كشفت الممثلة البريطانية إميليا كلارك، التي قامت بدور دينيريس تارغيريان في مسلسل صراع العروش، عن معركة حقيقية خاضتها مع مرض نادر أصابها منذ عام 2011 وحتى عام 2013، بعد أن نجحت في إخفاء الأمر عن وسائل الإعلام لمدة 8 سنوات.

الممثلة البريطانية إميليا كلارك في الموسم الأول من مسلسل صراع العروش 2011
الممثلة البريطانية إميليا كلارك في الموسم الأول من مسلسل صراع العروش 2011 ()

لم تشبه رحلة الممثلة البريطانية إميليا كلارك مع مسلسل صراع العروش أي أحد غيرها، فقد كشفت عن معركة حقيقية كانت تخوضها مع الموت في حياتها الخاصة منذ عام 2011 حتى أواخر عام 2013.

اختارت إميليا الكشف عن قصتها الحقيقية مع اقتراب عرض الموسم الأخير في 14 أبريل/نيسان المقبل، إذ نشرت تدوينتها في موقع نيويوركر يوم 21 مارس/آذار 2019، بعد أن نجحت في إخفاء الأمر عن وسائل الإعلام لثماني سنوات.

بلغة شفيفة روَت الممثلة البالغة من العمر 32 عاماً معركتها مع الموت.

البداية

"في الأسابيع التي تلَت الانتهاء من تصوير الموسم الأول، وعلى الرغم من مشاعر الترقُّب والإثارة التي ملأتني قبل عرضه، فإنني أحسست بصعوبة بالغة في تجسيد الشخصية، بالكاد شعرت أنني روح بإمكانها أن تغزو العالم، فقد اجتاحني الرعب".

بهذه الكلمات وصفت إميليا حالتها النفسية بعد الانتهاء من تصوير الموسم الأول، إذ أدّت دور دينيريس تارغيريان، أم التنانين، سليلة الملوك، والمحاربة التي لم تملك سوى ذاتها وإرادة حديدية تدفعها لتحقيق حلمها في استرداد العرش وتحرير العبيد وتحقيق العدالة.

أما في الحياة الواقعية، فقد كانت فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها، لم تحقّق نجاحاً مهنياً يوازي شغفها بالتمثيل وحلمها منذ كانت طفلة، لم تتوقع قَطّ حين تقدمت لتجارب الأداء اختيارها لهذه الفرصة الهامة.

"بدلاً من الالتحاق بالحفل الذي دُعيت إليه بعد اختياري لأداء الدور، ذهبت إلى غرفتي في الفندق، شاهدت مسلسلي المفضل فريندز وأنا أتناول بسكويت الأوريو"، ثم اتصلَت هاتفياً بكل من تعرف لإخبارهم بحصولها على الدور.

لذا فقد ملأتها المخاوف التي جعلتها تشعر بعد الانتهاء من التصوير بعمق المسافة بينها وبين الشخصية التي تؤدّي دورها، مخاوف من التفات الأنظار نحوها، من صعوبة المجال الذي كانت تخشاه بقدر ما ترغب فيه، من شعورها بالمسؤولية تجاه فريق العمل، "لقد شعرت بأنني منكشفة كلياً أمام العالم". كما أوضحت.

دينيريس تارغيريان تُحرر العبيد في مسلسل صراع العروش
دينيريس تارغيريان تُحرر العبيد في مسلسل صراع العروش ()

الجراحة الأولى: "قنابل موقوتة في رأسي"

في صباح يوم 11 فبراير/شباط 2011، ذهبت إميليا إلى صالة الجيم لممارسة تمارينها المعتادة، شعرت بإرهاق شديد قبل أن يفتك بها صداع لا يمكن احتماله، فتوقفت عن التمرين، وذهبت مترنّحة إلى صالة تغيير الملابس، وقبل أن تفقد وعيها من الألم شعرت بأن دماراً أصاب رأسها.

جاءت سيارة الإسعاف مسرعة، نقلتها إلى المستشفى الذي عجز عن تشخيص الأعراض، استُدعي والداها وأُجرِيَ رنين مغناطيسي على المخ.

وصفت إميليا معركتها مع الألم في تلك اللحظات "قلت لنفسي أنا لن أصبح مشلولة، حرّكت أطرافي للتأكد من عدم حدوث ذلك، شعرت بأن ذاكرتي مهددة، وحاولت إبقاءها حيَّة عن طريق استدعاء مجموعة من التفاصيل، من بينها ترديد مقاطع أحفظها من دوري في المسلسل".

ثم جاء التشخيص صادماً؛ لقد أُصيبَت بنوع من السكتة الدماغية نادرة الحدوث، تُعرف بـ"نزيف تحت العنكبوتية"، تتمدد فيه الأوعية الدموية حول المخ بشكل مفاجئ وتصبح على وشك الانفجار، واحد من أخطر أنواع السكتات الدماغية التي تؤدِّي إلى الوفاة في معظم الحالات.

نُقلَت على الفور إلى المعهد القومي البريطاني لجراحة الأعصاب، حيث قرر الأطباء إجراء عملية معقدة على وجه السرعة في محاولة لإنقاذها، باستخدام طريقة جراحية حديثة لا يجب فيها فتح الجمجمة.

استمرّت الجراحة ثلاث ساعات، تلتها أربعة أيام داخل غرفة العناية المركزة، ثم شهر في المستشفى تحت الملاحظة واستكمال الفحوصات.

الرغبة في الموت

والد إميليا كان يعمل مهندس صوت بالمسارح البريطانية، وحين ذهبت لمشاهدة أحد العروض مع أسرتها حين كانت في الرابعة من عمرها، شغفها كل ما يدور في الكواليس: الملابس والماكياج والبروفات وأحاديث الفنانين... بمرور الوقت تَشكَّل الحلم بداخلها وأصبح كل ما ترجوه من حياتها أن تصبح ممثلة.

لذا حين بدأت مرحلة النقاهة شعرت بالرعب حين سُئلت عن اسمها وعجزت عن تذكُّره، "لم أختبر في حياتي خوفاً مماثلاً لما شعرت به في تلك اللحظة، لقد شعرت بفقدان حياتي القادمة ورأيتها بلا قيمة" على حد وصفها.

عانت إميليا فقدان القدرة على الكلام، وهو إحدى تبعات الصدمة التي تَعرَّض لها المخ، وعلى الرغم من أنها قضت أياماً تتفوه بغمغمة غير مفهومة، فإنها تذكر جيداً كيف عاملتها والدتها بلطف شديد حين أقنعتها بأنها تتحدث بعبارات واضحة تماماً.

لم تفلح محاولات الأم في تهدئتها، فقد عرفت إميليا أنها تتلعثم، "في لحظاتي الأشدّ ظلمة، رغبت في نزع الأجهزة التي تبقيني على قيد الحياة، وطلبت من الفريق الطبي أن يُسلِمني للموت". وأوضحت أن رغبتها في الموت جاءت من شعورها بضياع حلمها في اللحظة التي اقتربت منه فيها، فمهنة التمثيل تتركّز حول اللغة، والقدرة على التواصل، وبفقد انهما امتلأ الأفق بالضباب.

لم تواجه إميليا أي مرض خطير قبل وصولها إلى تلك اللحظة، كانت تتمتع بصحة جيدة، لم يتعدَّ الأمر إصابتها بالصداع من آن إلى آخَر وهو ما كانت ترجعه إلى ضغوط العمل والحياة، لكنها بعد الجراحة شعرت بأنها كانت إشارات إلى ما حدث داخل رأسها.

نجحت الجراحة ونجت إميليا من موت مُحقَّق، أخبرت فريق العمل بتفاصيل حالتها، لكنها طالبت بإخفاء الأمر عن وسائل الإعلام وعدم نشره تحت أي ظرف، ثم عادت لتصوير الموسم الثاني ممتلئة بالخوف والتشكُّك مما قد يفاجئها به جسدها مجدداً، وفي الوقت الذي كانت تقف فيه أم التنانين بصلابة في مواجهة العالم داخل المسلسل، كانت إميليا تقول لنفسها "في كل لحظة من كل يوم" إنها على وشك الموت.

الممثلة البريطانية إميليا كلارك في حفل الأوسكار 2019
الممثلة البريطانية إميليا كلارك في حفل الأوسكار 2019 (AFP)

الجراحة الثانية: إميليا في مواجهة دينيريس

عام 2013، وبعد الانتهاء من تصوير الموسم الثالث، ذهبت إميليا لإجراء رنين مغناطيسي مجدداً، وهو الإجراء الذي أصبح ضرورياً بعد الجراحة الأولى، لتكتشف أن الجانب الآخر من المخ قد تضاعف حجمه. وعدها الطبيب بأن الجراحة هذه المرة ستكون أسهل ولن تعاني بنفس القدر، استُخدمت نفس الطريقة في الجراحة السابقة، لكن هذه المرة لم ينجح الأمر.

فشلت العملية الجراحية، أصبح النزيف أقوى وتَحتَّم على الأطباء التدخل فوراً قبل فوات الأوان، لم يتبقَّ سوى محاولة أخيرة بالعودة إلى الطريقة التقليدية وشق الجمجمة ومعالجة النزيف يدوياً.

"لقد شعرتُ بأنني أخوض حرباً أكثر ضراوة من أي حرب خاضتها دينيريس"، أوضحت إميليا قسوة مواجهة الموت للمرة الثانية، وبعد انتهاء الجراحة المعقدة مرّت بشهر آخر من الألم غير المحدود، وصفته بقولها "كانت الدماء ترشح من رأسي، استُبدل بأجزاء من الجمجمة التيتانيوم، قُطع رأسي وصولاً إلى أذنَيّ، جرح لم أتصوّر إمكانية إخفائه لاحقاً، ثم مررت بنوبات قلق مما قد أفقد هذه المرة، وأفكر هل ستكون الذاكرة؟ قدرتي على التركيز؟ إمكانية الرؤية...؟"، لكنها، بأعجوبة، نجَت هذه المرة أيضاً.

بعد مرور أسابيع قليلة على تعافيها، داهمها صداع جلب معه مخاوفها مجدداً، "قلت لنفسي حينها لقد حان الوقت، تمكّنت من خداع الموت مرتين، والآن جاء لينتقم مني"... لكنه لم يأتِ.

تعافت إميليا في السنوات اللاحقة إلى درجة فاقت كل توقعاتها، وربما هذا ما جعل رحلتها وصولاً إلى الموسم الأخير من مسلسل صراع العروش، ممتعة وغير متوقَّعة، بل وتفوق الخيال كما عبَّرَت عنها في تدوينتها التي ختمتها بقولها "أنا ممتنة جداً أنني ما زلت هنا كي أشهد نهاية الحكاية وبداية ما لا أعرف، ما سوف يأتي لاحقاً".

المصدر: TRT عربي