قالت وسائل إعلام محلية الاثنين، إن عدة آلاف من المهاجرين من المغرب وصلوا إلى منطقة سبتة الواقعة شمالي المغرب، عن طريق السباحة على طول الساحل في البحر الأبيض المتوسط من بلدة فنيدق المغربية. (dpa)

ورقة ضغط جديدة تسعى مدريد إلى لعبها ضد الرباط، كفصل آخر من التوتر الديبلوماسي الذي اندلع بين البلدين الجارين لما يزيد على شهر. حيث أعلنت الحكومة الإسبانية دراستها مقترح تغيير الوضع القانوني لمدينتي سبتة ومليلية، المحتلَّتين حسب ما يعتبرهما المغرب، وضمهما إلى منطقة شنغن. ما يعني مساعي إسبانية جديدة لإقحام الاتحاد الأوروبي في توترها مع جارتها الجنويبة.

وعلى الأرض فرض إجراءات أكثر صرامة وتعقيداً على الحدود البريَّة بين البلدين، وهي التي كانت تمثِّل، ولأمد قريب، معبراً سياحياً بالنسبة إلى الجانب الإسباني، وممراً تجارياً يعيل العديد من الأسر المغربية القاطنة في المدن المحاذية لهذين الثَّغرين.

منطقة شنغن.. ورقة جديدة تلعبها حكومة سانشيز

نقلًا عن وكالة رويترز، أعلنت وزيرة الخارجية الإسبانية، أرانشا غونزاليس لايا، البارحة الثلاثاء، أن حكومتها تدرس ضم مدينتي سبتة ومليلية بشكل كامل إلى منطقة "شنغن" الأوروبية. وتأتي هذه الخطوة في سياق التوتر القائم منذ أزيد من شهر بين الرباط ومدريد، عقب استقبال هذه الأخيرة بشكل سري زعيم منظَّمة بوليساريو الانفصاليَّة، ما اعتبره المغرب استفزازاً له، لتتطور الأمور إلى إعادة طرح الموقف الإسباني من ملف الصحراء باعتباره نقطة عميقة بين البلدين الجارين.

وليست هي المرة الأولى، خلال التوتر القائم، التي تلوح فيها إسبانيا بورقة بسط الإجراءات الجمركية الأوروبية الموحَّدة على الثغرين المذكورين. هكذا، وفي زيارة سابقة له إلى مدينة سبتة، قال خوان جونزاليس باربا، الوزير الإسباني المسؤول عن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إن حكومة بيدرو سانشيز تدرس بجديَّة إلغاء النظام الخاص الذي يسمح بمرور مغاربة إلى المدينتين دون تأشيرة.

هذا وفي السياق ذاته يرى مراقبون أن الضغط الإسباني بهذه الورقة يسعى إلى استهداف نقطتين أساسيتين، أولاهما إقحام الاتحاد الأوروبي في التوتر الحاصل بين البلدين، بمنح صفة "الحدود الأوروبية" للمدينتين الشمال إفريقيتين، ما يعني تحمُّلَ الاتحاد الأوروبي بشكل مشترك مسؤوليَّة حمايتهما، وأن أي ضغط على شريطهما الحدودي سيواجه تحركاً أوروبياً موحداً. والثاني الضغط على المغرب اجتماعياً، بفرض التأشيرة على سكان المناطق المجاورة للثغرين، ممَّا يعني قطع التهريب المعيشي الذي لطالما اتخذته هذه الساكنة عصب حياتها.

بالنظر إلى النقطة الأولى، ليست هذه المرة الأولى التي تدفع فيها إسبانيا الأمور تجاه إقحام الهياكل الأوروبية في التصعيد الجاري مع المغرب، لتقف إلى جانبها، لا كحليف لأحد أطرافه، بل كطرف فيه. فيما تعود المرة الأولى إلى الخميس الماضي، عبر البيان الذي أطلقه البرلمان الأوروبي، والذي يرفض ما أسماه "استخدام المغرب لضوابط الحدود وللهجرة، وخاصة القصّر غير المصحوبين بذويهم، أداة للضغط السياسي على دولة عضو في الاتحاد". في خطوة وصفها وزير الخارجيَّة المغربي، ناصر بوريطة، بـ"المحاولة غير المجدية والتي لا تساعد في حل جذور الخلاف مع إسبانيا". وأضاف الوزير المغربي في السياق ذاته، أنه "لا دخل للاتحاد الأوروبي" في "الأزمة الثنائية" بين بلاده وإسبانيا. فيما أعلن البرلمان الإفريقي سابقاً، وكذا مجموعة منظمات إفريقية وعربية وإسلامية أخرى، تضامنها مع المغرب ورفضها لما أقدم عليه الاتحاد الأوروبي.

ماذا يعني تضمين سبتة ومليلية إلى منطقة شنغن؟

عدا الحديث عن الأثر السياسي للعب ورقة الضغط الإسبانية تلك، فكما أسلفنا الذكر أن ما يعنيه تضمين مدينتي سبتة ومليلية إلى منطقة شنغن، هو فرض تأشيرة عبور على المغاربة القاطنين في المدن والبلدات على مقربة من تلك الثغور، وتغيير الوضع الخاص الذي كانت تتمتع به تلك الساكنة وحوله بنت نمط عيش تام يقوم على التجارة مع الطرف الإسباني في ما يسمى بالتهريب المعيشي.

فحسب الإحصائيات، فنحو مليون مغربي يعيشون من هذا النشاط التجاري غير المشروع. من بينهم 300 ألف مرأة حسب مصادر غير رسمية، وحسب المصادر الرسمية المغربية 3500، يشتغلن كـ"نساء بغلات" (كما يصطلح عليهن إعلامياً) يحملن ويهربن السلع من المدينتين المعفاتين من الضرائب، لبيعها إلى متاجر المغاربة. كل هذا برقم أعمال يتعدى 2.7 مليار دولار سنوياً، سينهيها إلى الأبد القرار الإسباني.

فيما يسلط تقرير سابق للبرلمان المغربي حول وضعية المشتغلين بهذا النشاط، وهم في الغالبيتة نساء، التي تتسم بالمعاناة الكبيرة. حيث تتجمع أولئك النسوة في صفوف طويلة مقابل المعابر لعدة ساعات، عرضة لكل ممارسات الابتزاز والتحرش والسرقة. وحسب التقرير ذاته فإن معظم النساء "يجهلن محتوى السلع التي يحملنها"، كما أشار إلى أن الأمر يتعلَّق بـ"مافيات تهريب تستثمر في معاناتهن". هذا وعرفت المدينتان حوادث تدافع مردها الاكتظاظ الذي يحصل داخل بوابات العبور، ممَّا أودى بحياة العديد منهن في فواجع كالتي حصلت 2017، وراح ضحيتها سيدتان.

هذا ويذكر أن المغرب اتخذ قراره سابقاً سنة 2020 بإغلاق الحدود مع سبتة ومليلية، كإجراء احترازي بعد تفشي وباء كورونا. لكن حركة احتجاجية اندلعت في مدينة الفنيدق المحاذية لسبتة، مطالبة بإيجاد بديل اقتصادي بعد توقف نشاط التهريب المعيشي.

TRT عربي