ارتبط شهر رمضان بعدد من العادات تميزه عن بقية الأشهر وتضفي بهجة على المنازل والشوارع في كثير من الدول العربية والإسلامية.

ترجع عادة إضاءة الفوانيس وتزيين الشوارع والمساجد والأبنية إلى مئات السنين، ومع قدمها، لا يزال الناس يتمسكون بإحياء هذه العادات لأنها أصبحت طقوساً مرتبطة بالشهر الكريم.

ورغم أن زينة رمضان تعد ركناً أساسياً في هذا الشهر منذ القدم، تختلف وتتنوع الروايات حولها والتساؤلات أيضاً، كيف ظهرت؟ ومتى بدأت؟ وكيف تطورت على مر الزمان؟

الخليفة عمر.. بدأها

كان أول من بدأ الاحتفال بقدوم رمضان الخليفة عمر بن الخطاب، الذي أمر بإنارة الطريق إلى المسجد والقضاء على الظلام، وكذلك إنارة المساجد وزخرفتها ابتداء من أول أيام رمضان ليتمكن المسلمون من أداء صلاة التراويح وغيرها من الشعائر الدينية بشكل مريح.

وكانت المسارج، وهي عبارة عن أواني مصنوعة من الفخار أو الأحجار أو المعادن يوضع فيها زيت له فتيل ويشعل بالنار، تستخدم، آنذاك، في إنارة الطرق والمساجد.

وبدأت أشكالها تتطور شيئاً فشيئاً، وصُنعت من النحاس والبلور، واستخدمت زيوت السمسم والزيتون والحجر أي النفط لإضاءتها.

ظلت تلك العادة تتوارث من عصر إلى عصر ومن جيل إلى آخر، مع تغير وتطور أشكالها، حتى ظهر الفانوس بشكله الأقرب إلى الشكل الحالي والذي يعود إلى العهد الفاطمي.

حكايات الفانوس

تشير إحدى الروايات التاريخية، التي ترجع إلى أكثر من ألف عام، إلى شهر رمضان المبارك عام 969 م. كان المصريون يترقبون وصول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، وطلب القائد العسكري في ذلك الوقت، جوهر الصقلي، من سكان المدينة حمل الشموع لضمان إضاءة الطريق للخليفة عند وصوله.

أحد مساجد إسطنبول وقد زين بعبارة "سلطان الأحد عشر شهراً" احتفالاً بشهر رمضان المبارك (Others)

ومن أجل التأكد من أن الشموع لن تنطفئ، قام أهل المدينة بحمايتها من خلال وضعها في فوانيس خشبية مصنوعة يدوياً، ومنذ ذلك الحين أصبحت الفوانيس المضاءة تقليداً رئيسياً في رمضان.

ورغم تصديق الكثير من المؤرخين لتلك الرواية، لكن حكايات ظهور الفوانيس وارتباطها بشهر رمضان تنوعت واختلفت.

فتشير إحدى تلك الحكايات إلى أن النساء كن يستعملن الفوانيس في طريقهن إلى المساجد كوسيلة أمان، فيحمل الفانوس صبي يسير أمام المرأة، حتى يلاحظ المارة وجود نساء في الطريق، ويمنحوهن حق المرور دون اعتراض طريقهن.

بينما تربط إحدى الروايات أصل الفانوس بوجود المسحراتي الذي يسير ليلاً في الشوارع، لإيقاظ النائمين من أجل تناول وجبة السحور، وكان يسير أمامه طفل صغير يحمل فانوساً لإنارة الطريق.

ورغم تنوع الروايات، فمن الواضح تاريخياً اتفاقها أن صناعة الفوانيس بدأت في مصر في العصر الفاطمي، وأصبحت صناعة الفوانيس وزينة رمضان حرفة موسمية يتمركز العاملون بها حتى الآن في منطقة القاهرة الفاطمية وتحديداً شوارع الأزهر والغورية وباب الشعرية والسيدة زينب.

الخيامية من الفراعنة حتى اليوم

ومع اتساع سوق الفوانيس في مصر كان من الضروري التجديد والبحث عن أشكال أخرى لزينة رمضان، فكانت الأقمشة الملونة ذات الزخارف الحمراء والتي تسمى "الخيامية" أشهر زينة رمضانية في مصر.

وتشير الروايات التاريخية، أن الخيامية كانت موجودة منذ عصر الفراعنة، لكنها ازدهرت بالفعل في العصر الإسلامي، خاصة خلال الحكم المملوكي في مصر، حتى وصلت إلى شكلها الحالي.

وتحمل، في ذات الوقت، خصوصية ارتبطت بقماش الكعبة المطرز بالخيوط الذهبية والفضية، والذي كان يصنع في مصر حتى الستينيات، وكان يتم إرسالها إلى الحجاز في موكب مهيب عرف باسم "المحمل".

اتسع سوق الخيامية في مصر بشكل كبير، حتى أن هناك سوقاً كبيرة في مصر يطلق عليها الخيامية بُنيت في القرن السابع عشر.

ويشتهر السوق بالأقمشة الملونة المستخدمة في خيام الشوارع الضخمة المخصصة للجنازات وحفلات الزفاف والمتاجر والتجمعات الأخرى.

وشيئاً فشيئاً شملت السوق سلعاً أخرى مثل أعمال الزينة، والوسائد، والأغطية، والمعلقات الجدارية، وأغطية السيارات، وبشكل خاص زينة رمضان بأحجام تتناسب للشوارع والمساجد وأحجام أصغر تزين بها المنازل خلال الشهر الكريم.

المحيا.. لآلئ إسطنبول

من القاهرة إلى إسطنبول، ومع وجود الاختلافات إلا أنه يمكن القول إن العادات والمظاهر الاحتفالية بشهر رمضان تتشابه بينهم.

ففي العصر العثماني، أمر السلطان أحمد الأول عام 1617 بإنارة المصابيح وتعليقها على قبب المساجد والمآذن في إسطنبول وكأنها نجوم متلألئة في السماء، وأطلق عليها "المحيا" أو "الماهية".

و"المحيا" عبارة عن أضواء الزينة التي يجري تعليقها بين مآذن المساجد الثنائية، وتحمل عبارات استقبال رمضان أو عبارات وداع الشهر الكريم، مثل "تحية يا رمضان"، "أهلاً بكم في رمضان"، و"سلطان الأحد عشر شهراً" أو "وداعاً يا شهر رمضان".

ومع انتشار فيروس كورونا المستجد، حملت "المحيا" عبارات تدعو إلى الحفاظ على الصحة والسلامة منها: "ابقَ مسؤولاً، حافظ على صحتك" و "ابقَ في المنزل، حافظ على صحتك".

و"المحياجي" هو الشخص الذي يرسم التصميم، الذي يريد إظهاره فوق المحيا، ويحدد أماكن المصابيح وأشكالها على الورق، وبعد ذلك يبدأ بتطبيقها على الحبال فوق المساجد.

فوانيس رمضان للبيع هذا الأسبوع في حي باب زويلة بالقاهرة، تصوير سيما دياب لصحيفة نيويورك تايمز (Others)

وكان الخطاط حافظ كفيفي، أحد مؤذني مسجد الفاتح، هو الذي اكتشف الماهية لأول مرة، حين قام بتشكيل إطار فني على منديل كبير مزركش وقدم مشروعه إلى السلطان، وحظي هذا العمل بتقدير كبير وأمر السلطان بعرض هذه الأنواع من الكتابات والصور بين المآذن في ليالي رمضان بشرط أن تكون متوافقة مع الشريعة الإسلامية والتقاليد.

وبعد فترة وجيزة من قيام الجمهورية التركية، أُمر المحياجي بإصدار رسائل وطنية مثل "توفير المال" أو "شراء المنتجات التركية".

وكان إنشاء "المحيا"، الذي يستغرق 15 يوماً قبل شهر رمضان، وسيلة لكتابة الكلمات على الليل عن طريق مصابيح زيتية صغيرة من حبل ممتد بين المئذنتين.

وكان "المحيا" قديماً مقاوماً للرياح ومتيناً، وكان يُستخدَم زيت الزيتون والشمع من أجل إنارتها.

أما اليوم، يستخدم "المحيا" الأسلاك الكهربائية ويضاء طوال الشهر الكريم، ويعرض آيات قرآنية وأحاديث ومواعظ وعبارات ترحيب بالشهر ووداع له معلقاً بين مآذن المساجد في أنحاء تركيا كافة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً