تعزيزات تقليدية كبيرة من السيسي رغم وعيده.

وبالمثل فإنَّ حكومة الوفاق الوطني ليست قوية بما يكفي للتقدم شرقاً والاستيلاء على بقية البلاد؛ وهذا يعني للأسف أنَّ ليبيا ستنقسم إلى قسمين حتى يحل اليوم الذي يتمكن فيه الطرفان المتناحران من الاتفاق على حل سياسي.

لكن في غضون ذلك ستكون حكومة طرابلس الشرعية على الأقل آمنة، ويمكنها المضي قدماً في شؤون الحكم.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

هذا المقال مترجم عن موقع TRT World

المصدر: TRT عربي