يؤدي التوتر والقلق أيضاً إلى الأكل الشره في بعض الأحيان، مما يؤدي إلى ازدياد الوزن. تعرّف على الأسباب التي تؤدي إلى الإفراط في تناول الطعام.

جميعنا لا بدّ أنْ مررنا بتلك اللحظات التي نكون فيها مُحبَطين أو قلقين أو مكتئبين أو حتى غاضبين، فنجد أنفسنا بغير وعيٍ أو تركيز مقبلين على تناول الطعام بشراهةٍ ونهَم. ولا بدّ أنّك وجدتَ نفسك في بعض أوقاتك الصعبة تفكّر في اللحظة التي تعود فيها إلى البيت وتجلس على أريكتك مع تلك الأصناف المتنوّعة من الطعام غير الصحّي من حلويات ومثلجات ورقائق بطاطا والوجبات السريعة التي تتجنّب أكلها في الأيام العادية.

كما نعلم أيضاً أنّ أحد الأعراض أو العلامات الرئيسية لكثير من الاضطرابات النفسية هو التغيّر الواضح في الوزن وفي سلوكيات الطعام، فإمَّا أنْ يفقد المريض شهيّته تماماً وبالتالي وزنه، وإمّا أنْ يدخل في حالةٍ من الشراهة في الأكل بكميّاتٍ أكبر من المعتاد فيزداد وزنه. فهل فكّرت يوماً في السبب الذي يجعلك تأكل بذلك القدر من الشراهة في هذه الأوقات؟

ما الذي يدفعنا إلى الشراهة وقت الانفعال؟

في علم النفس، يُعرف هذا السلوك في الأكل بمصطلح "الأكل العاطفي"، وهو ميل الشخص إلى الإفراط في تناول الطعام استجابةً للمشاعر والحالات العاطفية العديدة. وفي حين أنّه قد يأتي أيضاً استجابةً للمشاعر الإيجابية، كأنْ تُفرِطَ في الأكل في لحظات فرحك ونشوتك، فإنّه غالباً ما يرتبط بالمشاعر السلبية أكثر لخطورة آثاره وتبعاته أكثر.

"الأكل العاطفي"، وهو ميل الشخص إلى الإفراط في تناول الطعام استجابةً للمشاعر والحالات العاطفية العديدة (Getty Images)

من جهةٍ، يرجع هذا أيضاً إلى حدوث تغيّر في التوازن الكيميائي في الدماغ. فعندما نشعر بالتوتر أو القلق تفرز أدمغتنا هرمون الكورتيزول، وهو هرمون الإجهاد الرئيسي في الجسم، الذي يجعلنا بدوره نتوق إلى الأطعمة الدسمة ذات السعرات الحرارية العالية. ثمّ هناك الدور الرئيسي الذي يلعبه هرمون السيروتونين، المعروف باسم "هرمون السعادة". كثير من الأطعمة المحتوية على الكربوهيدرات بكميات عالية ترفع مستويات هذا الهرمون وبالتالي تعمل على تحسين المزاج. لهذا يجد كثير من الأشخاص في الشوكولاتة أو الحلويات فسحةً فعّالة في أوقات المزاج السيئ والاكتئاب، فهي تنشّط إفراز السيروتونين وترفع مستوياته في الجسم.

عوضاً عن ذلك، ترفع تلك الأطعمة مستويات هرمون الدوبامين المرتبط بنظام التعلّم والمكافآت في الدماغ ويجعلنا نبحث عن ما يمدّنا بشعورٍ إيجابيّ مراراً وتكراراً. وفي كثيرٍ من الأحيان يكون الطعام والمذاق الجيّد الطريقة الوحيدة التي نحصل فيها على ذلك الشعور.

توصّلت واحدة من الدراسات الحديثة إلى أنّ سلوكيات الأكل العاطفيّ غالباً ما تكون مكتسبة، إذ يتعلّمها الأطفال في سنٍّ مبكّرة من مراقبتهم للبالغين من حولهم وبأثرٍ من الثقافة المحيطة ببيئتهم. فكثير من الآباء والأمّهات يلجؤون إلى الطعام لتهدئة غضب أطفالهم أو الترويح عنهم في حالات الحزن بدلاً من إيجاد استراتيجيّات أكثر إيجابية لتنظيم عواطفهم وانفعالاتهم. ومع الوقت، يربط الطفل الطعامَ بغضبه أو حزنه أو استيائه، فيبدأ بالاعتقاد أنّه وسيلة فعّالة للتعامل مع هذه الحالات العاطفية. يستمرّ الاعتقاد معه إلى مرحلة المراهقة وما بعدها حتى يصبح سلوكاً.

وسيلة للمماطلة والهرب من المشكلات

من ناحية أخرى، يمكن تفسير هذا السلوك كوسيلة تعويض عن لحظاتنا الصعبة والحرجة ومشاعرنا الحزينة، أو لتشويش وقمع تفكيرنا عن كلّ تلك الأمور الصعبة التي لا نرغب بمواجهتها والتعامل معها في الوقت الحاضر. فيعمل الطعام عندنا كفاصلٍ زمانيّ يُبعِدنا قليلاً ويُلهِينا عن الأشياء التي نواجهها والأوضاع المؤلمة التي نمرّ بها. سواء كانت تلك الأوقات مؤقتة وعابرة أو مزمنة ومستمرّة. بكلماتٍ أخرى، يملأ الأكل أوقاتنا ويعطينا فرصةً للمماطلة والتأجيل.

هذا السلوك وسيلة تعويض عن لحظاتنا الصعبة والحرجة ومشاعرنا الحزينة، أو لتشويش وقمع تفكيرنا عن كلّ تلك الأمور الصعبة
هذا السلوك وسيلة تعويض عن لحظاتنا الصعبة والحرجة ومشاعرنا الحزينة، أو لتشويش وقمع تفكيرنا عن كلّ تلك الأمور الصعبة (Getty Images)

في حديثها مع TRT عربي، تؤكّد خبيرة التغذية سعاد أبو عقل ضرورة الإحاطة بالأسباب النفسية وراء الأكل العاطفي للعمل على علاجه والحدّ من آثاره، فهو لا يتوقّف على الأسباب البيولوجية والكيميائية في الجسم، بل تدخل المشاعر والانفعالات فيه أيضاً. ولأنّ معظم الأطعمة المريحة التي تحسّن المزاج هي أطعمة غير صحّية، تُضيف أبو عقل، فإنّها غالباً ما تؤدّي إلى مشكلات نفسية أخرى نتيجة زيادة الوزن غير المرغوب فيها أبداً الذي قد يزيد شعورنا السيئ بالندم حيال أجسادنا وأنفسنا.

من هنا تُشير أبو عقل إلى أنّ التعامل الصحيح مع هذه الحالات يجب أنْ لا يتوقّف على تغيير النظام الغذائي، بل يجب أنْ ينبني على تعلُّم استراتيجيات أكثر فاعلية وإيجابية للتعامل مع المشكلات والاضطرابات النفسية. وهي بذلك تنصح بأنّه في بعض الحالات لا يكون اللجوء إلى خبير التغذية أو الحمية الغذائية هو الحل الوحيد، فالمشكلة أعمق من ذلك.

وتؤكد في الوقت نفسه أنّ أوّل خطوة للتعامل مع المشكلة هي الوعي بحاجة الجسم الحقيقية إلى الطعام والحرص على إمداده بما يحتاج إليه مع الطعام الصحي، فالحرمان أو الجوع يزيد إمكانية الانخراط في الأكل العاطفي، كما أنْ تناول الوجبات الصحية الخفيفة على مدار اليوم يصرف العقل عن التفكير في الأكل النهم غير الصحي، إضافةً إلى أنّ العمل على خلق روتين صحّي يشمل الرياضة والمشاركة الجماعية للأكل يمكن أنْ يحدّ أيضاً من الانخراط في الأكل العاطفي.

التعامل الصحيح مع هذه الحالات يجب أنْ لا يتوقّف على تغيير النظام الغذائي
التعامل الصحيح مع هذه الحالات يجب أنْ لا يتوقّف على تغيير النظام الغذائي (Getty Images)

تعليقاً على ذلك، تُشير خرّيجة علم النفس دانا محمد إلى أنّ واحداً من الأساليب التي يتّبعها خبراء الصحة النفسية للتعامل مع هذه المشكلة هي بمساعدة الشخص على التعامل مع أفكاره السلبية التي تسيطر عليه أوقات اكتئابه وقلقه من خلال تشجيعه على مواجهتها دون مماطلة أو تأجيل، وهو الأمر الذي يفضّله كثيرون إمّا لكسلٍ منهم وإما لخوفهم من المواجهة.

وتضيف أنّ السبب أنّ المكتئب غالباً ما يسيطر عليه ما يُعرَف في علم النفس باسم التشوُّهات أو التحيُّزات الإدراكية، وهي أنماط في التفكير والسلوك تمنعه من التصرّف بطريقة سليمة وصحّية. وبالتالي فهو لا يفكّر بطريقة سليمة حين يعتقد أنّ الطعام قد يخفّف حزنه أو يملأ وقت فراغه ووحدته.

وبالمحصِّلة، توافق دانا على أنّ بعض الحالات قد يحتاج إلى تدخّلٍ من خبيرٍ نفسيّ، بخاصة أنه قد يرتبط بواحد من اضطرابات الأكل الحادّة. لكنْ يمكن للشخص أن يبدأ بالعمل على مشكلته بنفسه من خلال محاولة مواجهة أسباب التوتر والاكتئاب شيئاً فشيئاً، ومن ثمّ البحث عن أساليب وأنشطة صحية يمكن أنْ تحدّ وتخفّف الأكل الشره، مثل الرياضة والمشي ولقاء الأصدقاء وغير ذلك.

المصدر: TRT عربي