مع انتشار فيروس كورونا المستجدّ، تغيّرت حياة الناس بشكلٍ كبير في مختلف مناحيها، حتى شهر رمضان جاء بحلّةٍ جديدة هذه السنة، من دون طقوسه المعروفة.

منذ بداية الجائحة والتزامنا بيوتنا نتطلّع إلى رمضان بحزنٍ كبير، فكلّ ما كنّا نعهده عن هذا الشهر الفضيل قد اصطبغ بصبغةٍ أخرى هذه السنة، لا تجمّعات اجتماعية في البيوت ولا صلاةً جماعية في المساجد، عدا عن أنّنا نعلم أنّ الأمور لن تكون أفضل بكثيرٍ مع مجيء عيد الفطر أو ربما في موسم الحجّ وعيد الأضحى القادم.

لكنّ الجائحة وضعتنا أمام عديد من الأسئلة، القديمة والجديدة، بعدما وجدنا أنفسنا في عزلتنا الذاتية نتبع قواعد الابتعاد الاجتماعي ونراقب الحياة وهي تتباطأ أو تتوقف شيئاً فشيئاً تبعاً لانتشار الفيروس. ترتبط تلك الأسئلة بالفرد نفسه كما ترتبط بالمجتمع وموقعه منه. لذلك قد يكون رمضان أيضاً فرصةً أخرى لنعيد التفكير في أنفسنا ونظرتنا إلى الدين والعبادات والطقوس.

عبادة ضبط الذات

"يتفّق فعل الصوم مع غيره من السلوكيات والعبادات التي يدعو إليها الإسلام والتي تقوم أساساً على فكرة ضبط النفس وكبح الرغبات اللحظية والدعوة إلى الابتعاد عن المحظورات التي تضرّ بالنفس والآخرين والتزام السلوكيات النافعة. إذيختبر الصوم قدرتنا على التحكّم في ذواتنا"، تقول إخصائية علم النفس حفصة خالد في حديثها مع TRT عربي، فالآية القرآنية التي تتحدّث عن الصوم تذكر التقوى نتيجةً له: "لعلّكم تتقّون"، أي إنها ترى الصوم أكثر من مجرّد امتناعٍ عن الطعام والشراب والشهوات الجسدية.

يتشابه مفهوم
يتشابه مفهوم "التقوى" مع مفهوم التحكّم في الذات أو النفس والسيطرة على الدوافع واكتساب ضوابط في السلوكيات (AFP)

يتشابه مفهوم "التقوى" مع مفهوم التحكّم في الذات أو النفس والسيطرة على الدوافع واكتساب ضوابط في السلوكيات، تُضيف خالد. ولو أردنا تعريفه باستخدام المصطلحات السيكولوجية الحديثة لقلنا إنّه سلوكٌ معرفيّ بتعلّق بقدرة الشخص على تغيير استجاباتهلجعلها تتماشى مع معايير عُليا، مثل القيم والأخلاق والمُثل والتوقعات الاجتماعية، إضافةً إلى السعي لتحقيق أهداف طويلة الأجل على حساب المُتَع الآنية والحالية، أي إنّ التحكّم في الذات يرتبط بالشخص أولاً، وبالمجتمع من حوله ثانياً.

تقترح خالد أنّ شعور الشخص بقدرته على ضبط نفسه والسيطرة على دوافعه والتحكّم فيها يعزّز "صورته لنفسه" ونظرته الإيجابية إلى ذاته، وهذا ما يدعمه العلاج السلوكيّ المعرفي على سبيل المثال الذي يُثبت فاعليته في التعامل مع القلق من خلال العمل على تعزيز قدرة الشخص بالتحكّم بدوافعه وأفكاره وضبط سلوكيّاته ومشاعره.

من جهةٍ ثانية، يمكننا من هنا أيضاً أنْ نستشفّ الآثار الاجتماعية للصيام التي تتمثّل في تعزيز وحدة الشعور والسلوك بين المسلمين في العالم. وقد أتت الجائحة لتذكّرنا أنّ انغماسنا بالمادّيات والثقافة الاستهلاكية وتركيزنا على الجسد وتحقيق الرغبات العاجلة قد أبعدنا عن طبيعتنا الإنسانية والطبيعة نفسها، وجعلنا نغرق في نرجسيّتنا الحديثة التي تُنكر الروح والمجتمع وتُعلي قيمة الأنا المثالية التي تغترّ بحريّتها المُطلقة وفردانيّتها التي تأتي قبل كلّ شيء.

الصوم يتناول الذوات بالتهذيب والتدريب المشترك، فيَحُول بين البطن والمادة، وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة واحدة
الصوم يتناول الذوات بالتهذيب والتدريب المشترك، فيَحُول بين البطن والمادة، وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة واحدة (AFP)

وهذا بالضبط ما يذكّرنا به الصوم أيضاً، فقد كتب مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم" أنّ الصوم يتناول الذوات بالتهذيب والتدريب المشترك، فيَحُول بين البطن والمادة، وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة واحدة ويُطلق في هذه الإنسانية صوت الروح ويعلّم الناس الرحمة والتعاطف. أمّا بيغوفيتش فقد تحدّث في فلسفته للصيام عن أنّ الصوم ليس مجرّد مسألة فردية تخصّ الفرد وحده، بل هو التزام اجتماعيّ.

على الرغم من غياب الطقوس الجماعية التي كانت تُضفي طابعاً مُبهجاً ومنعشاً اعتدناه طوال سنوات حياتنا، وافتقادنا صلاة التراويح في المساجد وتجمّعات العائلة الكبيرة على مائدة الإفطار، التي قد تبعث جميعها شعوراً بالحزن وتزيد حدّة الوحدة والوحشة التي نشعر بها في أيّامنا هذه، فإنّ هذا الظرف الاستثنائي هو فرصة لنا لتجربة رمضان بعيداً عن المظاهر السلبية التي كانت تسلب الشهر جوهره.

الصوم والعزلة الذاتية

من وجهة نظرها، ترى خالد أنّ غياب "الدوشة" الاجتماعية وسلوكيّاتها من إفطاراتٍ جماعية تأخذ وقتاً كبيراً من أيام الشهر، أو السهر خارج البيت بعد صلاة التراويح حتى موعد السحور، ثمّ النوم طوال النهار، أو السلوكيات الاستهلاكيّة والتسوّقية، فرصة لنا لنعيد تقييم الصوم بكونه أكثر من فعل امتناعٍ عن الأكل والشهوات.

فالضجة الاجتماعية قد تُلهي الشخص عن ذاته وتُفقِده قدرته على التحكّم في نفسه، لما لها من تأثيرٍ كبيرٍ فيه، بما يعني أنّ وقوعه في بوتقة الجماعة قد يُنسيه الهدف الأساسيّ من رمضان و"التقوى" المرجوّة منه في حال استخدامنا المصطلح الشرعي، أو القدرة على "ضبط الذات" في حال استخدمنا المصطلح السيكولوجيّ.

لذلك قد تعلّمنا العزلة الذاتية أيضاً أنّ الصوم يتجاوز كونه فعلاً مرئياً وسلوكاً اجتماعياً، وإنّما ينطوي قبل هذا أيضاً على صوم القلب والجوارح عن الصفات الدنيّة والأفكار الدنيوية التي كثيراً ما يعزّزها المجتمع والثقافات بما فيها من طقوسٍ وسلوكيات جماعية واقتصادية.

يمنحنا هذا الوقت فرصةً لإعادة التفكير في أنفسنا وأفعالنا بعيداً عن الحياة الاجتماعية الصاخبة، قد يكون ذلك مفيداً لنا لتركيزنا على اللبنة المجتمعية الأولى، الأسرة، والالتفاف حولها وتعزيز التواصل والتماسك الداخليّ، دون أنْ نجعل القواعد الصحيّة والابتعاد الاجتماعي تُنسينا الفئات الضعيفة والمحتاجة حولنا ومدّ يدّ العون لمن يحتاجون إليها، سواء الأقارب والجيران، بالتبرّع أو الصدقات.

المصدر: TRT عربي