الفستق.. ذهب تركيا الأخضر (AA)

ذهب تركيا الأخضر هو منتج نفيس تضاهي قيمته الذهب الأصفر والأسود، فهو ليس صلباً تتسابق عليه السيدات والمستثمرون، ولا سائلاً يتصارع عليه العالم من أجل تعزيز موارد الطاقة، بل هو ثمرة "الفستق العنتابي"، التي تضفي قيمة كبيرة على تركيا نظراً إلى العائدات الاقتصادية المرتفعة، بالإضافة إلى استخدامها في معظم المأكولات التركية الشهيرة.

والفستق العنتابي، الذي تعود تسميته إلى ولاية غازي عنتاب جنوب تركيا، من أفضل أنواع الفستق على مستوى العالم. وتأتي تركيا في المرتبة الثالثة بين الدول الأكثر إنتاجاً له بعد الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فيما تحتلّ ولاية أورفا جنوب شرق تركيا المرتبة الأولى بين الولايات التركية الأكثر إنتاجاً للفستق، وتتبعها ولاية غازي عنتاب في المرتبة الثانية، وولاية سيرت في المرتبة الثالثة.

وللقيمة الاقتصادية العالية التي يتمتع بها الفستق العنتابي، يولي الأتراك أشجار الفستق أهمية بالغة، خصوصاً أولئك الذين يسكنون الولايات الواقعة جنوب شرق الأناضول، فعند ولادة مولود جديد لعائلة تركية في ولاية شانلي أورفا أو ولاية غازي عنتاب، تخصص العائلة قطعة أرض باسم المولود الجديد وتزرعها بأشجار الفستق العنتابي هدية له، من أجل أن تكون مصدر رزق له عندما يكبر.

زراعة الفستق في تركيا

يمكن زراعة أشجار الفستق العنتابي في عديد من المناطق حول العالم إذا ما توافرت ظروف زراعة مناسبة، إلا أن موطنه الأصلي منطقة الشرق الأوسط، تحديداً تركيا وسوريا وإيران والعراق. ويذكر بعض المصادر التاريخية أن استهلاك وأكل الفستق العنتابي يعود إلى عام 6750 قبل الميلاد، إذ كان حاضراً على طاولات ملوك الحضارات القديمة.

وتُزرع أشجار الفستق في 22 مقاطعة تركية اليوم، إلا أن ما نسبته 85% من إجمالي شجر الفستق مزروعة في الولايات الواقعة جنوب شرق تركيا، فتحتل مدينة شانلي أورفا المرتبة الأولى في زراعته وإنتاجه، تليها ولايات غازي عنتاب وسيرت وأديمان وديار بكر. وحالياً، تمتلك شانلي أورفا أكبر حقول الفستق المزروعة في تركيا، إذ تبلغ مساحة الأراضي المزروعة في شانلي أورفا وحدها قرابة مليون و411 دونماً.

وشهد عام 2020 ارتفاعاً في إنتاج الفستق العنتابي في تركيا بنسبة 248.7% مقارنة بالعام الذي سبقه، إذ بلغ إجمالي الإنتاج نحو 296 ألفاً و376 طناً، بعد انخفاض الإنتاج في موسم 2019.

وحسب بيانات اتحاد مصدري جنوب شرق الأناضول (GAİB) تنتج ولايتا شانلي أورفا وغازي عنتاب الكمية الكبرى من الفستق العنتابي، الذي بلغت قيمة صادراته 119 مليوناً و167 ألف دولار أمريكي خلال عام 2020، إذ صُدّر 10 آلاف و875 طناً من الفستق العنتابي عالي الجودة ذي المذاق الفريد إلى 100 دولة حول العالم، احتلت ألمانيا المرتبة الأولى بينها.

مُنتَج استراتيجي

يعد الفستق العنتابي منتجاً استراتيجياً مهماً لتركيا، ويوماً بعد يوم تتزايد مناطق زراعته وإنتاجه في المقاطعات التركية الواقعة جنوب شرق الأناضول فضلاً عن بدء زراعته مؤخراً في ولايات وسط الأناضول. وفي حديث لعضو هيئة التدريس بكلية الزراعة بجامعة حران لوكالة الأناضول، لفت الدكتور علي رضا أوزتركمان إلى أن الفستق أصبح نباتاً مهماً في الأراضي الزراعية القاحلة وغير المجهزة بشبكات الري، وقال: "لأن الفستق نبات يُنتج محصولاً جيداً بعد فترة قصيرة من الرعاية، يستفيد المزارعون الأتراك من الأراضي القاحلة لزراعة أشجار الفستق".

وحسب أوزتوركمان، فإن للفستق هيكلة إنتاج متقلبة (حجم إنتاج مرتفع في عام يقابله إنتاج منخفض في العام التالي). وأشار إلى أنه إذا كانت الظروف الموسمية طبيعية ولم يتعرض شجر الفستق لأخطار مثل البرد والصقيع التي تشكل تهديداً كبيراً له، فإن حجم الإنتاج يكون مرتفعاً.

وضمن المساعي الحكومية لنقل تركيا إلى صدارة قائمة الدول المُنتجة والمصدرة للفستق العنتابي، أعلن وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي، مصطفى ورانك، افتتاح مستودع حديث ومتطور بسعة 10 آلاف طن لتخزين "الذهب الأخضر" في ظروف تطيل عمره من أجل بيعه بقيمة مرتفعة في أوقات ندرة المحصول.

استخدامات الفستق

بعد حصاده، يقضي الفستق بأنواعه وأشكاله ونكهاته المختلفة رحلة طويلة قبل أن يكون جاهزاً للاستخدام في مأكولات وصناعات عديدة ومتنوعة. فهو بلا منازع أهم عنصر في مكونات المطبخ التركي، والعنتابي بشكل خاص، إذ يهتم أهل عنتاب بمنتجهم الوطني اهتماماً بالغاً ويدخلونه في معظم مأكولات مطبخهم الشهير، الذي حظي باهتمام عالمي في السنوات الأخيرة، والذي بفضله أضحت مدينة غازي عنتاب وجهة عالمية أساسية لمحبي الطعام والمذاق التركي.

فلا ثمرة تضاهي الفستق لأهل عنتاب، ولأجل ذلك يستخدمونه في كل شيء، فإذا لم يدخل كمكون أساسي في طبخاتهم وحلوياتهم فهو يُستخدم بالتأكيد لتزيينها ولإعطائها نكهة عنتابية مميزة وفريدة. وإلى جانب تناوله كمكسرات بشكل أساسي، يُستخدم الفستق العنتابي في عديد من الحلويات التركية الشهيرة، وأبرزها البقلاوة التقليدية الأكثر شهرة في مدينة غازي عنتاب، فضلاً عن القطايف والحلقوم التركي والبوظة وعديد من المنتجات الأخرى.

وإلى جانب الحلويات، نجحت غازي عنتاب، مدينة فن الطهي، أولى المدن التي تتبادر إلى الذهن عند ذكر المطبخ التركي، في إدماج الفستق مع الكباب التركي الشهير المشوي على الفحم، مما أدى إلى إنتاج صنف مميز جديد من الكباب نال إعجاب كل من تذوقه. كما يستخدم الفستق العنتابي في مأكولات عنتابية أخرى مثل "اللحم عجون" والكبة المقلية وغيرهما كثير.

TRT عربي
الأكثر تداولاً