هي داميا أو ديهيا أو الكاهنة كما لقبها العرب. امرأةٌ من التاريخ المنسي لشمال إفريقيا. عاشت وماتت محاربة دفاعاً عن أرضها، لكن التاريخ الرسمي لبلدان شمال إفريقيا لم يذكرها، إنما تحوّلت، لكثرةِ سرد الحكايات عنها، إلى ما يُشبِه الأسطورة، شيء يصعب تصديقه.

ديهيا الملكة
ديهيا الملكة (Pinterest)

لكنّ ديهيا كانت موجودةً فعلاً. هناك في ماسكولا بجِبال الأوراس (خنشلة الواقعة في الشرق الشمالي الجزائري حالياً)، وُلِدت عام 585 ميلادية وترعرعت هناك، ثمّ صارت زعيمة قبيلة جراوة، قبل أن تتحوّل إلى حاكمة للأوراس، خلفاً لكسيلة، ثمّ إلى زعيمةٍ وطنية ورمزٍ للدفاع عن الأرض.

الكاهنة.. وريثةً للعرش

في الوقتِ الذي وُلِدت فيه ديهيا أو داميا، لم تكن هناك حدود في شمال إفريقيا، بل كانت هناك مجموعةٌ من القبائل (صنهاجة وزناتة ومصمودة على سبيل المثال) يجمعُها قاسم مشترك هو الأمازيغية، قبائلُ لم تعرف هدوءاً ولا استقراراً إلّا في فتراتٍ قليلة، ولذلك امتدّ تحرّكها المستمرّ حتى دخول العرب إلى شمال إفريقيا، ولذلك أيضاً كانت قبائل محاربةً بطبعها.

ليست هناك نصوصٌ تاريخية تتحدّث عن طفولة ديهيا، لكنّ عدداً من المختصّين في التاريخ والثقافة الأمازيغية استنتجوا من النصوص التاريخية المتوفّرة أنّ الكاهنة تلقّت تكويناً خاصّاً بأبناء الزعماء والقادة، تكويناً عسكرياً وثقافياً أهّلها لترِث الحكم عن والدِها لاحقاً.

وفي الوقت الذي كانت النساءُ فيه مختفياتٍ في الخيام، مكتفياتٍ بالإنجاب والطبخ والتنظيف، كانت الكاهنة تتلقّى تربيةً تليق بزعيمة. وفي الوقت الذي كان فيه الملوك والسلاطين يبحثون عن ذكورٍ يورثونهم عروشهم، كان والد ديهيا الزعيم ثيبات بن تيفان قد قرّر أن يورث ابنته الحكمَ من بعده.

كانت جذّابة، قوية، متمرّدة وذات كاريزما، وقيل عنها إنّها كانت ذات قُدراتٍ خارقة من قبيل التنبّؤ والتكهّن وبُعد النظر، ولذلك سمّاها العرب "الكاهنة".

أعظم ملكةٍ شأناً في تاريخ الأمازيغ

"زحف قيس بن البلوي في ولاية عبد الملك للثأر بدم عقبة بن نافع سنة سبعٍ وستّين، وجمَع له كسيلة سائر البربر ولقيه بجيش من نواحي القيروان، فاشتدّ القتال بين الفريقين، ثمّ انهزَم البربر وقُتِل كسيلة ومن لا يُحصى منهم. وفي هذه الواقعة ذلّ البربر وفنيت فرسانهم ورجالهم وخضّت شوكتهم، وخافوا من العرب خوفاً شديداّ فلجأوا إلى القلاع والحصون"، يقول ابن خلدون في كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والعجم والبربر" عن موتِ كسيلة.

اضطرمت إفريقية ناراً وافترق أمرُ البربر وتعدّد سلطانهم في رؤسائهم وكان أعظمهم شأناً يومئذٍ دهيا بنت ماتيا بن تيفان ملكة جبل أوراس وقومها من جراوة ملوك البتر وزعماؤهم.

العبر وديوان المبتدأ والخبر، ابن خلدون

بعد وفاة الملك أكسيل أو كسيلة كمّا سمّاه العرب، استلمت ديهيا الحكمَ من بعدِه. يضيف ابن خلدون في كتاب العِبَر: "اضطرمت إفريقية ناراً وافترق أمرُ البربر وتعدّد سلطانهم في رؤسائهم، وكان أعظمهم شأناً يومئذٍ دهيا بنت ماتيا بن تيفان ملكة جبل أوراس وقومها من جراوة ملوك البتر وزعماؤهم".

كان لها شأنٌ عظيم بين شعبِها، وقدرةٌ كبيرة على التخطيط للحروب. وتتحدّث المصادر التاريخية عن معركتين كبيرتين خاضتهما هذه المرأة الأمازيغية، والاثنتان كانتا ضدّ الأمويين بقيادة حسّان بن النعمان.

في المعركة الأولى، جمعت ديهيا جنودها الذين كانوا عبارةً عن رعاةٍ ومحاربين ذوي تجربةٍ قليلة في الحرب، ومع ذلك استطاعوا الانتصار على جيش حسان بن النعمان الكبير في معركة بنواحي بُرقة في طرابلس.

يقول المؤرّخون إنّ ديهيا كانت قائدةً حقيقية، بحيث كانت تجمع الجيوش وتوجّهها وتحمّسها، وكانت لها كاريزما قوية جعلتها تحصل على أتباعٍ أوفياء ومخلصين لها.

الهزيمة والخلود

بالإضافة إلى ذلك، عُرِفت الكاهنة بمعاملتها الجيّدة للأسرى، إذ بعد تفكيرٍ طويل، قرّرت أن تطلق سراح الأسرى من جنود ابن النعمان، باستثناء واحد وهو خالد القيسي، الذي قرّرت فيما بعد أن تتبنّاه، وتجعله واحداً من أبنائها.

وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون في كتاب العِبَر: "سأل عن أعظم ملوك البربر فدلّوه على الكاهنة وقومها جراوة، فمضى إليها حتى نزل وادي مسكيانة، وزحفت إليه فاقتتلوا اقتتالاً شديداً، ثمّ انهزم المسلمون وقُتِل منهم خلقٌ كثير، وأُسِر خالد بن يزيد القيسي. ولا تزال الكاهنة والبربر في أتباع حيان والبربر حتى أخرجوهم من عمل قابس".

عث عبد الملك إلى حسان بالمدد، فرجع إلى إفريقيا سنة أربع وسبعين، وخرّبت الكاهنة جميع المدن والضياع وكانت من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً.

العبر وديوان المبتدأ والخبر، ابن خلدون

ويضيف المؤرّخ الكبير: "ثمّ رجعت إلى مكانها واتخذت عهداً عند أسيرها خالد بالرضاع مع ابنيها، وأقامت في سلطان البربر وإفريقية خمس سنين".

بعد خمس سنوات من انسحاب حسان بن النعمان، عاد مرّةً أخرى إلى شمال إفريقيا في حملةٍ جديدة. حينها قرّرت ديهيا أن تلجأ إلى سياسة "الأرض المحروقة" كاستراتيجية لمنع العرب من المجيء مرّةً أخرى. "بعث عبد الملك إلى حسان بالمدد، فرجع إلى إفريقيا سنة أربع وسبعين، وخرّبت الكاهنة جميع المدن والضياع، وكانت من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً"، يقول ابن خلدون في "العِبَر".

أدّت سياسة "الأرض المحروقة" إلى تشتيت شمل الأمازيغ، فتفرّقوا، وضعُفت ديهيا، ما أدّى إلى انهزامها في المعركة الثانية ضدّ حسّان بن النعمان، وقُتِلت بمكان البير في جبل أوراس.

الساحرة.. المرأة الحرّة

"العرب يسمّونني الكاهنة، أي الساحرة، يعرفون أنني أكلّمكم وأنكم تستمعون إليّ، يندهشون لرؤية امرأةٍ تحكمكم، لأن النساء كنّ يُبَعن في أسواق الجواري، بالنسبة لهم، أجمل فتاة ليست إلّا سلعة، ليس لها الحقّ في أن تتكلّم أو يستمع إليها أحد. المرأة الحرّة تخيفهم، وأنا في نظرهم هي الشيطان". يقول الكاتب الجزائري كاتب ياسين في روايته "نجمة" الصادرة عام 1956 على لسان ديهيا، التي خصّص لها جزءاً مهمّاً في هذا الكِتاب.

ليس سهلاً أن تكون المرأةُ محاربة، بل أكثر من ذلك، قائدةً وحاكمة. فالنساء ميّالاتٌ بطبعهنّ إلى السلام والاستقرار، والرجال هم أغلب من خاضَ الحروب عبر التاريخ. لكنّ المؤرّخين توصّلوا إلى استنتاج بخصوص ديهيا في هذا الصدد.

يقول المتخصّص المغربيّ في الثقافة الأمازيغية أحمد عصيد في وثائقيّ عن الكاهنة، إنّ "الحروب التي خاضتها النساء عبر التاريخ لم تكن من أجل الاستعمار، بل من أجل المقاومة، وديهيا لم تخض الحرب من أجل الحرب، بل من أجل الدفاع عن أرضِها".

يُعتبَر
يُعتبَر "مسرح الجمّ" في تونس المكان الوحيد الشاهد على وجود الكاهنة (Wikipedia)

الجانب الميّال إلى التعاطف والتسامح في شخصية ديهيا ظهر أيضاً في حروبِها النظيفة. لم تذبح ولم تعذّب الأسرى، بل بالعكس من ذلك تماماً، كانت شخصيةً سمحةً ورحيمة، وقد شهِد لها التاريخ بعدمِ ارتكابها لأيّ جرائم حرب من أيّ نوعٍ كانت.

ما تبقّى من الكاهنة...

يُعتبَر "مسرح الجمّ" في تونس المكان الوحيد الشاهد على وجود الكاهنة، إذ لجأت الملكة الأمازيغية إلى هذا البناء الروماني القديم لمقاومة الجيوش التي هجمت على ليبيا وتونس آنذاك.

وقد قامت جمعية "أوراس الكاهنة" في الجزائر ببناء تمثال لديهيا عام 2003 في وسط مدينة باغاي، لتخليد ذكراها كملكة من التاريخ المنسيّ، وكامرأةٍ أمازيغية محاربة وقوية.

المصدر: TRT عربي