يُواكب موجة انتشار التظاهرات الثقافية الفنية بالمغرب، أسئلة عن جدوائيتها وأثرها ومدى خدمتها للثقافة ورقيّها بالحس الفني والجمالي للمواطنين.

وسم المشهد الثقافي بالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، تنامي أعداد المهرجانات الثقافية والفنية، التي صارت تقليداً سنوياً يطبع السياسة الثقافية المغربية، برعاية من الدولة أو الجمعيات الفاعلة في المجال، في الحواضر الكبرى كما في البوادي والقرى.

ويُواكب موجة انتشار التظاهرات الثقافية الفنية أسئلة عن جدوائيتها وأثرها ومدى خدمتها للثقافة ورقيّها بالحس الفني والجمالي للمواطنين، علاوة على الجدل الذي تثيره الميزانيات المرصودة لها، ومكانتها في السياسة العمومية للمجال الثقافي، خصوصاً أنها مبادرات موسمية محدودة زمنياً.

يخلف "ارتفاع " أعداد المهرجانات الفنية بالمغرب ردوداً متباينة، بين من ينتقد محدودية آثارها وأدوارها، وبين من يرى أنها ظاهرة صحية وإفراز طبيعي لرجّة ثقافية يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة وامتداد "للمواسم" التقليدية التي تنظم بعدد من جهاته وأقاليمه منذ عقود.

من "المُوسم" إلى المهرجان

يربط موليم العروسي، أستاذ الفلسفة والباحث في علم الجمال، "تنوع وكثرة " المهرجانات بكونه "امتداداً للمواسم التقليدية، التي يعرفها المغرب في مختلف مناطقه، والتي كانت تنظم لضرورات دينية واجتماعية واحتفالية، وكانت دعاماتها الأساسية الموسيقى والرقص والذكر والفرجة".

تحظى المواسم التقليدية الكبرى بدعم من الدولة، وخَلقَت إلى جانبها مهرجانات جديدة، موجهة لفئة أخرى خرجت -أو يبدو أنها خرجت- من البنية المجتمعية التقليدية، كما أن وظائف المواسم، تحورّت، وأصبحت لها أهداف أخرى، بعد أن خرجت من أيدي الجماعات السكانية المحلية وأصبحت بأيدي السلطة المركزية.

يضيف الباحث في الجماليات في تصريح لـTRT عربي أن "أغلب المهرجانات اليوم استهلاكية، وليس لها تأثير ودفعة مهمة في تنمية الذوق الفني للمواطنين كما أنها لا تلعب دوراً أو تشكل قاطرة تقود الثقافة بالمغرب، مع استثناءات قليلة، تحمل أهدافاً طلائعية وليست فقط فرجوية".

في المقابل، يؤكد إبراهيم المزند، فاعل ثقافي مغربي والمشرف على تنظيم عدد من الأحداث الثقافية الوطنية والدولية، أن عدد المهرجانات بالمغرب "يبقى قليلاً مقارنة بعدد من الدول الأخرى"، مضيفاً أنه "أقل أيضاً مما كان موجوداً إذ إن المغرب تاريخياً، يعرف تنظيم عدد من المواسم التقليدية الفنية، التي تعكس غنى كل جهة وتنوُّع روافد الثقافة المغربية".

الأهمية والأثر

مع بداية كل موسم ثقافي، يثار النقاش بالمغرب حول موضوع التظاهرات الفنية، بين من يقلل من أهميتها وقيمتها ويرى فيها وسيلة للإلهاء عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها البلد، وبين من يعتبرها في المقابل، ذات أهمية قصوى، وكونها جزءاً من الحل بالنسبة للمعضلات العالقة في تحقيق غايات التنمية.

عن ملاحظاته حول المهرجانات الثقافية المغربية، يقول الكاتب والمفكر المغربي، أحمد عصيد، إن أهميتها "تختلف من تظاهرة إلى أخرى، غير أنه يمكن ملامسة أثرها ودورها الهام خصوصاً في المهرجانات التي تهتم بالحوار الفكري الثقافي، بالموازاة مع الأنشطة الفنية".

"هناك العديد من المهرجانات الناجحة والتي توفر فضاء وفرصة للنقاش والتعبير وأيضاً مناسبة للاحتفال والترفيه، وتنظم بميزانيات متواضعة"، يضيف عصيد في حديثه لـTRT عربي.

من جهته، شدد الفنان المغربي، محمد الشوبي، في تصريح لـTRT عربي على أهمية إقامة المهرجانات الثقافية، معتبراً أن كل مبادرة فنية أو ثقافية، "محمودة ومرحب بها، شرط أن تؤطرها استراتيجية واضحة لدعم الثقافة والصناعة الثقافية بالبلد، على أن لا تكون موسمية بل أن تعمل طوال السنة، خصوصاً بالمدارس حتى تستطيع مواجهة العنف والتطرف والتربية على الجمال والفنون".

بين التبذير والهزالة؟

وإلى جانب سؤال الجدوائية، تثير مشكلة دعم المهرجانات جدلاً واسعاً بين فئة من المواطنين الذين يعتبرونه (الدعم) تبذيراً للمال العام، الذي يفترض صرفه في قطاعات حيوية تواجه مشاكل عديدة بالمغرب كالصحة والتعليم.

وزير الثقافة والاتصال محمد الأعرج، انتقد بداية شهر يوليو/تموز الماضي، معارضي تنظيم المهرجانات، خلال عرض قدمه بالبرلمان، معتبراً أن المهرجانات التي تقيمها وزارته "ليست ترفاً"، كاشفاً أنه يتوفر على إحصائيات تثبت مساهمة المهرجانات في التنمية الاقتصادية المحلية.

وأعلن وزير الثقافة والاتصال أن وزارته بصدد نشر إحصائيات حول الوقع الاقتصادي للمهرجانات على المدن والجماعات، مشيراً إلى أن الدعم الذي تخصصه الوزارة متواضع ويخصَّص جزء منه لأداء أتعاب الفرق المشاركة وجوائز التكريم".

من جهته، يقول إبراهيم المزند، إن المهرجانات الوطنية تشهد إقبالاً واسعاً من المواطنين، إذ تشكل فضاءات للاستمتاع بمختلف الإبداعات الفنية واكتشاف أنواع وثقافات فنية جديدة، ستساهم في تشكيل ذوق فني وإبداعي في صفوف المواطنين، مشيراً إلى أن من حق المواطن أن يستفيد من هذه الأنشطة الثقافية وأن تنظم بمدينته أو قريته، مشيراً إلى أن المهرجانات تنشط بشكل ملموس اقتصاد المناطق التي تحتضنها.

ويرفض المزند في تصريح لـTRT عربي تحميل مشاكل الثقافة للمهرجانات، مشيراً إلى أنه يجب انتقاد الاستراتيجية الثقافية بالبلد ككل، ذلك أنها (المشاكل المحلية والوطنية) مسؤولية الدولة والمنتخبين المحليين وأيضاً ضعف نشاط المديريات الثقافية التي ترعى الشأن الثقافي، أما المهرجانات فتقوم بواجباتها المنوطة بها.

في إطار استراتيجية وزارة الثقافة، الهادفة إلى دعم المشاريع الثقافية والمهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، قدمت الوزارة خلال سنة 2019 دعماً لـ256 مشروعاً موزعة على المجالات التالية: المهرجانات الثقافية أو الفنية: 188؛ التظاهرات الثقافية أو الفنية: 68. وبلغ إجمالي الدعم المقدم برسم هذه السنة 8 ملايين درهم و475 ألفاً (ما يعادل 9 ملايين دولار).

وتواجه الميزانية الموجهة إلى وزارة الثقافة، انتقادات فئات من المواطنين ترى أن الدعم الموجه إلى القطاع "هزيل"، إذ لا يتجاوز 0.2 % من مجموع القطاعات، ما يعرقل النهوض بالثقافة في المملكة.

يقول أحمد عصيد إن "ميزانية وزارة الثقافة هزيلة جداً"، مضيفاً: "هذا يكشف أن آخر ما تهتم به الحكومة هو التنشيط الثقافي ولا تحظى باهتمام يذكر من طرفها، ولا من طرف الأحزاب السياسية التي تضع الثقافة في آخر اهتمامات برامجها ومشاريعها وهذا يظهر في الدعم الباهت للأنشطة الثقافية بالمغرب".

المصدر: TRT عربي