هل خرجت الفتاوى الدينية في مصر عن السيطرة؟ (Getty Images)

تعاني مصر خلال الأعوام الأخيرة سيلاً من الفتاوى غير المنضبطة، والتي تُثير جدلاً واسعاً مِن حين لآخر، ويرى مراقبون أنها تشارك في انتشار الشّبهات ونفور كثيرين، خصوصاً من الأجيال الشابّة، مِن الدّين ومظاهر التديّن.

وانتشرت ظاهرة سيل الفتاوى الشاذّة على ألسنة غير المتخصصين حتى أصبح مصطلح "الفُتي" في العامية المصرية يعكس نوعاً من "الهزء أو الحديث بغير علم".

وخلال الأيام القليلة الماضية، عادت الظاهرة تُلقي بظلالها على المناخ الديني والاجتماعي في مصر، فبعد فتوى الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر بإجازة "زواج البارت تايم"، خرج الدكتور أحمد ممدوح مدير إدارة الأبحاث الشرعية وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الثلاثاء، بفتوى جديدة مثيرة للجدل ترى جواز "ترقيع غشاء البكارة أو رتقه".

ولمحاولة ردع تفشّي الظاهرة والتداعيات السلبية الناتجة عنها، طفقت المؤسسات الدينية الرسمية في مصر تبذل خطوات وجهوداً لمكافحة الظاهرة والحدّ من انتشار تلك الفتاوى، واعتماد هيئات محددة مصدراً للفتوى بالبلاد.

تعمُّد إثارة اللغط

يعتبر مراقبون للشأن الديني بمصر أنّ الفتاوى غير المنضبطة المنتشرة على الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي بالبلاد والتي خلقت حالة من "فوضى الفتاوى"، ناتجة في الأساس عن غياب القيود والمهنية والمسؤولية داخل أروقة الفتوى في مصر، إضافة إلى رغبة مِن البعض بالظهور في بؤرة الاهتمام والحصول على نسب مشاهدات عالية.

ولم يسلم الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق من تلك الاتهامات، حيث خرج هو الآخر بسيل من الآراء الفقهية الشائكة والأحاديث مراراً عنها في محافل عديدة. ويأتي ضمن ذلك تطرقه للحديث عن فتوى "إرضاع الكبير"، والتي كان الدكتور عزت عطية رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر قد فجّرها مُدعياً جواز "إرضاع الموظفة لزميلها في العمل حال وجودهما معاً في مكتب واحد لمنع وجودهما في خلوة شرعية".


وبعد اللغط الذي أُثير حول المسألة، أزاد جمعة من البلبلة في حديث لاحق حول الفتوى، حيث قال بإنه لا يُشترط وصول لبن المرأة إلى هذا الشخص "عبر أن يرضع الشاب الكبير من ثدي المرأة مباشرةً"، مضيفاً أنه "من الممكن أن يتم إيصاله إلى الشخص عن طريق الفنجان أو الكوب"، على حد قوله.

واعتاد الناس سماع فتاوى غريبة من الشيخ جمعة مثل أنّ "شرب الخمر والحشيش بعد الإفطار لا يبطل الصوم"، أو تطرقه لقضايا أخرى بمقاربة مثيرة مثل فتواه بعدم حرمة الانتحار.

وتسببت آراء وفتاوى مفتي مصر السابق إضافة إلى توجهاته وأحاديثه الدينية المختلفة المتعمّدة لإثارة اللغط بتجريده من عضويته بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

انتقاء الآراء الفقهية الشاذة

يلقى العديد من المشايخ والمفتين المصريين من المتخصصين وغير المتخصصين انتقادات واسعة من مراقبين حول فحوى الفتاوى الدينية الصادرة عنهم، والتي لا تُعبّر ولا تعكس صحيح الدّين الإسلامي الحنيف، وذلك دون إلقاء بالٍ بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم كرجال دين منوط بهم نشر الفضيلة وتقريب الناس للدّين لا تنفيرهم عنه.

ففي حديث لـTRT عربي، أرجع إسلام هلال، الباحث الأكاديمي الأزهري المتخصص في الشريعة والقانون، انتشار الظاهرة إلى "سعي كثير من المُفتين، المتخصصين وغيرهم، إلى انتقاء الفتاوى الشاذة من خبايا كتب التراث الفقهي القديم، والتي تحوي آراء شائكة غريبة وأفكاراً لا تناسب الواقع الحالي".

وتابع الباحث أنّ تلك الكتب القديمة تتضمن اجتهادات "تتناسب مع أزمنة بعينها ووقائع محددة وقعت في الماضي"، وأنها في الأصل "آراء علميّة واجتهادات غير ملزمة"، ولا يجوز "استحضارها ومحاولة تطبيقها في وقتنا الحالي حتى على سبيل التندُّر"، على حد تعبيره.

وأردف هلال أنّ مثل تلك الآراء الشائكة "ينبغي أن تُفحَص أولاً من علماء متخصصين داخل أروقة الدراسة الأكاديمية، وذلك قبل عرضها على عموم الناس حتى لا تُحدِث بلبلة بلا داعٍ"، مُحذّراً من انتشار ظاهرة التشكيك في الدّين وإثارة الشبهات حول التراث الإسلامي بين قطاعات عريضة من الشعب المصري، والناتجة عن إطلاق الفتاوى الشاذّة غير المنضبطة.

وتطرّق الباحث الأكاديمي إلى الطاقات المُهدرة الناتجة عن تلك الفتاوى، "حيث يمكن لجملة واحد تُعرَضُ علناً على العوام، أن تضطر المتخصصين إلى الردّ عليها وتفنيدها في عشرات الصفحات"، مؤكداً أنّ "إطلاق الشّبهة أسهل ألف مرة مِن الردّ عليها".

ويتعمّد بعض المشايخ في مصر التطرّق لفتاوى تتعلق بمواضيع شائكة مثل الأمور الجنسية، ومن ضمنها فتاوى "معاشرة الوداع" و"نكاح البهائم"، علاوة عن الفتوى الحديثة حول "ترقيع غشاء البكارة أو رتقه".

فيما ينتقد متابعون للشأن المصري غضّ بصر الدوائر الرسمية المصرية وعدم سعيها للحدّ من انتشار تلك الظاهرة، ويذهب البعض إلى "وجود رغبة في شغل الرأي العام بالحديث عن تلك الآراء الفقهية الغريبة، لإلهائها عن الحديث في الشأن العام وتدهور الأوضاع المعيشية في البلاد".

الأزهر في صدارة الجهود المناوئة

تتصدر مؤسسة الأزهر حملة مجابهة انتشار سيل الفتاوى غير المنضبطة في مصر. حيث سعت المؤسسة في ديسمبر/كانون الأول من عام 2016 إلى تدشين "مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية"، وذلك ليكون منصّة للفتوى المعتدلة في البلاد.

ويقول مدير المركز الدكتور أسامة الحديدي، إنه يهدف إلى "الوصول لأكبر عدد من المستفتين محلياً وعالمياً" وذلك من خلال "رؤية واضحة معلنة"، وهي "إصدار فتوى وسطية تلتزم منهج الأزهر الشريف باعتباره رمز الوسطية فى العالم الإسلامي"، بحسب الحديدي.

ويقوم المركز بدور فعَّال فى التصدّي للفتاوى الشاذّة والخاطئة من خلال رصدها وتتبّعها، وذلك عبر قسم "متابعة المحتوى الديني"، والمتخصص في "متابعة وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، ورصد المحتوى الديني بها".

كما تتصدّر أولويات مركز الأزهر للفتوى الإلكترونية "رصد الفتاوى الشاذّة والخاطئة، والرد عليها وبيان خطئها وشذوذها سواء بالردّ المباشر"، كما يعمل على رفع تلك الفتاوى لقسم البحوث بالمركز "لإعداد الردّ الشرعي المناسب الذي ينقد هذه الفتاوى ويبيّن عدم انضباطها".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، أسس الأزهر "لجنة عُليا للإفتاء"، بقرار من شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب.

وتتكوّن اللجنة من سبعة علماء، وتهدف إلى إخضاع جميع جهات الفتوى التابعة له، وهي "مركز الأزهر للفتوى"، و"اللجنة الرئيسية للفتوى بالجامع الأزهر"، و"اللجان الفرعية للفتوى بالمحافظات"، لإشراف هيئة كبار العلماء.

من جانبه، أكّد القضاء المصري في وقت سابق من العام الجاري، الحكم الصادر قبل أعوام من إحدى المحاكم بحظر الإفتاء لغير المتخصصين، مفيداً أنه "بات نهائياً" نظراً لعدم الطعن عليه.

وأكدت محكمة القضاء الإداري بمدينة الإسكندرية، أنّه "لا يجوز الإفتاء بغير شروط، وشروط الإفتاء ليست بالأمر اليسير في الفقه الإسلامي حتى يمارسه العوام، وإنما هو أمر بالغ الدّقة والصعوبة يستفرغ فيه المجتهد وسعه لتحصيل حُكم شرعي يقتدر به على استخراج الأحكام الشرعية من مآخذها واستنباطها من أدلتها".

TRT عربي