منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يزور منطقة لوهانسك في أوكرانيا (Maksim Levin/Reuters)
تابعنا

لدى فلاديمير بوتين ما يُبهجه في ظلال الأزمة الروسية-الأوكرانية، ذلك أنّ موسكو تعود إلى ضبط الإيقاع الدولي من جديد، وتفرض على واشنطن أن تتفاوض معها جولة بعد جولة من موقع الندِّية، بينما تتوارى أوروبا عن إدارة أزمة دولية تدور على أرضها، رغم بلاغات لفظية متعاقبة تصدر من بروكسيل، كما كان يجري في الحرب الباردة تقريباً.

عندما شرعت إدارة بايدن في مخاطبة أوروبا بعد التنافر الذي أحدثه عهد ترمب معها، استدعت أواصر مشتركة وتعبيرات تحالفية تقليدية مع القارّة. سُمِعَت من الإدارة الجديدة، وقتها، مفردات الحرية وحقوق الإنسان ضمن مبرِّرات للتخندُق الغربي المشترك على جانبي الأطلسي في مواجهة الصين وروسيا التين تُرمَى بانتهاك هذه القيَم، فأظهرت واشنطن حرصها على اصطفاف أوروبا معها في ما تبدو حرباً باردة جديدة.

طوى جو بايدن، الذي يبدو وقوراً للغاية مقارنة مع دونالد ترمب، عهد الإذلال اللفظي الذي دأب عليه سلفه في تعامله الفوقي مع الأوروبيين.

ورغم العبارات المنمّقة في العهد الأمريكي الجديد فإنّ سلوك واشنطن العملي خيّب توقّعات أوروبية مُتفائلة. أدارت الولايات المتحدة ملف الانسحاب من أفغانستان بطريقة أوجعت حلفاءها الأوروبيين الذين اصطفّوا خلفها في غزو البلاد واحتلالها عشرين سنة تكّبدوا خلالها خسائر جسيمة وتجارب مريرة. لن ينسى الأوروبيون أنّ واشنطن تفاوضت مع حركة طالبان وأبقت حلفاءها الأوروبيين بعيداً عن ترتيبات الانسحاب التي انتهت بمشهد فوضوي في مطار كابول على مرأى من العالم.

وما إنْ اجتذبت الولايات المتحدة بريطانيا عقب انسلالها من أوروبا، حتى دشّنت تحالفاً ثلاثياً ضمّ أستراليا أيضاً، فأثارت حنق الأوروبيين المُستبعَدين من التكتل الاستراتيجي الأنغلوسكسوني المكرّس أساساً لمواجهة الصين.

صُدِمت باريس من قرار كانبيرا، المتزامن مع إعلانها الثلاثي مع واشنطن ولندن، القاضي بإلغاء صفقة غوّاصات فرنسية كبرى بتحريض من واشنطن ولندن، كي تحصل على غوّاصات أمريكية أكثر تطوّراً بمقتضى التحالف الجديد، فجاء ردّ فرنسا عاصفاً ومتشنِّجاً في تعبيراته اللفظية وخطواته الدبلوماسية.

اهتزّ البيت الأطلسي على نحو أعاد إلى الأذهان ما قاله إيمانويل ماكرون سابقاً بأنّ "الحلف في حالة موت سريري"، واستشعر الأوروبيون من جديد تراجُع دورهم في عالم متعدِّد الأقطاب، وأنّ تحالفهم مع الولايات المتحدة لم يضمن لهم شراكة حقيقية في قمرة القيادة، فكما تفاوضت واشنطن وحدها مع طالبان ها هو جو بايدن يجلس وحده مع فلاديمير بوتين ليقرِّرا بشأن ملفّات عالقة وإن مسّت أوروبا في المقام الأوّل.

تقف أزمة روسيا وأوكرانيا اختباراً جديداً لأوروبا الموحّدة ولمتانة الشراكة بين جانبي الأطلسي أيضاً. تقول واشنطن إنّ مباحثاتها مع موسكو بخصوص التصعيد مع أوكرانيا تجري بالتشاور مع الحلفاء والشركاء في أوروبا، لكنّ واقع الحال أنّ الاتصالات الأمريكية الروسية ما زالت ثنائية كما عبّر عنه اجتماعان عن بُعد خلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2021 قبل الاجتماع المقرر في جنيف بين ممثلي البلدين يومي التاسع والعاشر من يناير/كانون الثاني الجاري.

حتى إنْ التأمت اجتماعات موسّعة في هذا الشأن بمعية حلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا كما هو مقرّر الشهر الجاري، فإنّ بوتين لن يتنازل عن حرصه على الطابع الثنائي للمحادثات مع بايدن ومع الأطراف الأوروبية كلٍّ على حدة، فهو يتحاشى تصليب الكتلة الأطلسية في مواجهة روسيا، ويحاول استعادة مشهد ثنائية القطبية مع واشنطن بعد المرارة التي تجرّعتها موسكو جراء انهيار الاتحاد السوفييتي، ولتأكيد صدارة روسيا في المشهد الدولي.

فللأزمة بُعدها الرمزي بالنسبة لروسيا، وضرائبها المعنوية الموجعة بالنسبة لأوروبا الموحّدة، أو لباريس وبرلين على وجه الخصوص.

يخشى الأوروبيون أن يقتصر دورهم على مراقبة مخاطر تدور نُذُرها في جوارهم وأن لا يتجاوزوا حدود ردود الأفعال الجزئية اللاحقة على سلوك روسيا أو التصرُّف ضمن مسارات ترسمها الولايات المتحدة لهم، رغم أنّ التطوّرات الأخيرة وثيقة الصلة بالأمن الأوروبي بالأحرى.

لا يقتصر سلوك روسيا على حشد قواتها على حدود أوكرانيا، فالأزمة تتجلّى على حدود الاتحاد الأوروبي مباشرة من خلال تدفقات اللاجئين الموجّهة من جانب بيلاروسيا، حليفة موسكو التي عُدّ سلوكها هذا ابتزازاً موجعاً لأوروبا. ومن شأن أي تصعيد مع روسيا أن تتردّد أصداؤه في ثنايا البلقان أيضاً، فيكفي أن يُنثَر الملح فوق جراح لم تندمل في أقاليم مرشّحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، علاوة على تهديدات محتملة لأمن الطاقة الأوروبي.

عندما تقرِّر واشنطن ما يتعيّن فعله بشأن مسار الأزمة مع موسكو فلن يتبقّى هامش واسع للأوروبيين كي يتصرّفوا بخلافه، وسيتعيّن عليهم اللحاق بالموقف الأمريكي أو مسايرته، وإنْ احتفظوا بمسافة أمان تراعي بعض مصالحهم، كما يتوقع من سيرة العلاقة الألمانية-الروسية على نحو خاص.

تفرض التطوّرات المستجدّة على أوروبا أن تتعايش مع هواجس متجدِّدة على تخومها الشرقية، وأن تستذكر لحظة العجز التي تملّكتها مع الولايات المتحدة عندما قضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا خلسة في سنة 2014.

يستأنف بوتين لعبته المفضلة في توتير أعصاب القادة الأوروبيين وشريكهم الأطلسي الغربي واستدراج إدارة بايدن للتفاوض معه في غمرة انشغالها بالتحدِّي الصيني. بل إن بيلاروسيا الصغيرة، التي تدور في الفلك الروسي، بدت قادرة على إشغال الاتحاد الأوروبي والضغط عليه من خلال ملف اللاجئين الحسّاس جداً.

لا تُعدَم أوروبا أوراق قوّتها في التعامل مع التحدِّي الروسي، فهي تراهن على عامل الردع الاقتصادي في مواجهة روسيا علاوة على محاولة تعزيز موقف أوكرانيا، وهي إن تصرّفت في هذا الشأن فسيأتي ذلك في مقام ردّ الفعل لا المبادرة، وتحت سقف الموقف الأمريكي بطبيعة الحال. لكنّ العقوبات الاقتصادية لا تخلو من أضرار على أوروبا ذاتها، وقد تخسر مفعولها في الردع الاستباقي إن قرّر بوتين خوْض مغامرة جريئة في الميدان لن يُعدم مبررات معينة للإقدام عليها في لحظة الحقيقة، من قبيل مزاعم عن هجوم استهدف قوات روسية مثلاً أو تهديدات تقتضي منه الردّ.

لدى أوروبا ما تخشاه أيضاً من التصعيد الجاري، على صعيد أمن الطاقة، واحتمالات الانزلاق إلى سباق تسلُّح صاروخي متبادل بين الولايات المتحدة وروسيا على أراضيها. فإنْ اقتربت منصّات الصواريخ الأمريكية من روسيا لن تعجز نظيرتها الروسية على الاقتراب من العمق الأوروبي أيضاً، كأن تُنصَب على أراضي بيلاروسيا، ولن ينفكّ الأوروبيون حينها عن استذكار مقولة ترمب بأنّ أمريكا هي التي تحميهم.

داهمت هذه التطوّرات الاتحاد الأوروبي لتفرض أولويات معيّنة على الرئاسة الفرنسية للاتحاد خلال النصف الأول من هذه السنة، التي تواجه تحدِّي الغياب عن إدارة الأزمة الروسية-الأوكرانية من جانب وعقد قمة استراتيجية موعودة من جانب آخر. يُنتظر من هذه القمّة أن تبحث خيارات دفاعية أوروبية مشتركة ظلّت فرنسا تُنادي بها دون أن تجد ترجمة عملية فعّالة حتى الآن.

يلحظ الأوروبيون سعي القيادة الروسية إلى فرض حضورها بجرأة غير مسبوقة تعيد أجواء الحرب الباردة مجدداً، فهي تخيّرت توقيتاً ملائماً لخوض المغامرة أو التهديد بالإقدام عليها حسب تكتيك حافّة الهاوية.

فالبيت الأبيض بدا قبيل الأزمة الروسية-الأوكرانية منشغلاً باستدراك عهد ترمب وإعادة ضبط الوجهة الأمريكية التي تمنح الأولوية للتعامل مع التحدِّي الصيني الصاعد. اندلعت الأزمة بعد أن أخفق مشروع غزو أفغانستان رغم عشرين سنة من الحرب والاحتلال وتهيئة قوات محلية موالية لواشنطن وحلف الأطلسي، انتهى إلى أن تجرّ القوات الأمريكية وحليفتها الأطلسية أذيال الخيبة على مرأى من العالم. ثمّ إنّ العلاقات الأطلسية شهدت قبيل الأزمة أزمة ثقة أفصحت عنها قضية الغواصات الفرنسية، بينما تَضْمُر مكانة أوروبا الموحّدة بين الأقطاب الدولية بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد واضطراب الأولويات الأوروبية الخارجية التي تتصدّرها شواغل الهجرة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي