في كل قضايا التجسس والمراقبة تقريباً تبرز أسماء لامعة كإسرائيل والإمارات والصين والولايات المتحدة، حتى باتت حرية التعبير على الإنترنت على المحكّ.

مع مرور الوقت باتت تترسخ لدينا قناعة أن حلم الحرية والانعتاق الذي حفزته الإنترنت بانتشارها السريع والهائل بات يتلاشى خصوصاً مع الأخبار التي تتوارد من عن الحكومات الليبرالية واستغلالها للإنترنت وتطبيقاتها في عمليات التجسس والمراقبة وقمع الحريات.

كان دعاة الليبرالية والتعددية الثقافية قد شعروا بالانتشاء بداية تسعينيات القرن العشرين عندما رأوا من إمكانيات هائلة تحملها شبكة الإنترنت في جعبتها لتعزيز التضامن الجمعي، وتسريع التواصل ونقل المعلومة لغايات الاتصال وتلاقح الأفكار وبناء الوعي المشترك.

شكّل انطلاق الإنترنت من رحم الديمقراطية الليبرالية الأساس الفكري الذي بنى عليه الرواد الأوائل من المبرمجين والمتخصصين آمالهم. لطالما حملت الديمقراطية الليبرالية كمشروع سياسي سمات حضارية ذات نزعات تبشيرية. ومع الإنترنت تعززت هذه النزعات وأخذت جرعات من التفاؤل تجاه نشر مبادئ الديمقراطية الليبرالية حول العالم.

كان الرهان على التمايز الذي ستظل الديمقراطية الليبرالية الغربية تستأثر به فيما يتعلق بالفلسفة الحاكمة للإنترنت والتي تقوم بالأساس على حرية الوصول والتعبير. كانت النماذج الأخرى التي باتت تظهر بعد ذلك خصوصاً النموذج الشرقي المكون من الصين وروسيا يعكس وجهاً آخر للإنترنت، يقوم على فلسفة الاستغلال والمراقبة. كان هذا الوجه القاتم هو الذي يذكر دائماً دعاة الفلسفة الليبرالية بضرورة الاشتغال بالمحافظة على شبكة الإنترنت حرة ونزيهة.

غير أن حادثة سنودن وعملية الكشف الهائلة التي أفصح عنها قد تسببت بأولى الصدمات التي لحقت بالحلم الليبرالي الرقمي. إن جوهر ما جاء به إدوارد سنودن، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن الوطني الأمريكي ذات النفوذ الواسع، يتمحور حول البرامج التجسسية واسعة النطاق التي تبنتها الحكومة الأمريكية ليس ضد مواطنيها وحسب بل أيضا ضد قادة العالم وضمنهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية كالمستشارة الألمانية أنجلينا ميركل.

تحت ذريعة الأمن ضربت السلطات الأمريكية بمبادئها الليبرالية عرض الحائط؛ فالتجسس الذي تم تبريره من أجل حماية الأمن القومي تحول إلى ذريعة بيد السلطات الحاكمة للتجسس على المواطنين الذين يمتلكون حصانة كاملة وفق مبادئ دولة القانون على معلوماتهم الخاصة ولا يجوز انتهاكها إلا بأمر من السلطات القضائية.

قد يبدو التبرير مقبولاً في شكله العام؛ فالتصدي لظواهر الإرهاب والجريمة المنظمة والتطرف يحتاج في كثير من الأحيان إلى تعزيز قدرات الدولة الرقابية والقمعية. ولكن علينا ألا نغفل عن أن هذه الظواهر لا تشكل الأصل بل الاستثناء، أي أنها لا تتعدى أن تكون الأقلية وعلى هامش المجتمع. وبناء على ذلك لا يجوز أخذ غالبية المجتمع رهينة بسببها. لقد أثبت الكاتب والصحفي الأمريكي فريد كابلان في كتابة "المنطقة المعتمة: التاريخ السري للحرب السيبرانية" أن برامج التجسس بغرض مكافحة الإرهاب لم يكن لها ذلك الدور الفعال في منع الهجمات الإرهابية. وأن الحالات التي رصدت لم تتجاوز أن تكون ضمن خانة "غلبة الظن".

في هذه الحالة التي كشف عنها سنودن وغيرها، لم يكن أصل التجسس والمراقبة هو الصادم، لقد درجت جميع الدول منذ القدم على اتباع مبدئي المراقبة والتجسس لدواع أمنية. ولكن هذه المرة كان نطاق هذا التجسس ونطاق هذه المراقبة هو المثير للصدمة. لقد أصبحت الحكومات من خلال البنية الرقمية التي توفرها الإنترنت ونظراً لاعتمادنا المفرط عليها قادرة على التجسس والمراقبة وجمع المعلومات من كل مواطن منّا بغض النظر عن درجة قربه أو بعده من دائرة النشاط السياسي أو دوائر التأثير المجتمعي أو درجة معارضته للحكومة.

إن هذه القدرة التجسسية والرقابية للحكومات غير مسبوقة بالتاريخ. وبذلك نرى أنه وبدلاً من أن تكون الإنترنت هي الوعاء الذي يتنفس منه المواطنون عطر الحرية، أصبحت ذلك المستنقع الذي تتجمع فيه جميع بياناتهم الشخصية لتكون عرضة للاستباحة من قبل الحكومات بغض النظر عن نوع هذه الحكومات أكانت ديمقراطية أم دكتاتورية.

في هذا السياق نرى أن شركة فيسبوك مؤخراً تقدمت بدعوى لمقاضاة إحدى عمالقة الشركات التكنولوجيا الإسرائيلية على خلفية الخروقات التي نفذتها هذه الشركة من خلال بيع تطبيقاتها للتجسس الإلكتروني لحكومات تتصف سجلاتها لحقوق الإنسان بالبشاعة والاستهتار.

فمنذ عدة أيام قامت WhatsApp برفع دعوى قضائية ضد شركة المراقبة الإلكترونية الإسرائيلية NSO Group في محكمة اتحادية في الولايات المتحدة، مدعية أن تكنولوجيا التجسس التي تنتجها الشركة قد استخدمت في خدمتها للمراسلة الفورية في حملة واسعة النطاق استهدفت الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان. وأكدت WhatsApp، المملوكة لـFacebook، في الدعوى القضائية أن برنامج مجموعة NSO كان يهدف إلى إعادة استخدام WhatsApp للتجسس على أكثر من 1400 شخص في 20 دولة.

وهنا نرى ذلك النفاق المبادئي؛ فلطالما ادعت إسرائيل أنها دولة ديمقراطية وليبرالية؛ ولطالما أقرّ لها المجتمع الدولي بذلك، حتى تغنت حكوماتها المتعاقبة بأنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط الذي تتلاطمه أمواج الدكتاتورية والحكم الشمولي في كل مكان. مع ذلك لم يمنع ادعاؤها الديمقراطية والليبرالية من بيع هذه التطبيقات التجسسية إلى أكثر الحكومات قمعية على مستوى الشرق الأوسط مثل حكومة الإمارات والبحرين والسعودية ومصر.

لقد تم دهس مبادئ الليبرالية وحقوق الإنسان تحت حجة المصالح التجارية والاعتبارات الأمنية. وإذا كانت الصين وروسيا والدول الأخرى التي تشابههم قد مثلت التحدي الأكبر لسياسة الإنترنت الليبرالية في الفترة السابقة فإن الدول الديمقراطية كالولايات المتحدة وما يسمى بإسرائيل لا تقل عنهم تحدياً لها. وربما هذا ما أشار إليه يوماً الرئيس الأمريكي السابق بارك أوباما عندما قال بما معناه أنه لا بدّ من التضحية ببعض الخصوصية في سبيل الحفاظ على الأمن.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي