الشتائم (Getty Images)

الشتيمةُ.. كلمةٌ تشمئزِ منها النفسُ، تعتبرها مثل ركلة لا مرئية وُجّهت إلى الروح، وهي تترك لطختها هناك لفترةٍ غير بسيطة، لطالما كانت الشتائم مثل القاذورات، فما الذي يدفع الناس إلى أن يلقوا بها بعضهم البعض متسببين بأثارٍ مهما غُسلتْ بكلامٍ منمق فإنها تبقى ذاتَ أثر!

شتائمُ بسيطة، كبيرة، أو ذات أحجامٍ مختلفة وفقاً للموقف والحدث! شتائم تقال مزحاً أو جدياً! في الأساس ما التبرير الذي يجعل الإنسان ينزل عن سلالم الرقي لبعض الوقت أو كله؟

لأن لسان الإنسان هو مرآة عقله، سواء تحدثَ غاضباً أو فرحاً فانتقاء الكلمات والأخذ بعين الاعتبار مشاعر وأحاسيس من يقابلوننا يكادُ يكون فرضاً لا بد منه.

ويبقى السؤال دائراً، لماذا يتفوه الناس بالشتائم؟ ما الأسباب والدوافع والتبريرات؟ هل هناك علاقة بين قلة الحيلةِ وضعف القدرةِ على التعبير عن النفسِ مع إطلاق الشتائم؟ كيف تنظر المجتمعات المختلفة للشتائم؟ هل تؤثر الشتائمُ على نفسية من يطلقها؟ وكيف تؤثر أيضاً على من يستقبلها وتطلق إليه؟ هل تهذيب اللسان من تهذيب النفسِ فيما يتعلق بالشتائم؟ نهايةً.. سيكولوجياً، هل يمكننا أن نعتبر الشتائم أمراً عادياً لا يجب الوقوف عنده كتقليل شأن أو انتقاص قدر أو عدم احترام، فيكون أمراً عادياً وفقاً للمجتمعات والخلفية الثقافية للشخص الشاتم؟

الشتيمةُ تمسُّ الكرامةَ

تقول د. غادة بن سعيد، فلسطينيةٌ حاصلة على دكتوراه في علمِ الاجتماع، لـ TRT عربي: "يعتقد البعض أن الشتائمَ والألفاظَ السيئةَ سبيلٌ للتفريغ الانفعالي والتعبيرِ عن المشاعر بأوقات عصيبة وهذا أمرٌ غير مقبولٍ دينياً واجتماعياً وتربوياً".

أي كلمةٍ سيئة أو فعلٍ مسيء هو فعل مرفوض وليس أمراً عادياً (Getty Images)

تضيف: "تلعب التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة دوراً مهماً في إكسابِ الأطفال القيمَ التربوية والشخصية السوية، فالأسرة التي تهتم بتربية أطفالها على مبادئ وقيم سليمة، لن نجد أحداً منهم يتلفظ بأي لفظٍ مخل للآداب العامة، بخلاف الأسرة التي لا تهتم بأطفالها، وتغيب عنها الرقابة الأبوية على التصرفات، فنجد هنا أن المجال خصباً لأن يتعلم الطفل من الأسرة و الشارع وحتى المحيط بعض الألفاظ السيئة والشتائم".

وعما إذا كانت الشتيمة عادةً عادية وأمراً لا يجب الوقوف عنده طويلًا تؤكد د. غادة :" أي كلمةٍ سيئة أو فعلٍ مسيء هو فعل مرفوض وليس أمراً عادياً، بل هو أمر يحتم علينا التركيزَ بكل لفظ يصدر من الفرد اتجاه الآخرين، حتى لا نقع بمشكلةٍ قد تكون عواقبُها وخيمة، وباعتقادي كل طبقات وفئات المجتمع ترفضُ هذا الفعل أو اللفظَ حفاظاً على كرامةِ أفرادها".

وعن تقبل المجتمعات المختلفة للشتائم تبين د. غادة لــ TRT عربي: "المجتمعاتُ العربية والغربية ترفضُ هذا الأسلوب وتجرِّمه لأنه يقلل من قيمةِ الإنسان وكرامتِه ومكانتِه وهناك قوانين مفعلة بأغلب المجتمعاتِ تحاسب وتعاقب أي شخصٍ يسب ويشتم، وفي الآونةِ الأخيرة رأى العالمُ كله كيف أنَّ شابًا شتمَ النبي صلى الله عليه وسلم وكيفَ كانت ردةُ فعلِ العالم العربي والغربي على ذلك".

تضيف: "باعتقادِي أن المجتمعاتِ العربيةَ والغربية أصبحت أكثر وعياً وإدراكاً لخطورة الكلمة السيئة وعواقبها".

وبما أن الشتائمَ –رغم معرفة أنها سيئةٌ- شائعة في كل المجتمعات على اختلاف أنماطِها تقول د. غادة:" لا يوجد سببٌ واضح وصريحٌ لتفوه الناس بالشتائمِ فكل مجتمعٍ مختلف عن الآخر من النواحي الاجتماعيةِ والتربوية والديني كافة".

توضح: "لكن هناك مؤشراتٌ ومواقف تظهر بها الشتائم كأن يشعرَ الفرد بالخوفِ الشديد أو قلة الوازعِ الديني لديه أو اعتياده للشتم كي يفرض قوتَه أو رجولته ويعتقد البعض أن الشتائمَ تقع من ضمن المزاح أو التقليدِ باعتبارها شيئاً جميلاً يدعو للتباهي والفخر بقدرة التلفظ بها".

وتنهي د. غادة حديثها لـــ TRT عربي قائلةً: "الإنسان بداخلِه يدرك أنَّ الشتيمةَ سلوك غير مرغوبٍ ويدرك جيداً أنه فعل خاطئٌ يحاسب عليه، البعضُ يستخدم الشتائم كهروبٍ من الضعف النفسي الداخلي وإثبات الذاتِ للناس، وهذا سلوكٌ ومعتقد خاطئ".

تحفيزُ الجهاز العصبي

أما د. نادية البس، اختصاصيةٌ نفسيةٌ من المملكة العربية السعودية، فعلى النقيضِ فهي ترى أنَّ للشتائمِ أثراً إيجابياً أكبر من الأثرِ السلبي فتؤكد لـ TRT عربي: "قد لا أتقبلُ الشتائم بأي صورةٍ من الصور، ولكن وفقًا للأبحاث العلميةِ فمن يستخدمون الشتائم ويطلقها يتمتعون بنفسية مرتاحة جداً، لأنهم يقذفون بكل طاقاتِهم السلبيةِ إلى الخارج عبر التلفظِ بالكلمات السيئة".

تلعب التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة دوراً مهماً في إكسابِ الأطفال القيمَ التربوية والشخصية السوية (Getty Images)

وعن أثرِ الشتيمة على المتلقي وإنْ كانت تجرحه نفسياً فتبينُ: "على العكس، الشتيمةُ تعزِّز قدراتِ المشتومِ وقوتَه النفسية للأفضل، ولأنه سيتمتع فيما بعد بقدرةٍ كبيرة على تحملِ الألم، وهو ما يحفز الجهازَ العصبيَ ويعمل على إفرازِ كميةٍ كبيرة من مادة الأدرنالين بالجسمِ، والذي له فوائد عظيمة".

مجتمعاتٌ حساسة أم قوية؟

وعن مدى تقبلِ المجتمعاتِ للشتيمةِ تؤكدُ د. نادية لـ TRT عربي: "المجتمعاتُ العشوائيةُ التي تسودُ فيها ثقافةُ الشتيمةِ نجدُها مجتمعاتٍ غير حساسة، والإنسان يعيش فيها بروحٍ مرحة، خلافاً للمجتمعات المثقفةِ والحضارية التي تخلو من الشتائمِ نرى أن أفرادها شخصياتهم ضعيفة وحساسة جداً، ويصل الأمرُ أنْ يعتبروا الكلمة السيئة مهما كانت بسيطةً تنمراً يُمارس ضدهم فيؤدي بهم إلى الانتحار".

وتنوه: "على مستوى المشاعر والأخلاق، يعتبر التلفظُ بالشتيمة غيرَ أخلاقي، وأنَّ الشخص الشتّام هو شخصٌ غير سوي، وغيرُ محترم لنفسه ولا للآخرين، كما سيعاني من كراهيةِ الآخرين له، ويخسر نفسَه وعلاقاتِه الاجتماعية وهذا سائدٌ جدًا في المجتمعاتِ المتحضرة إذ تتفكك الكثير من العلاقاتِ الاجتماعيةِ كضررٍ مباشر لتداول الشتائم".

وفي ختام حديثِها تقول د. نادية لــ TRT عربي: "بإمكانِ الشخص الحسَّاسِ من أثر شتيمة ما أو لفظٍ سيئ أنْ يُخضع نفسه للعلاج عبر تمارين التأمل والاسترخاءِ النفسي وهو ما يحسن كثيراً من حالتِه وصفو ذهنه وانشراح صدره، حتى يتجاوزَ الأمر بسهولة وسلاسة تطلعاً لمستقبل أقوى".

والآن كُنْ صريحاً وأخبرنا.. هل تحبُ استخدام الشتيمة؟ كم مرةً تستخدم الشتيمةَ باليوم؟ وفي أي وقتٍ تستخدمها؟ هل تغرقُك أمواجُ الضغوطِ فتستخدمها مراراً وتكراراً؟ إذن ربما من الأفضلِ أن تستخدمَها في غرفةٍ فارغة حيثُ لا يَرى النسخةَ السيئة منك أحدٌ غيرك، ولكن حذار أن تُلقي بقنابل شتائمك اللاواعية في وعاء روحِ من تحبه وتحترمُه وتقدره فتفجر كيانَه وتحيله فتاتاً وشتاتاً لا يلملمه ولا يرأب صدعَه مرورُ الزمن، ففكر كثيراً قبل أنْ يسبقَ لسانُك عقلك!

TRT عربي