اشتهرت العادات المغربية المرتبطة بالزواج على نطاق واسع، وهي كثيرة على نحو مثير للدهشة، وبعضها غريب بشكل لافت، لكنّ قليلين يعرفون أن خلف هذه العادات معتقدات ساكنة بالذهنية المغربية. "اكتشف" يوجه بؤرة "كاميرا" السرد صوب تفاصيل ست عادات منها.

في نسيج التفاصيل قد لا تكمن الشياطين فقط، قد تحضر الملائكة أيضاً، كما قد يكون للغرابة نصيب، وترتيبات العرس المغربي من هذه المناسبات الاحتفالية التي تطغى عليها عادات غريبة تعكس معتقدات خاصة قلما يُنتبه إليها.

أمام زحمة عادات المغاربة فيما يخص مناسبة "ليلة العمر"، والتي تحرص عليها النساء المغربيات بشكل "نسكي" في غالب الوقت، بدءاً من تحضيرات الخطوبة، ثم مراسيم عقد القران، وصولا إلى ليلة الزفاف، في هذه الورقة نحكي تفاصيل أغرب ست من هذه العادات المتناثرة في مختلف محطات الزفاف المغربي.

حلاوة السكر وصفاؤه

حضور السكر في شكل قالب هرمي ضمن الهدايا المقدمة إلى العروس خلال يوم الخطوبة، وفيما بعد أثناء مراسم عقد القران، قد يبدو للوهلة الأولى غريباً، بل وحتى طريفاً، لكنه في الواقع يمكن وصفه بأنه المرادف المغربي لإكليل الورد الغربي.

يُقدم في المناسبات السعيدة كالأعراس، كما يقدم في لحظات الحزن كالعزاء وعيادة المرضى، "قالب السكر" يأخذ أهمية قصوى في الثقافة المغربية لأنه يعكس قيماً مجتمعية نبيلة حسب الباحث المغربي في الثقافة الشعبية لحسن آيث لمغروس.

"يحضر في كل مراحل الزفاف منذ اليوم الأول أو الزيارة الأولى لبيت العروس تعبيراً عن الحلاوة وتمهيداً للعلاقة التي ستغلب عليها الحلاوة وليس المرارة، وهذه رمزية خاصة اختارها الإنسان المغربي مند عهود ماضية" يوضح آيث لمغروس لـTRT عربي.

حضور السكر في شكل قالب هرمي ضمن الهدايا المقدمة إلىالعروس خلال يوم الخطوبة، وفيما بعد أثناء مراسم عقد القران
حضور السكر في شكل قالب هرمي ضمن الهدايا المقدمة إلىالعروس خلال يوم الخطوبة، وفيما بعد أثناء مراسم عقد القران (Getty Images)

ويضيف: "يعكس قالب السكر أيضاً رمزية كبرى بعلاقته باللون الأبيض في الثقافة الشعبية الذي يحيل إلى الصفاء والنية السليمة والإخلاص، وهذه قيم نبيلة تكثفها رمزية هدية السكر".

بيض الخصوبة

الطبيعة، عن قسوة أو حنان لا نعرف تحديداً، منحت الدجاجَ معدل خصوبة مرتفعاً بشكل لا يقاس مقارنة بالإنسان، إذ يمكن أن تنتج أنواع منها ما يناهز 300 بيضة بالسنة الواحدة، بيضتان في اليوم كمعدل تقريباً، وفي تفاعلهم مع الطبيعة وحيواناتها، اعتقد المغاربة قديماً أن من شأن أكل بيض الدجاج أن يجعل من المرأة نفسها مخصبة كثيرة النسل!

وجود بيض الدجاج خلال فعاليات العرس المغربي، سواء ضرورة تقديمه ضمن الهدايا التي تُحمل إلى العروس أثناء عقد القران كعنصر لا غنى عنه، أو حين تكسيره فوق رأسها خلال جلسة طقس الحناء، هو من رواسب هذه المعتقدات المغربية القديمة في نظر لحسن آيث لمغروس.

يشرح: "البيض كذلك له دلالة خاصة عند قبائل الأطلس، ويعبر عن الخصوبة، ويقال إن العروس التي تنام على البيض في ليلة قبل يوم الزفاف سترزق بالأولاد، وكذا أن البيض يصحب العروس حتى بيت زوجها ويأكل منه الزوجان معاً قبل الدخلة، وفي حالات أخرى تقوم الزوجة بسلقه صبيحة ليلة الزفاف لتأكله رفقة الزوج خوفاً من العقم".

حمام العروس... خروج ليس كالدخول

ليست جمالية العروس ونضارة بشرتها قبيل موعد ليلة زفافها هي فقط ما تقف خلف هذه العادة العريقة بالأعراس المغربية، بل هناك أيضاً معتقدات ودلالات رمزية متعددة تصاحب طقس حمام العروس الشهير بالمغرب.

دخول الحمام ليس كخروجه، يقول مثل شعبي ذائع الصيت بالمغرب، والعروس المغربية حينما تخرج من الحمام التقليدي، في إطار مراسم احتفالات زفافها، تترك خلف ظهرها عالم الفتيات غير المتزوجات.

"تُسمى هذه العادة في بعض المناطق "بالتشليل"، وطقس الحمام هو مكان للاغتسال والطهارة، أما الطقس المرتبط بهذا المكان فهو ذو طابع رمزي، تدخل من خلاله الفتاة عالم النساء الناضجات؛ ويتمثل في إزالة الشعر من كامل جسدها، ما يعني أنها انتقلت من مرحلة المراهقة إلى مرحلة النساء المتزوجات"، تقول الباحثة السوسيولوجية أسماء لبلق.

ترافق
ترافق "الحنة" النساء المغربيات في جلالمناسبات الاجتماعية، وحفلات الزفاف في مقدمتها (Getty Images)

ورغم أن طقس الحمام احتفالي بالدرجة أولى، تنتقل إليه العروس في موكب من الأهازيج والزغاريد والشموع المضاءة، كدلالة على إنارة دربها في طريق السعادة الزوجية، إلا أن الهواجس لها مكانها فيه أيضاً، حيث تحرص مرافقاتٍ للعروس على انتشال بقايا شعرها ومستلزماتها خوفاً عليها من أعمال السحر والشعوذة.

دموع ليلة الحناء

في الأفراح، كما في الأحزان بشكل أقل، ومثلما ترفض الطفلات الصغيرات التخلي عن دمياتهن وقت غيبوبة النوم حرصاً عليها، ترافق "الحنة" النساء المغربيات في جل المناسبات الاجتماعية، وحفلات الزفاف في مقدمتها.

طقس نقش الحناء، أو ليلة الوداع كما تُعرف بالمغرب، هو أساساً مشهد مَهيب تتداخل فيه الأفراح بالأحزان، تُنشد فيه مقطوعات مؤثرة عن الفراق، لا تجد العروس أمام نفاذها سوى ذرف الدموع.

"إلى جانب حزن الفراق الذي يخترق كل العائلة الحاضرة، ثمة بُعدٌ مُسلّ في بكاء العروس بجلسة حنائها؛ اللهم أن تبكي اليوم وتقوم بالتفريغ أفضل من أن تبكي ليلة العرس ونضيّع زينة مكياجها!" تحكي مبتسمة "النگافة" فاطمة العيادي لـTRT عربي.

وعن رمزية الحناء بالثقافة المغربية يتحدث لحسن آيث لمغروس: "بالوعي الجمعي المغربي لها مكانة في التجميل والتزيين عند النساء، ولكنها تُستعمل بطرق مختلفة في طقوس العرس سواء من طرف الزوج أو الزوجة وتعبر عن الحنان والمودة والقبول والجمالية".

حظ "لالة العروسة"

سواء استمر العرس أسبوعاً كاملاً، كما كان الحال خلال سنوات الماضي، أو امتد لثلاثة أيام بلياليها، على غرار ما هو سائد بالمجتمع المغربي في الوقت الراهن، تبقى العروس هي محور مختلف الترتيبات والعادات، وتنال عن جدارة طيلة هذه المناسبة لقب: "لالة العروسة".

مكانة "ملكة الحفل" التي تنتزعها ليلة زفافها، تجعل قريبات وصديقات العروس العازبات مستعدات للتيمن والتبرك بها حتى ولو عبر اختلاس جلوس مؤقت فوق "عرشها"، وذلك أملاً في أن يجود الحظ لهن بابتسامة مماثلة!

تقول العيادي: "في اللحظة التي تغيب فيها العروس لتغيير ملابسها تسارع صديقات العروس العازبات أو قريباتها إلى الجلوس فوق كرسي العروس والعريس لأن هذه الحركة تجلب السعد".

دماء العذرية

حينما كان المغاربة يطوفون خلال أعراسهم بهيستيريا كبيرة حاملين ما يُعرف بسروال العذرية، وهو القماش الذي يكون ملطخاً بدم العروس ليلة الدخلة، لم تكن الكاميرا قد أُدخلت عليها بعدُ ألوان الحياة.

مع ذلك، وعلى غرار بعض معادلات الرياضيات العصية عن الحل، لا تزال علاقة عدد كبير من المغاربة مع العذرية واشتراطها للزواج مثل هذه المعادلات تحديداً، بالرغم من أن طقس سروال العذرية قد اندثر بشكل شبه تام تقريباً، مفحساً المجال لسلوكات استطلاع أكثر "تهذيباً".

مهما يكون من أمر، وباستثناء طقس "السروال" الذي ربما كانت له وجاهته سابقا، تعكس مختلف عادات وتقاليد الأعراس بالمغرب، ومعتقداتها المرتبطة بها، إرثا حضاريا ضاربا في أعماق التاريخ، ما زال يُحرص عليه في كل أشواط الطريق المؤدية إلى "ليلة العمر".

المصدر: TRT عربي