عام 2020 على الأبواب، والجميع يخططون له، بين من يرغب في بدء الحمية، ومن يريد ممارسة الرياضة، ومن يخطط لتغيير عمله، ومن يعِد نفسه بالحرص على تناول طعامٍ صحّي. لماذا نحن بحاجة إلى التخطيط للعام الجديد؟

نجدُ أنفسنا مع كل نهايةِ سنةٍ وبدايةِ أخرى جديدة، أمام رغبةٍ جارفة في تقييم السنة التي مضت ووضع الخطط والتصورات والأماني التي يُرجَى تحقيقها والعمل عليها في السنة الجديدة. جميعنا نفعل ذلك بكل تأكيد. هناك من يضع خطة لتوفير المال، أو ممارسة الرياضة، أو التزام الطعام الصحي أو، تعلم ما هو جديد، أو تحسين الأداء في المدرسة أو الجامعة، وغيرها كثير كثير.

وعلى الرغم من اختلاف الأهداف والخطط التي نضعها، فإن نسبةً كبيرة من الناس تتشارك نفس الخطط والأهداف. على سبيل المثال، وجد أحد الاستطلاعات التي أجرتها جامعة شيكاغو أن 55.2% من القرارات المرتبطة ببداية العام الجديد تتعلق بالصحة، سواء في ما يتعلق بالطعام أو الرياضة أو غيرها من العادات الصحية، و34.4% منها مرتبطة بالعمل، و5.2% منها هي أهداف اجتماعية مثل قضاء مزيد من الوقت مع العائلة ومساعدة الآخرين والاستمتاع بالحياة والتطوع.

55.2% من القرارات المرتبطة ببداية العام الجديد تتعلق بالصحة سواء في ما يتعلق بالطعام أو الرياضة أو غيرها من العادات الصحية.

استطلاع جامعة شيكاغو حول أهداف العام الجديد، الصادر عام 2017

وما بين فشلنا أو تكاسلنا عن تحقيق الخطط التي وضعناها بداية العام الذي يقترب على النهاية، وأملنا بأن السنة القادمة ستكون مختلفة وأننا بالتأكيد سنعمل على الخطط التي لم ننجح فيها السنة الفائتة، يخبرنا علم النفس بكثير من الأمور ويشرح لنا إغراءات البدايات وهوسنا بوضع الخطط المرتبطة بها والنجاح أو الفشل في تحقيقها.

لماذا تحفزنا البدايات؟

في علم النفس يُطلَق مصطلح "تأثير البداية الجديدة" على ميل الأفراد إلى تحويل بعض المناسبات والتواريخ إلى معالم زمنية مميزة كفرصةٍ جيدة لإعادة تقييم الماضي والمحاسبة الذاتية وتحديد صورة الذات التي يرغبون في تحقيقها في المستقبل. قد تكون هذه المعالم الزمنية أول يومٍ في الأسبوع أو في الشهر أو أول يومٍ من رمضان أو أول يومٍ من الفصل الدراسي أو من العام الجديد أو عيد ميلادك، وغيرها.

على الرغم من اختلاف الأهداف والخطط التي نضعها، فإن نسبةً كبيرة من الناس تتشارك نفس الخطط والأهداف
على الرغم من اختلاف الأهداف والخطط التي نضعها، فإن نسبةً كبيرة من الناس تتشارك نفس الخطط والأهداف (Getty Images)

وقد وجد الباحثون بالفعل أن معدَّلات البحث في شبكات الإنترنت عن كلمة "حِمية" على سبيل المثال تكون أكثر ارتفاعاً في اليوم الأول من كل شهر وفي اليوم الأول من كل أسبوع. وليست صدفةً أن البحث عن تلك الكلمة في محرك البحث غوغل يزيد بنسبة 82% في الأول من يناير/كانون الثاني، أي اليوم الأول في الشهر الأول من كل عام.

لماذا لا ننجح في تحقيق خططنا؟

كثير منا ينسى خطته بعدَ شهرٍ واحدٍ من البدء فيها، أو ربما قبل ذلك. وبعضنا يشتري أجندةً سنويةً معتقداً أن هذا العام سيكون مختلفاً، إلا أن الأجندة تتحول كغيرها من الدفاتر الملقاة على الرف بعد فترةٍ أيضاً. وفي الحقيقة، وحسب لغة الأرقام والأبحاث، فإن نحو نصف البالغين يتخذون عدداً من القرارات للسنة الجديدة. ومع ذلك فإن أقلّ من 10% منهم فقط ينجح في الاحتفاظ بها والعمل على تحقيقها لأكثر من بضعة أشهر.

لكن على الرغم من أن كثيرين منا لا يحقّقون أهداف العام الجديد بالضرورة، فإن بعض الأخبار الجيدة تتعلق بالموضوع. فوفقاً لواحدة من الدراسات التي نُشرت في مجلة علم النفس السريري، فإن الذين يضعون قرارات السنة الجديدة هم أكثر عرضة لتغيير سلوكهم بعد 6 أشهُر مقارنةً مع الأشخاص الذين لا يضعون أيّاً من الأهداف السنوية، ما يجعلنا نتساءل عن أسباب نجاح البعض في ذلك، في حين يفشل البعض الآخر.

يُشير الباحث طارق بلال في تصريحه لـTRT عربي إلى أننا بحاجة إلى خطط العام الجديد لأن الأمور غالباً ستكون أسوأ في غيابها. ومِن ثَم فنحن بحاجةٍ إلى أنْ نمتلك تصوُّراً مبدئيّاً لما يمكن أنْ نكونه أو نكون عليه في المستقبل، وإنْ لم نستطِع تنفيذها. ويُكمل بأنه في كثيرٍ من الأحيان غالباً ما تكون الخطة بلا فائدة، لكنْ في الوقت نفسه فإن العواقب ستكون غير مريحة لو لمْ يجرِ التخطيط الذي يسبقها.

نحن بحاجةٍ إلى أنْ نمتلك تصوُّراً مبدئيّاً لما يمكن أنْ نكونه أو نكون عليه في المستقبل، لذلك نضع أمامنا أهداف العام الجديد وإنْ لم نستطِع تنفيذها.

طارق بلال، باحث في علم النفس

ومن فهمنا لأسباب إخفاقنا قد يمكننا لاحقاً فهم الطرق الفعالة للاستمرار في الحفاظ على تنفيذ خططنا وتحقيقها. واحدٌ من الأسباب الرئيسية وراء هذا الفشل هو تشتيت النفس بكثير من القرارات أو السعي لتحقيق الصعب منها دفعةً واحدة، مما يؤثر بشكلٍ سلبي على الشعور بالثقة والكفاءة. ولعل الحل الأمثل لهذه المشكلة يكمن في محاولة تخصيص الهدف بشكلٍ أكبر ومن ثم العمل على تحقيقه بشكلٍ تدريجي خطوة بخطوة، مثل إجراء تغييرات في النظام الغذائي في خطوات صغيرة بدلاً من تغييره دفعةً واحدة.

إضافةً إلى ذلك، وحسب الباحثة في علم النفس دانة سباعي، فإن مشاركة الشخص للقرارات والخطط أو الإفصاح عنها قد يساعد أكثر على تحقيقها، فهو يساعد أكثر على مراقبة الذات والسلوكيات المتعلقة بالخطط نفسها من جهة، ومن جهةٍ ثانية يمكن أنْ يلعب التحفيز والتشجيع والتذكير ممن حولنا دوراً مهمّاً في الحفاظ على الخطة، بخاصة إنْ كان هنالك من يشاركنا الخطة نفسها أيضاً.

تستطرد السباعي، في حديثها لـTRT عربي أنّ من باب تجربتها خطة التزام الرياضة والطعام الصحي، بأننا جميعاً معرَّضون دوماً للهفوات والنزوات في أثناء تنفيذنا خططنا، فمعظم العادات التي نريد تغييرها لا تتغير في وقتٍ قصيرٍ أبداً، بل قد تحتاج إلى شهورٍ وربما سنوات حتى يمكننا التخلي عنها أو استبدال غيرها بها. لذلك فهي تنصح بضرورة الصبر وتقبُّل فكرة أننا قد نخطئ أو نحيد عن الخطة في أي لحظة. لكن الأهم من ذلك، من وجهة نظر السباعي، أن لا تقودنا هفواتنا إلى الندم ولوم الذات اللذين يؤدِّيان في كثيرٍ من الأحيان إلى التثبيط والابتعاد عن الخطة أكثر فأكثر. ما يهمّ فعلاً هو التعلم من الأخطاء ومحاولة تقبُّلها إن حدثت.

بالمحصلة، قد نكون فعلاً بحاجةٍ إلى وضع خطةٍ بداية العام الجديد، وتقييم أدائنا في العام الذي يوشك على الانتهاء، لكننا قبل كل شيءٍ بحاجةٍ إلى أنْ نتأكد أن كل يومٍ هو يومٌ جديد لنا، يمكننا أنْ نعمل فيه على خطةٍ من خططنا ولو لمْ نلتزمها بحذافيرها أو بتفاصيلها الدقيقة جدّاً، فالأيام مليئة دوماً بما هو جديدٌ وغير متوقَّع وطارئ.

المصدر: TRT عربي