الصداع النصفي (Getty Images)

يُعدّ الصّداع من المشاكل الصحية التي تصيب تقريباً الجميع بلا استثناء، وذلك حسب منظمة الصحة العالمية، ولذلك نجد الكثير من الأشخاص يلجؤون إلى تناول مسكنات الألم على الفور دون معرفة السبب الحقيقي وراء الصداع، ظنَّاً منهم أنّ مسكنات الألم هي الخيار الصحيح في جميع الحالات، وهذا خاطئٌ تماماً.

ماذا يجب أن أعرف عن الصداع؟

لا تفيد مسكنّات الألم التقليدية في جميع حالات الصداع، حيث إنّ مفتاح علاج الصداع يكمن في معرفة نوعه وسببه، وبالتالي التشخيص الصحيح للحالة ما يقود بدوره إلى العلاج الأكثر فعالية.

من المهم للمريض مراقبة الأعراض المرافقة لحصول الصداع، ومحاولة معرفة إن كان هنالك محفزات معينة لحصول الصداع مثل التوتر النفسي، أو تناول طعام ما، أو تغيّر في طبيعة النوم وغيرها، حيث تشير منظمة مايوكلينيك الأمريكية إلى أنّ هذه المعلومات تفيد الطبيب كثيراً في تحديد ماهية الصداع والعلاج المناسب.

هذا ما يؤكدّه الموقع الرسمي لمستشفى كليفلاند كلينيك الأمريكي العريق، حيث يشير إلى أنّه في سبيل التشخيص الصحيح يقوم مقدّم الرعاية الصحية بالتحاور مع المريض حول نقاط مختلفة، تشمل: وصفاً لطبيعة الألم وحدّته، ومدى تكراره، والوقت الذي يستمرّ فيه الألم، وتحديد وجود محفزات معيّنة لحصول الألم من عدمها، إلى جانب كمية الكافيين التي يحصل عليها المريض، ومستوى التوتر النفسي لديه، وعادات النوم، ومشاكل العمل، وطبيعة الأعراض الأخرى المرافقة إن وجدت، والأدوية المستخدمة، وغيرها. من المهم أن يعرف المريض الإجابة عن جميع الأسئلة المتعلقة بهذه النقاط بشكل دقيق، ولذلك من الجيّد للمريض الاحتفاظ بملاحظاته حول آلام الصداع لديه في أثناء حياته اليومية لمناقشتها مع الطبيب.

أنواع الصداع

يتمّ تقسيم الصداع بشكل أساسي إلى صداع أولي وصداع ثانوي، حيث يكون في النوع الأول الصداع هو المشكلة بحدّ ذاته، ولا يدلّ وجوده على وجود أمراض أخرى، ومن أمثلته الصداع النصفي أو كما يُعرف باسم الشقيقة (Migraine)، في حين يكون الصداع ثانوياً عندما يكون عرضاً، ويدلّ على وجود مشكلة أخرى أدّت إلى الإحساس بألم في الرأس، ومن أمثلته الصداع المرافق لالتهاب الجيوب الأنفية.

الصداع النصفي (Getty Images)

يوجد ما يزيد على 150 نوعاً للصداع، وهذا ما يجعل عملية تشخيص سبب الصداع للحصول على العلاج الأمثل أمراً أكثر تعقيداً ممّا يظنّه الكثيرون، ولذلك سنقدم في هذا المقال شرحاً لأكثر أنواع الصداع شيوعاً وتأثيراً على الصحة حسب منظمة الصحة العالمية، إلى جانب كيفية التعامل معها بالشكل الصحيح. يُذكر أنّ المنظمة تشير إلى أنّ قلة من المرضى يحصلون على التشخيص الصحيح لحالاتهم مع الأسف، ويقع جزء من هذه المسؤولية على قلّة الوعي العام بوجود علاجات مختلفة وفعالة وفقاً لنوع الصداع الموجود.

صداع التوتر

يُعدّ صداع التوتر (Tension headache) أكثر أنواع الصداع شيوعاً، وفيه يشعر المصاب بألم في جانبي الرأس يبدأ من أعلى الرقبة وخلف الرأس ويمتدّ للشعور بضغط شديد حول الصدغين أو فوق الحاجبين، ولذلك عادةً ما يصف المريض هذا الألم بوجود شريط مشدود حول الرأس. تترواح شدّة هذا الألم بين الخفيفة والمعتدلة، ولذلك لا يتعارض مع الأنشطة اليومية للمريض ويستمر لبضع ساعات في حين قد يمتدّ إلى عدّة أيام.

يحصل هذا الصداع بسبب شدّ في عضلات الرأس والرقبة نتيجة التعرض لضغوطات نفسية، أو الاكتئاب، أو القلق، أو تعرض الرأس للإصابة، فيما قد ينتج عن أيّ نشاط يكون فيه الرأس ثابتاً على نفس الوضعية لوقت طويل، وتفيد مسكّنات الألم المصروفة دون وصفة طبية في علاج هذا الألم، ومن أمثلتها الأسبرين (Aspirin)، والآيبوبروفين (Ibuprofen)، والأسيتامينوفين (Acetaminophen). من الجدير بالذكر وجود علاجات دوائية أخرى تحتاج إلى وصفة الطبيب، إلى جانب علاجات مساندة غير دوائية مثل التدليك، والعلاج الطبيعي، ومحاولة السيطرة على أسباب الإجهاد النفسي.

الصداع النصفي

يشعر المصاب بالصداع النصفي بألم تتراوح شدته بين المعتدل والشديد ويكون على هيئة ألم خافق أو إحساس بنبض مؤلم في أحد جانبي الرأس أو كليهما، وغالباً ما يصحبه غثيان وقيء، وحساسية تجاه الأصوات والأضواء. وبشكل عام يتمّ تقسيم مراحل الصداع النصفي إلى أربع مراحل حسب ما تشير إليه مؤسسة الصداع النصفي الأمريكية (American Migraine Foundation)، وهي البادرة (Prodrome)، والأورة (Aura)، والنوبة، وما بعد البادرة (Postdrome)، ومن المهم التنبيه هنا إلى أنّ ليس كلّ من يصاب بالشقيقة يمر بجميع هذه المراحل.

يمرّ ما نسبته 75% من مرضى الشقيقة بمرحلة البادرة، وفيها يشعر الشخص بتغيّرات طفيفة قبل ساعات أو أيام من بدء نوبة ألم الرأس، تشمل أعراضها تغيّرات في المزاج، ورغبة ملحة في تناول بعض أنواع الطعام، وكثرة التثاؤب، والتبول المتكرر، وزيادة الإحساس بالعطش.

يظهر على المريض أعراض بصرية في مرحلة الأورة، والتي تحصل قبل نوبة الألم مباشرةً أو في أثنائها، حيث تبدأ الأورة بشكل تدريجي على مدى 5-20 دقيقة وتستمرّ لمدّة أقلّ من ساعة حسب موقع webmd الطبي، وفيها يعاني المريض من أعراض عصبية أهمها ظواهر بصرية مثل رؤية خطوط متعرجة، أو بقع سوداء، أو ومضات من الضوء، فيما قد يشعر المريض بخدر أو يواجه صعوبةً في الحديث. وتعدّ هذه المرحلة على الرغم من ندرتها تحذيراً بنوبة الألم اللاحقة تسمح للمريض بتناول الأدوية اللازمة لتخفيف الألم المصاحب للنوبة في المرحلة التالية.

تستمر نوبة الألم بين 4 ساعات وعدّة أيام يرافقها ألم الرأس النابض الحادّ الذي قد يتعارض مع الأنشطة اليومية، ويشعر 80% من المصابين بالغثيان فيما يعاني نصفهم من القيء، كما تزيد حساسية المرضى تجاه الأضواء والأصوات خلال هذه المرحلة. يلي هذه النوبة مرحلة ما بعد البادرة التي يمرّ 80% من المصابين بالشقيقة بها، وفيها يشعر المريض بالدوار، والإعياء، وضعف التركيز.

حسب مؤسسة أبحاث الصداع النصفي (Migraine Research Foundation) فإنّ نسبة إصابة النساء بالشقيقة أعلى بثلاثة أضعاف منها لدى الرجال، وعادةً ما يستعين المريض بمسكنات الألم المصروفة من دون وصفة طبية، وهي تكون أكثر فعالية كلما تمّ تناولها بوقت مبكر، في حين يستفيد آخرون من الاستلقاء مع إغماض العينين في غرفة مظلمة وهادئة، والاستعانة بكمادات باردة على الجبين، إلى جانب شرب السوائل أو تناول الطعام، ولكن نظراً لتعقيدات الصداع النصفي فإنّه لا بدّ من زيارة الطبيب حسب هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (National Health Service)، إذ توجد خيارات دوائية ووقائية أخرى وعلاجات مساندة متعدّدة قد يلجأ إليها الطبيب.

الصداع العنقودي

ما يميز الصداع العنقودي أنّه مفاجئ وسريع على عكس الصداع النصفي، كما أنّه على النقيض من الصداع النصفي وصداع التوتر لا يكون مرتبطاً بمحفزات معينة مثل الأطعمة، أو التغيرات الهرمونية، أو الضغوط، وعادةً ما يفتقر إلى أعراض سابقة لنوبة الألم، حيث يتطور الألم ليصبح شديداً بعد5-10دقائق من بدء الصداع، وعادةً ما تستمرّ كلّ نوبة عدّة ساعات مع ألم شديد يستمر ما بين 30 دقيقة وساعتين. غالباً ما يشعر المريض بالصداع في أثناء النوم ويكون الألم كفيلاً بإيقاظه من نومه.

يحدث الصداع العنقودي بأنماط دورية تتخللها فترات تُسمي بالفترات العنقودية التي يظهر فيها الألم ويليها فترات خالية من الصداع، وتتباين هذه الفترات بين مريض وآخر حيث تحصل نوبات الألم بشكل يوميّ أو كل يومين لمدّة أسابيع إلى أشهر، تليها فترات طويلة خالية من الألم لا تقلّ عن شهر.

نظراً لأن ألم الصداع العنقودي يأتي فجأة وقد يهدأ في غضون فترة زمنية قصيرة، فإنّه يتطلّب أدويةً سريعة المفعول، وتنقسم هذه الأدوية بين أدوية لتخفيف الأعراض وأدوية وقائية، وجميعها لا تُصرف دون وصفة الطبيب، فيما توجد علاجات جراحية، ولكن باستطاعة المريض المساهمة في تجنّب نوبات الألم عن طريق الحفاظ على نوم صحي بأوقات منتظمة وتجنب شرب الكحول.

صداع فرط استخدام الأدوية

ينتج هذا النوع من الصداع نتيجة الإفراط في استخدام مسكنات الألم لعلاج أحد أنواع الصداع، وتختلف طبيعته باختلاف نوع الصداع الذي يتمّ تناول الأدوية لأجله، والذي غالباً ما يكون الصداع النصفي أو صداع التوتر. ويُطلق عليه أيضاً اسم الصداع الارتدادي (Rebound headache) نظراً لأنّ المريض يتناول مسكنات الألم لعلاج صداع ما في حين يظهر الصداع الارتدادي عند توقفه عن تناول الأدوية كصداع جديد مختلف عن الصداع الأصلي الذي كان يعاني منه المريض، ما يدفعه إلى تناول المزيد من مسكنات الألم وهكذا. ويعتمد علاج هذا الصداع على التوقف عن استخدام الأدوية تحت إشراف الطبيب منعاً للأعراض المصاحبة لانسحاب الدواء، وبشكل عام يستطيع المريض تجنّب هذا الصداع عن طريق الالتزام بتناول مسكنات الألم حسب وصف الطبيب، وضرورة استشارة الطبيب في حال شعور المريض بالحاجة إلى استخدام مسكن الألم أكثر من مرتين في الأسبوع، إلى جانب تجنب المريض لمحفّزات الصداع لديه.

في النهاية من المهم أن تتذكر أن الأدوية التي تُصرَف من دون وصفة طبية وعلى الرغم من سلامتها فهي أدوية، وقد يكون لها آثار جانبية وتفاعلات محتملة مع الأدوية الموصوفة، ولذلك فمن الحكمة دائماً أن تسأل الطبيب أو الصيدلاني إذا كان لديك أسئلة حول الأدوية التي لا تستلزم وصفة طبية، كما أنّ التصرف السليم عند تعارض الصداع مع الأنشطة اليومية هو زيارة الطبيب وليس تناول مسكنات الألم.

TRT عربي