سارعت واشنطن بداية من 8 أكتوبر/تشرين الأول للتدخل بشكل مباشر في مجريات الصراع، فأرسلت مجموعتين قتاليتين بحريتين برفقة حاملتي الطائرات فورد وأيزنهاور وغواصة نووية إلى المنطقة / صورة: AA (AA)
تابعنا

أطاحت الحشود العسكرية التي أرسلتها واشنطن إلى البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي والبحر الأحمر بنهج تخفيف البصمة العسكرية الأمريكية في المنطقة، الذي بلغ ذروته مع الانسحاب الأمريكي الكامل من أفغانستان عام 2021، وذلك بعد عشر سنوات من الانسحاب من العراق، وهو ما اتسق مع تصريح بايدن بأن "الوقت قد حان لإنهاء الحروب الأبدية التي كلفت الولايات المتحدة دماءً وأموالاً لا حصر لها"، وتشديد جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي على إعطاء الأولوية للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهو ما تحوَّل إلى بند في استراتيجية الأمن القومي التي نشرتها إدارة بايدن في عام 2022، شدد على ضرورة "التحول من استراتيجية تقودها الولايات المتحدة ومدعومة من الشركاء إلى استراتيجية يقودها الشركاء ومدعومة من الولايات المتحدة".

وقد انتقلت الحشود العسكرية إلى القتال الفعلي عبر شن سلسلة من الغارات والقصف الصاروخي على اليمن مطلع عام 2024، ولذا كتبت سوزان مالوني نائبة رئيس معهد بروكينجز مقالاً في دورية فورين أفيرز (شؤون خارجية) قالت خلاله: "لقد بددت الحرب في غزة الوهم القائل بأنَّ واشنطن قادرة على تخليص نفسها من المنطقة التي هيمنت على أجندة الأمن القومي الأمريكي طيلة نصف القرن الماضي".

كيف تشكل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة؟

في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية احتل الشرق الأوسط أولوية ضمن المصالح الأمريكية، التي دارت حول ضمان إمدادات النفط من الخليج، ومنع الاتحاد السوفييتي من الوصول إلى منابع النفط والمياه الدافئة، والحفاظ على أمن إسرائيل، لكن تمركزت أغلب القوات الأمريكية المخصصة للشرق الأوسط في قواعد عسكرية بأوروبا.

عقب الإطاحة بحكم الشاه في إيران وغزو السوفييت لأفغانستان، هدد الرئيس الأمريكي كارتر في خطاب "حالة الاتحاد" في عام 1980 بأن "أي محاولة من قِبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية لأمريكا، وسيُصد مثل هذا الهجوم بكل الوسائل، بما في ذلك القوة العسكرية".

وضمن هذا السياق بدأت واشنطن بتعزيز قدرتها على الانتشار في المنطقة عبر عقد اتفاقيات للسماح بالوصول البحري والمرور عبر الأجواء، والتخزين المسبق للأسلحة في المخازن الاستراتيجية بالمنطقة، وزيادة وتيرة التدريبات العسكرية المشتركة مثل تدريب النجم الساطع مع الجيش المصري، وصولاً إلى تأسيس فرقة الانتشار السريع، التي تطورت في عام 1983 لتصبح القيادة المركزية الأمريكية التي تشرف حالياً على منطقة تمتد من مصر إلى الخليج ووسط وجنوب آسيا.

تغيرت خريطة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة بعد غزو العراق للكويت عام 1990، إذ انتشر الجيش الأمريكي في قواعد عسكرية بالكويت والإمارات وقطر والسعودية، ثم في العراق بعد غزو 2003، وصولاً إلى سوريا والأردن في عام 2014.

وخاض كذلك الجيش الأمريكي حربين في المنطقة في وقت واحد في أفغانستان والعراق، ووصل حجمه في الشرق الأوسط في أثناء عام 2008 إلى 200 ألف جندي مقارنة بعدد 74 ألف جندي أمريكي في آسيا، و66 ألف جندي في أوروبا، وهو ما يوضح مدى أهمية الشرق الأوسط آنذاك في الاستراتيجية الكبرى الأمريكية.

سارعت واشنطن بداية من 8 أكتوبر/تشرين الأول للتدخل بشكل مباشر في مجريات الصراع، فأرسلت مجموعتين قتاليتين بحريتين برفقة حاملتي الطائرات فورد وأيزنهاور وغواصة نووية إلى المنطقة

مبررات تخفيف البصمة العسكرية

شددت إدارة ترامب على تحول الاستراتيجية الأمريكية من مكافحة الإرهاب إلى التنافس الاستراتيجي مع القوى العظمى، وبالتحديد مع الصين وروسيا، ومن بعدهما كوريا الشمالية وإيران.

وجادل أنصار تخفيف البصمة العسكرية بأن البنتاغون قادر على تخفيض ميزانيته الدفاعية بنسبة 15% في حال تخليه عن وجوده العسكري في المنطقة، وفق ما أوردته دراسة للباحث تشارلز جلاسر.

وشددوا على أن خفض الحضور سيساهم في تحرير الموارد المالية والقدرات القتالية لتوجيهها نحو الأماكن الاستراتيجية ذات الأولوية، مثل شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادي-الهندي، بحجة أن التنافس بها مع الصين خلال السنوات العشر المقبلة سيكون حاسماً في تشكيل النظام الدولي، وفق تعبير استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، وأيضاً لتعزيز الانتشار العسكري في أوروبا في مواجهة طموحات موسكو لاستعادة نفوذها مثلما تجلى في حرب أوكرانيا.

كما أكد أنصار تخفيف البصمة العسكرية أن تخفيض الحضور سيحدّ من احتمالات انخراط الولايات المتحدة في صراعات غير ضرورية، وسيقلّل من تعرضها لهجمات، مثل التي تعرضت لها في تفجير الخبر بالسعودية في عام 1996، أو في بيروت عام 1983، أو التي تتعرض لها حاليا في العراق وسوريا.

وأشاروا إلى تراجع اعتماد الولايات المتحدة على النفط والغاز المستورد من الخليج بعد تحولها إلى دولة مصدّرة للغاز، بالتزامن مع ثورة النفط الصخري التي جعلتها أكبر دولة منتجة للنفط في العالم بواقع 13 مليون برميل يومياً، وذلك بعد أن كانت واشنطن تستورد 27.8% من الخليج من بين إجمالي وارداتها النفطية في عام 1977.

ضمن السياق أعلاه، شرعت الولايات المتحدة في نقل إسرائيل لتبعية القيادة المركزية الأمريكية بدلاً من القيادة الأوروبية، مما يسمح لتل أبيب بالانخراط في تدريبات عسكرية مشتركة مع الدول العربية لتعزيز العمل العسكري البيني، وعقد اتفاقيات إبراهام للسلام مع الإمارات والبحرين والمغرب، فضلاً عن رعاية محادثات للتطبيع بين الرياض وتل أبيب، بالتزامن مع إعلان بايدن عن مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط بين الهند وأوروبا عبر الخليج وإسرائيل، وهو ما مهد لأن تصبح إسرائيل عضواً طبيعياً في المنطقة يقود تحالفاً مع الدول العربية المطبعة لملء فراغ تخفيف الحضور العسكري الأمريكي.

الولايات المتحدة لم تستطع المضيّ في تخفيض وجودها العسكري بالمنطقة، الذي يتراوح حالياً ما بين 40 إلى 60 ألف جندي

انهيار الاستراتيجية الأمريكية

لم تنهَر الدفاعات العسكرية الإسرائيلية في غلاف غزة صبيحة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحدها، إنما انهارت الاستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط، فضربت إدارة بايدن عرض الحائط بنصوص استراتيجيتها للأمن القومي حين استشعرت الخطر على أمن إسرائيل، وأن ما حدث يضرب المشروع الاستيطاني في قلبه المرتبط بالأمن.

لذا سارعت واشنطن بداية من 8 أكتوبر/تشرين الأول للتدخل بشكل مباشر في مجريات الصراع، فأرسلت مجموعتين قتاليتين بحريتين برفقة حاملتي الطائرات فورد وأيزنهاور وغواصة نووية إلى المنطقة، وبعثت 2000 جندي لتقديم الدعم والمشورة للعملية البرية الإسرائيلية، ودشنت خط إمداد جوي بالذخائر، كما أرسلت الجنرال جيمس غلين إلى جانب ضباط آخرين للمشاركة في غرفة العمليات لمساعدة الإسرائيليين في حرب المدن، فيما حلقت طائرات مسيّرة أمريكية في سماء قطاع غزة لتحديد موقع الأسرى المحتجزين لدى حماس.

وطلب البيت الأبيض من الكونغرس دعماً لإسرائيل بقيمة 14 مليار دولار، وأخيراً شن ضربات ضدّ الحوثيين في اليمن، وضدّ بعض المجموعات المسلحة الموالية لإيران في العراق وسوريا، مثل كتائب حزب الله العراقي وحركة النجباء، وهو ما يهدد بتوسع الحرب لتصبح إقليمية.

كذلك قدمت واشنطن دعماً سياسياً مفتوحاً بلغ ذروته بحضور بايدن جلسة حكومة الحرب التي شكلها نتنياهو، في أول زيارة لرئيس أمريكي لإسرائيل في تاريخها وقت حرب، كذلك زار إسرائيل وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيان، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، وقائد المنطقة المركزية، فضلاً عن مستشار الأمن القومي، ومدير المخابرات المركزية، كما استخدمت المندوبة الأمريكية الفيتو في مجلس الأمن لعرقلة قرار يدعو لوقف إطلاق النار.

بالتزامن مع ما سبق، عاد الحديث عن أهمية الشرق الأوسط للمصالح الأمريكية، وصعوبة الانفكاك عنه، مع ربطه بالاستراتيجية الأمريكية الأكبر عبر الإشارة إلى اعتماد الصين على النفط المستورد من الخليج بنسبة 44% من استهلاكها، وهو ما يجعل الوجود الأمريكي في المنطقة ضرورياً لقطع إمدادات الطاقة من المنبع عن بكين في حال اندلاع حرب معها، وكذلك لمنع توسع الحضور العسكري الروسي في المنطقة، الذي ينتشر في قواعد عسكرية في سوريا وليبيا، وذلك للحيلولة دون تطويق موسكو للحافة الجنوبية للناتو والقارة الأوروبية.

أما من الناحية الاقتصادية فيجادل أنصار تعزيز الوجود العسكري بأن إبقاء القوات الأمريكية المتمركزة في الخليج أقل تكلفة من نقلها إلى أماكن أخرى، إذ تساهم الدول المضيفة في نفقات تشغيلها كما في إنفاق قطر لثمانية مليارات دولار لتوسيع قاعدة "العديد" التي توجد بها القوات الأمريكية.

خريطة الانتشار الأمريكي في الشرق الأوسط

إنّ الولايات المتحدة لم تستطع المضيّ في تخفيض وجودها العسكري بالمنطقة، الذي يتراوح حالياً ما بين 40 إلى 60 ألف جندي، حسب عمليات التناوب ونشر مجموعات حاملات الطائرات (في أكتوبر/تشرين الأول 2023).

وستظل مصالحها المرتبطة بحفظ أمن إسرائيل، والهيمنة على خطوط المواصلات البحرية بما فيها من إمدادات طاقة، والقلق من انتشار النفوذ الصيني والروسي أو صعود التيارات الإسلامية مجدداً، تمثل نقاط جذب تشد واشنطن كلما ابتعدت، وهو ما يتسبّب في استنزاف مواردها، ويدفعها إلى الغوص عميقاً في وحل صراعات وحروب الشرق الأوسط التي لا تنتهي، بسبب الرفض المتصاعد للاحتلال الصهيوني والأجنبي، والتصدي للأجندات الدولية والإقليمية التي لا تراعي احتياجات شعوب المنطقة ومصالحها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي