بالرغم من قصر مدتها الزمنية التي امتدت طيلة ثلاث سنوات، إلا أنّ أحداث الحملة الفرنسية على مصر التي أشعلت فتيل ثورة القاهرة الأولى لا تزال غائصة في ذاكرة المصريين إلى اليوم وشاهدة على فظاعة الغزو الفرنسي.

تحت قيادة الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت، أبحرت السفن والجيوش الفرنسية متجهة إلى مصر في مايو/آيار 1798، وذلك لقطع طريق إنجلترا إلى الهند، متعللين بحماية المصريين وتخليصهم من حكم المماليك الذين كانوا في السلطة آنذاك.

واستطاع بذلك بونابرت، الذي عُرف في العديد من المصادر التاريخية بدهائه الاستراتيجي والعسكري، دخول مصر بالترويج لدعوته إلى التسامح والسلام. ولكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تكشّف الوجه الحقيقي للغزو الفرنسي، والذي حاول الجنرال الفرنسي طمسه والتعتيم عليه في مذكرات المؤرخين والجنود والجنرالات المشاركين في حملته العسكرية على مصر، خوفاً من أن تهتزّ صورته كقائد عسكري عظيم في أوروبا.

ومع أن هذه الحملة لم تدم سوى بضع سنوات، إلا أنها شهدت أكثر أطوارها وحشية ودموية، وذلك حين تصدّت قوات الجيش الفرنسي لثورة القاهرة الأولى، التي أسفرت عن سقوط مئات القتلى وإعدام عدد من علماء ومشايخ الأزهر.

ثورة القاهرة الأولى

مع حلول الذكرى 223 لاندلاع ثورة القاهرة الأولى، تستحضر الذاكرة المصرية نضالات أبنائها وعلمائها في مقاومة الغزو الفرنسي. فبعد أن ألقى الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت خطابه الشهير للمصريين متعهداً بحمايتهم والعمل على ازدهار مصر، متخفياً بالدعوة إلى السلام والتسامح، نقض بونابرت عهوده، وفرض ضرائب باهظة على الشعب المصري وبخاصة التجار، وسنّ قوانين إدارية جديدة ومجحفة، وانتشرت القوات الفرنسية في حملات تفتيش للبيوت والمحال والدكاكين لسلب الأموال، ومع تزايد العبء المالي، انطلقت آلة الدمار الفرنسي في هدم أبواب المدينة ومساجدها بعلة تحصينها وحمايتها.

فاحتدّ غضب الشارع المصري وسخطه على القوات الفرنسية آنذاك، وقرر المصريون وضع حدٍ لهذا الاضطهاد وطرد الفرنسيين من أراضيهم. فانتفض الأهالي بكامل منطقة القاهرة من أحياء وأرياف، في أكتوبر/تشرين الأول 1798، وانتشرت الخطب الدينية التي تحثّ المصريين على مقاومة الفرنسيين، ولم يتردد التجار بدورهم في تمويل الحراك، فانتشرت الأسلحة بين سكان المدينة، وأقيمت المتاريس، وتمركزت العديد من النقاط العسكرية في المدينة، وكان أهمها في جامع الأزهر، الذي تزعّم علماؤه وشيوخه ثورة القاهرة الأولى.

ومع اشتعال المواجهات بين الجانبين، وتحفيز أئمة الأزهر وعلمائه للمقاومين المصريين، ازداد عدد المقاتلين المصريين، واحتشد أكثر من 50 ألف متظاهر مصري في الطرق المؤدية إلى الأزهر، فأصبح وضع الجيش الفرنسي أكثر سواءً وحرجاً، ولم يستطع بونابرت حينها دخول المدينة، وقتل العديد من الجيوش الفرنسيين والجنرالات وكان من بينهم القائد الفرنسي دومينيك دوبوي، وجوزيف سولكوفسكي، مساعد بونابرت.

وبينما اشتدّ وطيس القتال بين الطرفين، نصب الفرنسيون المدافع في القلعة وأطلقوا النار بشدة على البيوت والمحال وأماكن تمركز المقاتلين والمحتجين، وكان النصيب الأكبر من الضربات المدفعية على حي الأزهر والأحياء المجاورة له، ثم سرعان ما تقدّمت القوات الفرنسية إلى أحياء القاهرة وطاردت المقاتلين بقيادة بونابرت، فأجبروا على اللجوء إلى جامع الأزهر والتحصن به.

وهناك، في رحاب الأزهر اقتحمت خيول الفرنسيين الجامع، وفُتح وابل من الرصاص على من كانوا به، وغرق جامع الأزهر بدماء أكثر من 2500 مصري وآلاف الجرحى الآخرين.

وأصدر بعد ذلك بونابرت أوامر بإلقاء القبض على المحرّضين على ثورة القاهرة، فأدين ستة من شيوخ الأزهر واقتيدوا إلى القلعة حيث أُعدموا ورميت أجسادهم في أماكن مجهولة.

الحملة الفرنسية على مصر.. صندوق بونابرت الأسود

لطالما كانت الحملة الفرنسية على مصر، محطة مثيرة للجدل في التاريخ المصري والفرنسي. فبينما كان يذاع صيت الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت وصيت جيشه، في أوروبا في ذلك الوقت، اصطدمت أسطورته التي حاول صنعها، مع جدار حقائق الحملة التي قادها إلى مصر، والتي سعى إلى تكميم أفواه المؤرخين والعسكريين الذين شاركوه فيها وحاولوا توثيقها بعد ذلك في مذكراتهم.

ففي مايو/آيار 1798 اتجهت أكثر من 300 سفينة بقيادة الجنرال العسكري الشاب نابليون بونابرت، من ميناء تولون الفرنسي إلى مصر، وكانت تقل حينها أكثر من 54 ألف شخص بين جنود ومهندسين ومعماريين وأطباء وعلماء.

ورغم نجاح الأسطول الفرنسي في البداية في السيطرة على مدينة الإسكندرية المصرية والتغلب على المماليك في عدة معارك، ومحاولة بونابرت كسب المصريين وقطع الكثير من العهود لهم، إلا أنّ الحملة كانت كارثة عسكرية لفرنسا، مُنيت فيها بعدة هزائم، وسددت صفعة موجعة لبونابرت وجنوده. ولم تستمر أكثر من ثلاث سنوات.

وشأنها شأن أيّ غزو غاشم في العالم، فقد سجّلت الحملة الفرنسية على مصر في صحائفها التاريخية العديد من الوقائع القاتمة والدموية والانتهاكات ضد الشعب المصري بكافة مكوناته، وكانت من بينها أحداث ثورة القاهرة الأولى.

TRT عربي
الأكثر تداولاً